"الديدلاين": الموت إذ ينتقل من ساحة المعركة إلى مكاتب الشركات
الجزيرة.نت -

في ستينيات القرن التاسع عشر، إبّان الحرب الأهلية الأمريكية، ظهرت كلمة "ديدلاين" (Deadline) أو خط الموت في أوساط الطرفين المتحاربين. كانت الكلمة تصف خطا حقيقيا رُسم حول معسكرات الأسرى ليكون بمثابة إنذار للسجناء الذين يحاولون الهرب. فإذا اجتازه السجين، أطلق عليه النار على الفور، ذلك أنه خط غير قابل للتفاوض.

انتقل المصطلح أواخر القرن التاسع عشر إلى الصحف المطبوعة ودور النشر، فقد كانت مقيدة بمواعيد طباعتها المحددة تقييدا صارما، لذا، كان لا بد للكتّاب، إذا أرادوا أن تنشر مقالاتهم في اليوم التالي، أن يرسلوها قبل بدء الطباعة، أو قبل "الديدلاين"، كما أحبّ المحررون أن يسموه آنذاك.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

لم تلبث الكلمة أن انتقلت بعد ذلك إلى الشركات والبيروقراطية الحكومية أوائل القرن العشرين، بعد ازدهار الاقتصاد نتيجة للتوسع في التصنيع والتجارة الدولية، وبعد التطور الرأسمالي الذي أخذ يستقطب أعدادا كبيرة من الموظفين، مما يستلزم تقسيم الوقت وتحديده وتوزيعه.

"كفّ الوقت عن أن يكون مفهوما فيزيائيا وفلسفيا، إذ صار موردا، أي سلعة قابلة للقياس الكمي"

عند هذا المنعطف، كفّ الوقت عن أن يكون مفهوما فيزيائيا وفلسفيا، إذ صار موردا، أي سلعة قابلة للقياس الكمي ووحدة للإنتاجية، وبالتالي قيمة أو فائض قيمة. لذلك، ذهب كارل ماركس إلى أن قيمة السلعة تتحدد "بوقت العمل الاجتماعي الضروري لإنتاجها"، ورأى أن زيادة فائض القيمة المطلق الذي يحصل عليه الرأسمالي من وراء عمل العامل، ينبع من وقت العمل الإضافي الذي ينتج فيه العامل إنتاجا لا يوازي أجره.

ما يفعله "الديدلاين" هو عمليا مفاقمة ما أسماه ماركس "الاغتراب" بين العامل وعمله ومنتج عمله. فلما كان النظام الرأسمالي يقدم "السرعة" في الإنتاج على القيمة الإنسانية في العمل نفسه، تصدّعت الروابط بين العامل وبين حرفته من جهة، وبينه وبين دوائر الانتماء العائلية والمجتمعية. ذلك أن الرابطة الأقوى الآن هي بينه وبين الساعة، وربما دقات الساعة. بهذا المعنى، يجسّد "الديدلاين" ذاك المبدأ، أي تقديم الإنتاجية على العمل نفسه: فهو يقيس الطاعة أو الانصياع بقدر ما يقيس الإنتاجية.

في عالم يقدم سرعة الإنتاج على القيمة الإنسانية للعمل، تصدّعت صلة العامل بحرفته وأصبحت العلاقة الأقوى بينه وبين الساعة (شترستوك)
الاستغلال الذاتي

أما ما فات الماركسيين هنا، فهو ما انتبه إليه الفيلسوف الكوري-الألماني بيونغ تشول هان، وهو أن العامل اليوم لم يعد يتعرض للقمع من قبل رب العمل فحسب، وإنما أصبح خاضعا لضغوط داخلية، استبطنها في نفسه، فصار يرى أن عليه أن ينهي العمل في موعد محدد هو "الديدلاين"، وهكذا صرنا إزاء ضرب من الاستغلال الذاتي. فسلطة رب العمل اليوم لا تقمع مباشرة، بل تجعل العامل يستغل نفسه بنفسه.

إعلان

يصف هان هذا التحول بأنه انتقال من "مجتمع الانضباط"، حيث كانت السلطة تهدد وتعاقب الإنسان وتفرض عليه الالتزام والانصياع، إلى "مجتمع الإنجاز" حيث يتقنع الاستغلال بقناع الحرية، فلم يعد هناك مدير يقول "يجب عليك"، بل صوت داخلي يهتف بسعادة: "أستطيع"، إنني أستطيع أن أنجز الكثير من العمل قبل الموعد المحدد، وإن لم أكن فأنا شخص فاشل ولا أستحق التقدير. الموعد النهائي أو "الديدلاين" لم يعد لذلك أمرا مفروضا من الخارج، بل أصبح اختبارا للهوية. فعندما تفشل، لا تلوم "السيستم" أو النظام، بل تلوم نفسك غير الجديرة بالتقدير.

"في مجتمع الإنجاز يتقنع الاستغلال بقناع الحرية، فلم يعد هناك مدير يقول: يجب عليك، بل صوت داخلي يهتف بسعادة: أنا أستطيع"

في حفلة الأقنعة، ينشأ قاموس كامل من المصطلحات التي تؤدي دورها في بنية الاستغلال الذاتي، مثل "التحفيز" و"الإيجابية" و"الكارير باث" (المسار الوظيفي)، و"أنا أستطيع" و"تحقيق التارجت" (المستهدف)، و"تطوير الذات" و"النجاح" و"البونص" (الأجر الإضافي). كل تلك الآليات بجانب حتى الإجازات، تتحول إلى جدران السجن الذاتي.

يعلل بيونغ تشول هان هجاءه هذه "الثقافة" باعتبار أنها تمثل إلغاء للنقد والغضب. فالغضب هو سلوك سلبي، ولكنه سياسي أيضا بحسب هان، فالغضب يعبر عن رفض الانصياع أو التبرّم منه على الأقل. أما الحرص على "الإيجابية" فيقود إلى استبطان الطاعة والانصياع وتأبيد الأمر الواقع. وإلى هذا، تعمل المفاهيم أعلاه عمل المخدرات: ماكينة تبخّ سما بطيئا جميلا، فتموّه مسائل جسيمة مثل الإرهاق الذهني والجسدي، وتُعلي الشعور بالذنب عوضا عن الغضب، ليغدو التمرد أو الثورة إذ ذاك خللا بحاجة إلى "كورس لتطوير الذات" أو "إدارة الوقت".

فكأن القيود التي قيل للعمال ذات يوم إنهم ليس لديهم ما يخسرونه سواها، بات صليلها اليوم بمثابة الطرب لهم. وفي مفرمة اللحم العظيمة تلك، تكون النتيجة إنهاكا وإرهاقا وقلقا واكتئابا تتوج جميعا بـ "الاحتراق" (Burnout)، وهو مرض حديث يعترف به الطب النفسي لم تسمع به البشرية من قبل.

"الغضب هو سلوك سلبي، ولكنه سلوك سياسي أيضا، فالغضب يعبر عن رفض الانصياع أو التبرّم منه على الأقل"

ولأن الرأسمالية بارعة في تحويل المشكلات -أو "الفرص" و"التحديات" بلغتها- إلى أرباح صافية، أُعيد تعريف مفارقة الكفاءة مقابل الاحتراق النفسي، ليس بالمعنى الإنساني طبعا، لكن مرة أخرى بتجهيل الفاعل الأصلي، أي النظام، وإلقاء المسؤولية على الفرد العامل، فهو الذي لم يحافظ على الاتزان بين الكفاءة في العمل وحياته الشخصية.

ولما كان الأمر كذلك، فلا بأس إذن من إنشاء "صناعات" تستثمر في الاستنزاف أو الاحتراق، وتؤدي وظيفة ثلاثية: منشطات لمزيد من العمل، ومخدرات لألم الاستنزاف والاحتراق، ومزيد من الربح الرأسمالي طبعا. ومن هذه الأعمال تسليع الراحة (بعد الاحتراق) و"الرعاية الذاتية"، فيغدو التعافي بحد ذاته منتجا يباع للضحية السعيدة، ناهيك عن أعمال يشوبها الكثير من الشك وربما الزيف، مثل "التأمل" و"اليوغا" و"المكملات الغذائية". والغاية ليست خفية؛ فهي عملية صيانة الجسد بحيث يعود إلى خط الإنتاج بكفاءة أعلى. الراحة بالمعنى أعلاه لا تعدو أن تكون الوقود الذي يزيّت مسننات المفرمة.

في مفرمة اللحم العظيمة لبيئات العمل المعاصرة، يكون "الاحتراق" هو النتيجة النهائية (الجزيرة-مولدة بالذكاء الاصطناعي)
العنف والوقت

غير أن "الديدلاين" أو الموعد النهائي لإنجاز مهمة ما، تفشّى في العقود الأخيرة، وتحديدا في الطور النيوليبرالي من الرأسمالية، بحيث صار من فرط بديهيته وعاديته وتداوليته اللغوية، جزءا من اللغة اليومية في بيئات العمل المكتبي، وغير المكتبي. فلا تستوقف لفظة الموت فيه أحدا، حتى أولئك الناطقين بالإنجليزية.

إعلان

ولكن من قال إن اللغة تتخلى تماما عن الأبعاد المادية أو المعاني الأصلية حتى عندما تتحول إلى مجازات واستعارات أو تفقد حمولاتها العاطفية؟ فصحيح أن "الديدلاينز" اليوم لا تُرسم بالدم ولا تُحرس بالبنادق، لكنّ الصحيح أيضا أن أصحاب الوقت، أي مالكي رأس المال في سياقنا هذا، طوّروا أدوات وأنظمة مراقبة ومعاقبة أشبه بأدوات القتل المباشر، إن لم تفقها، مثل البرمجيات، التقاويم، العقود، المديرين، والوصم.

"الديدلاين اليوم لا يُرسم بالدم ولا يُحرس بالبنادق، لكنّ مالكي رأس المال طوّروا أدوات وأنظمة مراقبة ومعاقبة أشبه بأدوات القتل المباشر"

فالفشل في إنجاز المهمة المحددة بـ"الديدلاين" قد يكلف صاحبه في أيامنا هذه خسارة وظيفته، أو العقاب المادي، أو الاستبعاد، أو التجميد الوظيفي، بما يترتب على كل ذلك من ضرر جسدي وعقلي، ومن ثم اجتماعي. والمفارقة أن العنف الرمزي هاهنا أشد تغلغلا من رصاص حراس السجون الأمريكية.

فإذا غاب العنف المادي المباشر عن بيئات الأعمال اليوم، لا يعني ذلك أن السلطة القاهرة المتحكمة قد غابت، بل يبدو أن العكس صحيح، فهذه السلطة لا تغيب ماديا، إلا لتفيض حضورا معنويا. ورغم المساهمات المضيئة التي يقدّمها هان في هذا الباب، يبقى لا غنى عن الاستعانة بـ"أستاذه"، أهم دارسي السلطة وآليات اشتغالها وملامح وجوهها (وأقنعتها)، ميشيل فوكو.

ادعاء فوكو الجوهري -ولا سيما في كتابه "المراقبة والمعاقبة"- هو أن السلطة الحديثة لا تعمل عبر قتل الأجساد، بل عبر "ترويضها". فإذا كانت السلطة القديمة تعاقب علانية وعلى نحو استعراضي ومشهدي تراق فيه الدماء، فالسلطة الحديثة تُعمل سكاكينها عبر الروتين، والجداول الزمنية، والتقييمات، و"الديدلاين".

هذه السلطة لا تهدد الحياة مباشرة (بعضها يفعل!)، بل تنظم الوقت، أي تقسمه، وهذا أكثر كفاءة. وهنا بالذات، أي عندما يجري تقسيم الوقت أو تقطيعه، يبدأ الانضباط. ففي "الوقت الطيّع"، يصبح اليوم مقسما قابلا للقياس، وللمقايضة، وصالحا للمحاسبة. فلا يعود السؤال: "ماذا تستطيع أن تفعل؟" بل "هل سلّمت قبل الديدلاين؟". هكذا يصير الوقت مسألة أخلاقية.

في كتابه "المراقبة والمعاقبة" ادعى فوكو أن السلطة الحديثة لا تعمل عبر قتل الأجساد، بل عبر "ترويضها" (الجزيرة)

يسري ذلك أيضا على كل أماكن الضبط: الطابور الصباحي والحصص المدرسية، ورديات المصانع، التدريبات العسكرية، المكاتب، وفي هذه الأخيرة يبلغ الانضباط ذروته، حينها يعمل "الديدلاين" عمل مقصلة زمنية تبقى ثابتة ما دام العامل منصاعا، وتسقط فوق الرقبة إذا لم يمتثل. هنا لا حاجة للعنف، فالديدلاين مستبطن ذاتيا. عبقرية السلطة تقع في حيز الاستبطان هذا، ذلك أنك تضبط نفسك بنفسك من غير حراس ولا تهديد ولا خطوط مرسومة على الأرض، ومع ذلك يتولّد باستمرار شعور بالذنب والقلق والإلحاح والخزي وانتظار العقاب.

