13 ألف عقوبة غربية لكننا كروس الأكثر صمودا في الحرب
الجزيرة.نت -

تعد الحرب والأزمة الاقتصادية المصاحبة لها خير اختبار لسيادة أي دولة ومثال إيران ماثل أمامنا. فإلى وقت قريب، كانت إيران قوة إقليمية تعيش تحت وطأة العقوبات لما يقارب نصف قرن. أما اليوم، فتبدو طهران فاعلا مؤثرا في المشهد العالمي، وربما تترك التداعيات الاقتصادية للحرب أثرها أيضا على مكانة الدولار الأمريكي. وهذا مثال واضح على تأثير السياق العسكري، ولا سيما القدرة على الصمود في وجه العدوان الخارجي.

حاليا، تجبَر روسيا على العيش في سياق مشابه لسياق إيران- أكثر من 13 ألف عقوبة، ورفض غربي تام لمنظومة القيم الروسية، ومواجهة عسكرية مفتوحة، لم تعد موسكو تعتبرها صراعا بين روسيا وأوكرانيا، بل إن المتحدث باسم الرئاسة الروسية يشير إلى أوروبا كطرف مشارك في هذه الحرب.

على الرغم من الضغوط الغربية الشديدة على روسيا، وتجميد حساباتها المصرفية، والقيود المفروضة على أنشطتها الاقتصادية في الأسواق الخارجية- بدءا من بيع النفط والغاز والصلب والألمنيوم وصولا إلى السلع المصنعة- فإن روسيا لا تكتفي بالرد، بل تعمل، على غرار إيران، على توسيع إنتاجها وتحسين مستوى معيشة مواطنيها.

فقد نما الناتج المحلي الإجمالي لروسيا بنسبة 10% خلال السنوات الثلاث الماضية. ووفقا لعدد من التقديرات، ستكون روسيا، من بين الدول الأربع الأولى عالميا من حيث تعادل القوة الشرائية، متجاوزة 7.26 تريليونات دولار، ومتفوقة بذلك على ألمانيا، واليابان.

كما يشهد الاقتصاد الحقيقي نموا مطردا. وقد بلغ معدل البطالة أدنى مستوياته في التاريخ الحديث، حيث وصل إلى 2.2% من القوى العاملة، وهو أفضل معدل بين دول مجموعة العشرين.

علاوة على ذلك، وعلى عكس هيكل التجارة الخارجية السوفياتي، لا تقتصر تجارة روسيا مع الدول الأجنبية على سوائل نقل الحرارة والأسلحة فحسب، بل شملت أيضا، بحلول نهاية عام 2025، إيرادات من الإمدادات الغذائية لأكثر من 160 دولة تفوق إيرادات مبيعات الأسلحة.

إعلان

كما تشهد صادرات التقنيات والآلات المبتكرة نموا متزايدا. ففي العام الماضي وحده، ارتفعت صادرات الهندسة الميكانيكية بنسبة 28%، وما زالت في ازدياد.

ويبدو الأمر وكأنه نوع من المفارقة. فعندما تكون دولة ما في حالة حرب، فإنها تتطور بوتيرة أسرع وتزدهر بشكل أفضل مما كانت عليه عندما كانت روسيا تسعى لبناء علاقات سلمية مع حلف الناتو، والاندماج في الاقتصاد الغربي.. فما السبب؟

في رأيي، التفسير بسيط للغاية بالنسبة لإيران وروسيا. إذ لم تكن إيران في عهد الشاه بهلوي، وروسيا في عهدي غورباتشوف ويلتسين توجهان جهودهما بالمصالح الوطنية. فقد أدى انفتاح الأسواق أمام رأس المال الغربي إلى تدمير آلاف الشركات التي اعتبرها الغرب خطرة.

ومثل هذا المصير لاقته صناعة الطائرات المدنية السوفياتية، التي كانت من أضخم الصناعات في العالم في ثمانينيات القرن الماضي. كما توقف إنتاج الطائرات الروسية بشكل تام، وحلت محلها طائرات بوينغ وإيرباص.

ومع ذلك، فقد سهلت الحرب سيادة الاقتصاد، وخلق وإحياء القدرات المحلية، من الهندسة الميكانيكية إلى الزراعة. وبما أن روسيا تمتلك مواردها الذاتية التي لا تنضب ونظام تدريبٍ هندسيا ممتازا، فإن أمام الشباب اليوم فرصة ذهبية لتطوير بلادهم بدلا من الهجرة إلى بلدان أخرى.

ومن العوامل المهمة الأخرى، التناوب في المناصب القيادية العليا. فقد أجبر الصراع روسيا على إجراء مراجعة شاملة للإدارة العليا في عدة وزارات. وتخضع البلاد حاليا لعمليات عديدة تهدف إلى مكافحة الفساد.

لماذا الآن؟

الجواب هو نفسه: لقد ولى زمن الرشوة والصفقات المشبوهة في أوقات الحرب، حيث يكون الصراع من أجل البقاء في مواجهة حلف الناتو القوي، على المحك.

