إلى أين يقود تزايد عنف المستوطنين ضد النشطاء الإسرائيليين؟
الجزيرة.نت -

الأغوار- لم يعد عنف المستوطنين الإسرائيليين يقتصر على الفلسطينيين وممتلكاتهم وتجمعاتهم السكنية في فلسطينيي 48، وكذلك أصواتا إسرائيلية ويهودية اختارت الوقوف في وجه هذا العنف وتوثيق جرائمه.

ففي عين سامية، شمال شرق رام الله، تحولت جولة ميدانية لنشطاء إسرائيليين مناهضين للاستيطان إلى مشهد جديد من مشاهد الاعتداءات التي تنفذها عصابات المستوطنين، بعدما تعرض مدير عام حركة "السلام الآن" الإسرائيلية، ليئور عميحاي، للضرب والاعتداء، في حادثة يرى ناشطون أنها ليست استثنائية أو عابرة، بل نتيجة طبيعية لمسار متصاعد من التحريض والعنف الذي بات يستهدف كل من يعارض مشروع الاستيطان أو يسعى إلى فضح ممارساته.

الاعتداء الذي وقع في منطقة ينابيع عين سامية، التي استولت عليها مجموعات استيطانية خلال الحرب على غزة بدعم وإسناد من قوات الاحتلال الإسرائيلي، استهدف وفداً من النشطاء اليهود والعرب، بينهم أعضاء من حزب "الديمقراطيين" برئاسة يائير غولان.

ينابيع عين سامية شمال شرق رام الله استولى عليها المستوطنون وحولوها لمزار سياحي لهم فقط (الجزيرة)
استهداف مع سبق الإصرار

وبشأن تفاصيل الاعتداء، فقد حاصر المستوطنون المشاركين، واعتدوا عليهم جسديا ولفظيا، وحاولوا الاعتداء على سائق المركبة، وهو من فلسطينيي الداخل، ومنعوهم من مغادرة المكان لساعات، في مشهد أعاد إلى الأذهان عشرات الهجمات المشابهة التي طالت متضامنين ونشطاء خلال السنوات الأخيرة.

وبينما يواصل نشطاء عرب ويهود تنظيم جولات ميدانية إلى القرى والتجمُّعات الفلسطينية المستهدفة، لتعزيز صمود سكانها وتوثيق الانتهاكات، تتصاعد داخل المجتمع الإسرائيلي مخاوف متزايدة من أن العنف الذي يمارس اليوم في تلال الضفة والأغوار قد لا يبقى محصورا هناك وقد ينتقل إلى البلدات الإسرائيلية داخل الخط الأخضر.

ويروي مدير عام حركة "السلام الآن"، ليئور عميحاي، تفاصيل الاعتداء عليه باعتباره نموذجا لما آلت إليه الأوضاع في الضفة حيث بات العنف الاستيطاني -برأيه- جزءا من عمل منظم يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض وإسكات كل من يحاول توثيقها أو التصدي لها.

إعلان

وقال للجزيرة نت إن الجولة بدأت بصورة اعتيادية، لكن الأحداث سرعان ما أخذت منحى مختلفا. فبعد وقت قصير من وصول المجموعة إلى عين سامية، لاحظ المشاركون وجود مستوطنين يقضون أوقاتهم في الموقع الذي كان في السابق متنفسا ومصدرا للمياه للفلسطينيين.

وأضاف أن المكان بات يضم مرافق أقامها المستوطنون، من بينها عربة لبيع القهوة وشعارات وأعلام تحمل صورة "الهيكل" المزعوم، في مشهد يعكس حجم السيطرة التي فرضت على المنطقة.

منع التوثيق والنشر

وبحسب عميحاي، ظهر مستوطنان بشكل مفاجئ ومنعا المجموعة من التقدم، قبل أن يعتديا عليه بالضرب في الرأس والوجه. وعلى الرغم من استدعاء الشرطة الإسرائيلية فور وقوع الاعتداء، فإنها لم تصل إلى المكان.

في المقابل، حضرت بسرعة عناصر من وحدة الحراسة الإقليمية التابعة للمستوطنين، والتي تضم آلاف المستوطنين الذين جرى تسليحهم وتجنيدهم في إطار مهام مرتبطة بجيش الاحتلال. ويعتقد عميحاي أنهم وصلوا بعد تلقي بلاغ من المستوطنين أنفسهم.

وأكد أن الهجوم وقع بشكل علني وأمام عدسات الكاميرات، وأن جميع تفاصيله موثقة. ورغم ذلك، لم يتم اعتقال المهاجمين، بينما وجد نفسه يخضع للتحقيق في مركز شرطة بنيامين للاشتباه بارتكاب "اعتداء غير مبرر". كما طلبت منه الشرطة التوقيع على تعهد بعدم دخول الضفة الغربية لمدة أسبوعين.

والقضية -وفقا له- لا تتعلق به شخصيا، بل بما يجري على الأرض في الضفة. ويرى أن الاعتداءات التي تستهدف النشطاء والمتضامنين تأتي في سياق أوسع يرتبط بمحاولات إخفاء ما يصفه بسياسات التهجير والاستيلاء على الأراضي، ومنع وصول المعلومات والصور إلى الرأي العام.

المجموعات الاستيطانية تحاصر مساكن الفلسطينين في الأغوار الشمالية وتروج لشقق جديدة بمستوطنة مسكيوت (الجزيرة)
مجموعات أيديولوجية تستهدف الكل

ويعتقد عميحاي أن المجموعات الاستيطانية "التي تتحرك بدوافع أيديولوجية ودينية وسياسية" لن تتردد في استهداف أي إسرائيلي أو يهودي يعارض مشروعها أو يقف في وجهه.

وأشار إلى أن هذه التيارات تحمل رؤية دينية وقومية متشددة لأرض إسرائيل، ويرى أنها "تتناقض مع مفهوم إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية".

ومع اقتراب أي استحقاقات سياسية أو انتخابية، يحذر عميحاي من إمكانية انتقال حالة الاستقطاب والعنف إلى داخل المجتمع الإسرائيلي بصورة أوسع.

وأوضح أن احتدام المنافسة السياسية في انتخابات الكنيست الإسرائيلي قد يدفع بعض القوى إلى توظيف المجموعات الاستيطانية في الصراع الداخلي، الأمر الذي قد ينعكس في شكل اعتداءات وضغوط على النشطاء والمعارضين السياسيين، وربما على أي جهة تنتمي إلى المعسكر المناوئ للحكومة.

مجموعة من النشطاء والصحافيين في منطقة الحديدية البدوية بالأغوار الشمالية (الجزيرة)
فرض وقائع جديدة

ومن بين التلال الممتدة في الأغوار الشمالية، حيث ترافق الرعاة الفلسطينيين والتجمعات البدوية المهددة بالاقتلاع بشكل شبه يومي، تتابع الناشطة الاجتماعية الميدانية الإسرائيلية، يفعات ماهل، التحولات التي شهدتها الضفة خلال العامين الأخيرين عن قرب. وبالنسبة لها، فإن ما يجري اليوم لم يولد من فراغ، بل يمثل تسارعا لمشروع كانت قوى اليمين الاستيطاني تنتظر اللحظة المناسبة للشروع في تنفيذه.

إعلان

وقالت ماهل للجزيرة نت إن 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 شكل -برأيها- فرصة استغلتها أحزاب اليمين المتطرف والحركة الاستيطانية لتسريع مخططاتها في الضفة والأغوار.

وأضافت أنه بينما انشغل العالم بالحرب على غزة، كثّفت مجموعات المستوطنين، بدعم من أحزاب مشاركة في حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، اعتداءاتها وتحركاتها الميدانية لفرض وقائع جديدة على الأرض وتوسيع السيطرة على حساب الوجود الفلسطيني.

وترى أن استهداف الفلسطينيين ليس سوى جزء من الصورة. مؤكدة أن هذه المجموعات لا تتسامح أيضا مع الإسرائيليين واليهود الذين يحاولون توثيق الانتهاكات أو الوقوف إلى جانب الفلسطينيين.

"بيئة خصبة"

وتتفق ماهل مع عميحاي فيما ذهب إليه من أن الخطر لا يكمن فقط في اتساع دائرة العنف داخل الضفة، بل بإمكانية انتقاله إلى داخل إسرائيل نفسها. ورأت أن التيارات الاستيطانية المتشددة التي تشكل جزءا من الائتلاف الحاكم تنظر إلى كل من يعارض مشروعها باعتباره خصما يجب إسكات صوته، سواء كان فلسطينيا أو إسرائيليا.

ومع الاقتراب من الانتخابات وتصاعد حدة الاستقطاب السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي، تتوقع ماهل أن تتزايد محاولات هذه التيارات لتوظيف قوتها ونفوذها في المعركة السياسية.

وتقول إن حالة الانقسام العميق التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي قد توفر بيئة خصبة لتصاعد التوتر والعنف، خصوصا إذا شعرت القوى الاستيطانية بأن نفوذها السياسي مهدد أو أن فرص بقائها في السلطة تتراجع.

كما أن المخاوف لم تعد تقتصر على مستقبل الفلسطينيين في الضفة الغربية، وفقا لها، بل تمتد إلى المجتمع الإسرائيلي ذاته، إذ إن استمرار نفوذ التيارات الدينية والقومية المتشددة قد يدفع شرائح من الإسرائيليين، خصوصا في الأوساط العلمانية والليبرالية، إلى التفكير في مغادرة البلاد، إذا شعروا بتآكل الطابع الديمقراطي لصالح مشروع ديني وقومي أكثر تشددا.

المحامي سامح عراقي: اعتداءات المستوطنون جزء من مشروع سياسي متكامل لحكومة الاحتلال (الجزيرة)
سياسات حكومية ممنهجة

من جهته، لا ينظر مدير عام حركة "حرية"، المحامي سامح عراقي، إلى الاعتداءات المتزايدة التي تنفذها مجموعات المستوطنين باعتبارها أحداثا منفصلة أو ردود فعل عفوية، بل يراها جزءا من مشروع سياسي متكامل تسارع تنفيذه خلال العامين الأخيرين، مستفيدا من انشغال العالم بالحرب على غزة.

وقال للجزيرة نت إن الحرب وفرت للمستوطنين فرصة لتكثيف اعتداءاتهم في الضفة الغربية بصورة غير مسبوقة، مستندين إلى سياسات حكومية تسعى إلى تغيير الواقع القائم على الأرض، ودفع الفلسطينيين إلى الرحيل وكسر قدرتهم على الصمود.

في مواجهة هذا الواقع، حرصت حركة "حرية" على الوجود في عشرات القرى والتجمعات الفلسطينية المهددة، ضمن مشروع "الحضور الحامي"، إلى جانب نشطاء عرب ويهود من أطر مختلفة.

وبرأي عراقي، فإن هذا الحضور هو أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع المستوطنين إلى استهداف المتضامنين، لأن المشروع الذي يقوده اليمين المتطرف يقوم أساسا على عزل الفلسطيني وجعله الهدف الوحيد للعنف والضغط. لذلك فإن وصول النشطاء إلى هذه المناطق، ومرافقتهم للسكان، وتوثيقهم للانتهاكات، يبعث برسالة معاكسة تماما، مفادها أن الفلسطيني ليس متروكا لمصيره.

نفوذ المستوطنين الممتد

أما المخاوف من انتقال العنف إلى داخل الخط الأخضر، فيرى عراقي أنها لم تعد مجرد احتمالات، بل واقعا يمكن رصده على الأرض، مستشهداً بتنامي نفوذ التيارات الاستيطانية في المدن المختلطة، وما شهدته البلاد خلال هبة الكرامة في مايو/أيار 2021، حين وصلت مجموعات من المستوطنين إلى مدن عربية ومختلطة وهي تحمل السلاح وتشارك في أعمال عنف وتحريض.

وبحسب عراقي، فإن ما يجري لا يقتصر على استهداف الفلسطينيين، بل يشمل كل من يعارض الفكر الاستيطاني، سواء كان عربيا أم يهوديا. لذلك لم تعد الاعتداءات محصورة في الضفة والأغوار، بل امتدت لتشمل ناشطين إسرائيليين ومؤسسات داخل إسرائيل، وأي جهات يعتبرها اليمين المتطرف عائقا أمام مشروعه السياسي والأيديولوجي.

إعلان

وربط بين تنامي قوة المستوطنين وبين محاولات التأثير على مؤسسات الدولة وأجهزتها القضائية، معتبرا أن العنف الذي يمارس في التلال والقرى الفلسطينية يجد صداه أيضا داخل إسرائيل، من خلال استهداف كل صوت معارض أو مختلف.



إقرأ المزيد