"تنجح السلطة حين لا تعود محتاجة للظهور المباشر أو حين تظهر متنكرة باسم الديدلاين"

هكذا تنجح السلطة حين لا تعود محتاجة للظهور المباشر أو حين تظهر متنكرة باسم "الديدلاين"، ذلك أنها إن ظهرت بقسماتها البارزة الحادة والعنيفة قد تولّد المقاومة والثورة، ولذا فهي تفضل التواري الذي يؤدي الغرض عبر التغلغل في نمط الحياة اليومي جاعلا منا "أفرادا منضبطين" بأقل تكلفة ممكنة، وبديمومة أطول. أما بديهية "الديدلاين" والتطبيع معها فهي ما يجعله مخيفا أكثر. فمعظم الناس لا يرون فيه أداة سيطرة وضبط، بل يعتبرونه جزءا من "سير العمل". هنا بين شفرات المفرمة تختبئ السلطة، حيث التعويد يحل محلّ التهديد.

وبإزاء هذا كله، لا يعدم وجود من يرى في "الديدلاين" قيمة مفيدة، خارج القيمة الرأسمالية. فبحسب قانون باركنسون الذي صاغه المؤرخ البحري سيريل باركنسون، يتوسع العمل لكي يملأ كل الوقت المتاح لإنجازه، وهو ما يدعو إلى عدم تخصيص وقت أطول لتنفيذ عمل ما. أي أنك إذا أعطيت مهمة لمدة ساعة، فستنجزها في ساعة، بينما إذا أعطيتها ساعتين، فستنجزها في ساعتين، ولذلك من الحكمة أن تعطي المهمة وقتا أقصر. لكن هذا القانون يتجنب السؤال الأساسي البسيط: لماذا أصلا نحن مستعجلون؟

إعلان

ومع ذلك، ليس من العسير الرد على قانون باركنسون أو ربما "هزيمته" بنقيضه، عبر تقنية تحديد الوقت (Timeboxing)، أي تخصيص فسحة زمنية ثابتة لكل مهمة، وعدم تخصيص وقت إضافي للمهمة نفسها بعد انتهاء وقتها المخصص لها، حتى وإن كانت المهمة لم تنجز بشكل كامل. هذه التقنية تمنع الفخ النفسي المتمثل في "المثالية" التي تملأ عادة الفراغات في "الديدلاين" الطويل.

غياب العنف المادي المباشر عن بيئات الأعمال لا يعني غياب السلطة القاهرة المتحكمة، بل إنها تفيض حضورا معنويا (الجزيرة-مولدة بالذكاء الاصطناعي)
المرونة الرأسمالية

ولكنّ الرأسمالية لا تلبث تعلّمنا أنها سريعة التكيف وشديدة البراغماتية، أكثر بكثير من خصومها. فعلى سبيل المثال، طوّر النظام الرأسمالي آليات "مقاومته" لمفارقة الاحتراق النفسي والكفاءة المستدامة أثناء حقبة كوفيد-19 كما لم يحصل من قبل، واعتمد النظام الرأسمالي في مواجهة ذلك التهديد على المرونة الفائقة. فقد كان كوفيد-19 المختبر الأكبر في التاريخ لما يسميه الفلاسفة المعاصرون "المرونة الرأسمالية". في تلك المرحلة، لم ينهر النظام الإنتاجي كما كان متوقعاً عند إغلاق المكاتب، بل أعاد تشكيل نفسه فوراً داخل "بيوتنا".

فلم يعد النظام الرأسمالي يتطلب منك أن تكون قوياً كالحديد (الذي ينكسر تحت الضغط)، بل أن تكون كالمطاط، تنضغط حتى أقصى درجة ثم تعود للعمل. هكذا، مجددا، بات يُنظر "للاحتراق النفسي" باعتباره "خطأ في التحديث الشخصي" للفرد، وليس "عيبا في تصميم" النظام الاقتصادي.

"خلال حقبة كوفيد-19، لم ينهر النظام الإنتاجي كما كان متوقعا عند إغلاق المكاتب، بل أعاد تشكيل نفسه فوراً داخل بيوتنا"

محا "العمل من البيت" الحدود بين المجال المهني والمجال المعيشي الخاص. فقبل الجائحة، كان البيت هو الملجأ (المكان الذي نهرب إليه من سلطة العمل). أثناء كوفيد-19، وباسم "المرونة"، اقتحم العمل غرفة النوم والمطبخ. المرونة هنا كانت فخاً: قيل لنا "أنتم أحرار في العمل من أي مكان"، ولكن الحقيقة كانت "أنتم مُطالبون بالعمل من كل مكان وفي أي وقت". لقد صار الوقت مفتوحا، لكن "الديدلاين" نفسه بقي صامدا وثابتا في مكانه. وما ترتّب على هذا الأمر هو أن الجسد صار أكثر طواعية حتى مما تخيل فوكو. ذلك أن السرير نفسه تحوّل إلى "مكتب محتمل"، وتالياً أصبح الجسد في حالة استنفار دائمة.

أما المرونة المزعومة فكانت بمثابة المرادف للاستغلال الذاتي وعلى نحو أكثر "إبداعا". في غياب "المدير الفيزيائي"، تضاعف عمل "الرقيب الداخلي". وقد أظهرت إحصاءات مكتب العمل الأمريكي أن إنتاجية الموظفين في العمل عن بُعد زادت. لم كان ذلك على الأرجح لأنهم مرتاحون، بل لأنهم كانوا يخشون أن يُظن بهم "التقصير". تحولت المرونة إلى "تأهب دائم"، وأصبح الرد على رسائل واتساب أو إيميلات العمل في الساعة العاشرة مساءً دليلاً على أنك "موظف مرن ومتفانٍ".

أطلّت الإيجابية السامة برأسها مجددا، مستفيدة من تزامن انفجار تطبيق تيك توك مع اندلاع الجائحة. خلال الإغلاق، امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بدعوات "المرونة النفسية": "استغل الحجر لتعلم لغة جديدة"، "اقرأ 10 كتب"، "ابدأ مشروعك الخاص". والرسالة الضمنية هي: إذا شعرت بالاكتئابا أو العجز أثناء كارثة عالمية، فأنت "غير مرن". ومرة أخرى، نجحت السلطة بعبقريتها المعهودة في جعلنا نشعر بالذنب إذا.. ارتحنا. في الأثناء، لم لا تستفيد السلطة من أدوات المراقبة أيضا؟ أي إصابة عصفورين بحجر واحد: تطبيقات مثل "زووم" و"مايكروسوفت تيمز" شهدت أعلى معدلات الازدهار.

"كان العمل من المنزل ذروة جديدة من ذرى نجاح السلطة التي تحدث عنها فوكو"

أكثر من ذلك، اكتشفت الرأسمالية أن الإغلاق خلق فرصا جديدة لتقليل النفقات. ففضلا عن استخدام البشر كمواد مرنة أثناء الجائحة، أي لهم خصائص كيميائية وفيزيائية تمتص الصدمات وقابلة للطرق والسحب فتغير شكلها لئلا تنكسر، ساهمت المرونة هذه في امتصاص صدمة الانهيار الاقتصادي على حساب صحتنا النفسية، وبتحويل بيوتنا إلى مكاتب مجانية للشركات، وما يعنيه ذلك من تخفيض الكلفة التشغيلية للمكاتب (كهرباء ومياه وتنظيف وإنترنت إلخ)، وطبعا بإلغاء أوقات فراغنا، وهذا هو الأفدح. وعلى هذا، كان "العمل من المنزل" ذروة جديدة من ذرى نجاح السلطة التي تحدث عنها فوكو: تلك السلطة التي لم تعد بحاجة للظهور (المكتب أو المدير) لأنها تسكن الآن في هواتفنا وأعماق وعينا.

العمل من المنزل محا الحدود بين المجال المهني والمجال المعيشي الخاص (شترستوك)
عمل بلا ديدلاين

لا ريب في أن "الديدلاين" واحد من آليات عدة تستخدمها الرأسمالية المتأخرة، لكنه الوجه الأكثر سفورا اليوم، وهو الذي تستند إليه بقية الوجوه ولا سيما، قدس أقداس الرأسمالية، أي الربح، فإذا كانت الأرباح في محراب الرأسمالية هي "الإله"، فالديدلاين النهائي هو "الميقات" الذي تُقرب فيه القرابين.

إعلان

ومقاومة هذا الوثن قد تبدأ بالتشكيك فيه والتجرؤ على قدسيته، وذلك بسؤال بسيط: ماذا لو تأخرنا أو دفعنا الديدلاين يوما أو ساعةً إلى الأمام؟ هذا سؤال ثوري نخاف أن نطرحه. هل ستتوقف الأرض عن الدوران إذا اجتزنا "الديدلاين"؟ هل سينهار العالم؟ الحقيقة أن الأرض ستستمر في الدوران، والشمس كذلك ستواصل شروقها الأبدي، ولن ينهار العالم. ما سينهار هو الأسطورة. قداسة الوقت الرأسمالي هي التي ستُخدش. قناعات الناس بأن "الديدلاينز" هي قوانين طبيعية مثل الجاذبية، هي التي ستهتز وتتصدع. وسنعرف أن "الديدلاينز" هي مجرد توافقات اجتماعية متخيلة.

ما سيسقط أيضا هو فكرة الضرورة الوهمية، الإدراك الخطير حينها سيكون هو أن "الديدلاينز" هي مجرد أدوات لمنع الأسئلة واستقطاع وقت لالتقاط الأنفاس لسؤال: لماذا أفعل هذا أصلا؟ ولماذا أدفع هذا الثمن الفادح من جسدي وعقلي وروحي؟

يستطيع كل منا أن يتذكر عددا لا يحصى من الحالات التي سهر فيها حتى الصباح لكي لا يفوته "الديدلاين"، فإذا به يتأجل لأن طالب "الديدلاين" سافر في ذلك الصباح أو كان مشغولا بأمر آخر، ومر الأمر بسلام، ولم تكن الغاية من الذعر المزيف أو الضغط الرهيب "للتسليم" سوى فرض الانضباط، وليس "الضرورة الإنتاجية". لكن للإنصاف، قد يترتب على انتهاك قدسية الديدلاين بعض الألم لصاحب رأس المال، وهو أن سعادته بالنظر إلى زيادة رقم رصيده خلف قطعة الزجاج، ستتأخر بضع ساعات أو أيام.

"يحتاج العمل البشري إلى إيقاع طبيعي. بينما الديدلاين يفرض إيقاعا ميكانيكيا قسريا على نشاط عضوي"

ولا يقلل ذلك أيضا من دور "السياسة" كفعل مقاومة، أي النضال من داخل النقابات والاتحادات العمالية، رغم أن هذه الأطر كانت أحيانا تلعب دورا تجميليا للسيستم لأنها هي نفسها جزء منه وتعترف به، أي أنها قوى إصلاحية تسعى في تغييره من الداخل.

والحقيقة أن هذا كله ليس دعوة للعودة إلى الماضي ما قبل الرأسمالي، حين كان إنجاز العمل (غير المأجور) موسميا، أي مرتبطا بالطبيعة، ولم يكن البشر يتأخرون عن الوقت لأن هذا الوقت لم يكن يطاردهم. لكن العمل البشري، وهو مبدع بالتعريف مهما كان بسيطا، يحتاج إلى إيقاع طبيعي. "الديدلاين" يفرض إيقاعاً ميكانيكيا قسرياً على نشاط "عضوي". هذا التصادم يؤدي ما يمكن تسميته الاغتراب عن الذات. فأنت لا تنتج لأنك تحب العمل وتستمتع بأدائه وترى فيه تحقيقا لغاياتك، بل لأن هناك "مقصلة" زمنية ستقع إذا لم تنتهِ. هذا الانتزاع للجهد البشري قسراً هو جوهر الجريمة في حق الإبداع الإنساني.

وفي الجملة، فإن الرأسمالية مرحلة حضارية من عمر البشرية أكثر من كونها مجرد نظام اقتصادي. لكن في المقابل، عاش البشر قبلها طويلا وأنجزوا بالفعل معظم الاختراقات الحضارية. فهذه الحضارة بُنيت من قِبل عدد لا يحصى من المخترعين والمكتشفين والمصلحين والفلاسفة والأطباء والفنانين، من غير إنكار مساهمة التجار. والعزاء أن المقاومة لا تتوقف، فقد أثبت البشر أنهم دائما ما يستطيعون النفاذ من شقوق آلات الظلم والاستغلال والقهر، قد يتأخرون أو يتباطئون، ولكنهم يتقدمون ويصلون.



إقرأ المزيد