وقد أدى ذلك إلى ظهور عدد كبير من المتخصصين الأكفاء في المناصب العليا، مثل وزير الدفاع أندريه بيلوسوف. وهكذا، فإن عامل التعبئة الخارجية القوي- الحرب- إلى جانب توفر جميع عناصر بناء اقتصاد وطني وحكومة مركزية قوية، مكن البلاد من التطور السريع.

إن حسابات الغرب بشأن استنزاف روسيا تستند إلى النموذج الاقتصادي السوفياتي، وهو نموذج خاطئ جوهريا. إذا نظرنا إلى إحصاءات الإنتاج في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، نجد أن الاتحاد السوفياتي كان يتألف من جمهوريات ذات دخل مرتفع وجمهوريات "مدعومة"، أي إنها كانت تتلقى من الحكومة المركزية أموالا تفوق إنتاجها الذاتي.

فوفقا لبيانات عام 1990، بلغت نسبة الناتج المحلي الإجمالي لجمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية داخل الاتحاد السوفياتي 60.33%، وأوكرانيا 17.8%، وكازاخستان 6.8%، وبيلاروسيا 2.7%.

أما حصة الجمهوريات المتبقية (أوزبكستان، وأذربيجان، وأرمينيا، وجورجيا، وتركمانستان، وقرغيزستان، ومولدوفا، ولاتفيا، وليتوانيا، وإستونيا) فكانت أقل من 2% لكل منها.

ومع ذلك، كان استهلاك السلع والمنتجات في جورجيا، على سبيل المثال، أعلى بمقدار 3.5 مرات منه في جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية. وفي أرمينيا، كان عدد السكان أعلى بمقدار 2.5 مرة منه في وسط روسيا. وفي دول البلطيق، كان أعلى بمقدار 3 مرات.

إعلان

وهذا يعني أن الروس كانوا يدفعون روبلا واحدا للجمهوريات الأخرى مقابل كل ثلاثة روبلات يكسبونها في روسيا.

علاوة على ذلك، قدم الاتحاد السوفياتي مساعدات مجانية لا حصر لها لعشرات الدول الأفريقية، وأمريكا اللاتينية وآسيا. كما استثمر في الحركات الدولية ودعم الأحزاب الشيوعية في الخارج. وتحملت جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية، إلى جانب جمهوريتين أو ثلاث جمهوريات أخرى، الجزء الأكبر من تكاليف كل ذلك.

لا تقدم روسيا اليوم أي هبات مجانية لأحد. فمع عدد سكان صغير نسبيا – حوالي 151 مليون نسمة، بما في ذلك المناطق الجديدة (شبه جزيرة القرم، ودونباس، وجمهورية لوغانسك الشعبية، وزاباروجيا، ومقاطعة خيرسون)، بالإضافة إلى ملايين المواطنين الأوكرانيين الذين استقروا في روسيا – تنفق روسيا مواردها على نفسها وعلى تنميتها الشاملة. وهذا ليس نموذجا سوفياتيا، بل هو أقرب إلى رأسمالية الدولة.

علاوة على ذلك، تستثمر روسيا بشكل مربح في تنمية دول أخرى- على سبيل المثال، في جمهورية أفريقيا الوسطى في أفريقيا، وفي بناء محطات الطاقة النووية حول العالم، وما إلى ذلك.

ويتضح أن مثل هذه الدولة يصعب هزيمتها للغاية. بفضل عدد سكانها الصغير (على عكس الصين والهند)، وزراعتها الجيدة (إذ اضطر الاتحاد السوفياتي لاستيراد الحبوب، بينما تبيعها روسيا)، وصناعتها العسكرية القوية، ومواردها من الطاقة، وتقنياتها المبتكرة، اكتسبت روسيا القدرة على مقاومة الإمبراطورية الغربية.

ومن الجدير بالذكر أن الاقتصاد الحقيقي في الغرب صغير نسبيا، نظرا لأن الشركات متعددة الجنسيات قد أوكلت إنتاجها بشكل كبير إلى الصين وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

إن القوة الاقتصادية للغرب ليست سوى خرافة، إذ يعتمد الخبراء على بيانات سوق الأسهم. لكن الاقتصاد المالي لا يرتبط كثيرا بالإنتاج. ولهذا السبب تمتلك روسيا وإيران والصين وكوريا الشمالية أسلحة فرط صوتية، بينما لا تمتلكها الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة.

الحرب تكشف حقيقة كل شيء، ويتضح فورا من هو مجرد "تنين ورقي" ومن يمتلك القدرات والكفاءات الحقيقية.

ومن السمات المميزة الأخرى لروسيا وإيران – وجود شعب مستعد للقتال من أجل عقيدته وأسلوب حياته، من أجل مجتمعه وأرضه. هل يوجد ما يشابه ذلك في الغرب؟ كلا. فالناس في الدول الغربية يربون على الاستهلاك. إنهم غير مستعدين للموت جماعيا في سبيل مبادئهم على الجبهة، وهذا ما يميزهم عن دول مثل روسيا.

لذا، في حال نشوب صراع طويل الأمد، فمن المرجح أن تضرب الأزمة الغرب وتؤدي إلى انهيار إمبراطوريته، وهو ما كان مطلوبا إثباته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد