لماذا يفشل علم النفس "الغربي" في فلسطين؟
الجزيرة.نت -

دفاتر ضخمة وصفحات "إكسل" طويلة، بيانات مصفوفة تصف أمّا فقدت ابنها شهيدا، ورجلا قضى سنوات أسيرا وطفلا فقد كل عائلته، كثيرا ما تتعامل اللغة النفسية مع هذه المآسي باعتبارها حالات فردية من القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، كما لو أن الفلسطيني يعيش مأساة نفسية منفصلة عن الاحتلال، لا تجربة سياسية وجماعية مستمرة من القهر والعنف والاقتلاع.

وبينما تواصل المنظمات الدولية نشر دراساتها وتقاريرها و"آراء الخبراء" حول التأثير النفسي للمآسي، لا يبدو أن لدى علم النفس الغربي ما يسهم به في تخفيف المأساة الفلسطينية أو حتى فهمها، وما يحدث فعليا هو محاولات لفصلها عن سياقها السياسي وتحويلها إلى مجرد أعراض مرضية فردية. وهو ما يدفعنا للتساؤل حول كيفية توظيف الاحتلال الإسرائيلي لعلم النفس كأداة "ناعمة" لسجن الفلسطيني في أسر المرض، تماما كما يحبسه في سجون الواقع.

الأبحاث النفسية تعزز التمثيل السلبي للفلسطينيين (غيتي)
دراسات ليس للنكبة مكان فيها

يدرس مجال "نوع الصدمة" (Trauma genre) الذي تبلور في تسعينيات القرن العشرين، ضمن ما يدرس، الصدمات النفسية المجتمعية التي تطال جماعة ما وترسخ في الذاكرة الجماعية عبر الأجيال، خاصة كيفية تصوير الأدب والسينما والفن لهذه الصدمات. وفي مقال نشرته مجلة الدراسات الفلسطينية عام 2014 تتبعت الأنثروبولوجية الفلسطينية روز ماري صايغ أصول وتطور دراسات "نوع الصدمة" بحثا عما إذا كانت هذه الدراسات تركز على حالات وتستبعد أخرى، وتضع "مرجعية ثقافية" تحدد بها ما يُعترف به كمعاناة.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

في مراجعتها لعدد من تلك الدراسات في المجال لم تكن سطوة الأطراف الراعية للبحث والنشر خافية، وكان تسلل العنصرية والتعصب العرقي واضحا، إذ أشارت الدراسات إلى بعض المناطق كالهند وغواتيمالا وجنوب أفريقيا باعتبارها "ميالة للعنف" في تجاهل لحقيقة أن الاستعمار كان المحرك الأساسي للنزاعات فيها وما تبعه من صدمات.

إعلان

وفي الحالة الفلسطينية تغفل الدراسات التي تناولتها الباحثة ذكر النكبة، وتُقرن الفلسطينيين بالإسرائيليين كطرفين يعانيان بالتساوي، بحيث يبدو أن الفلسطينيين عنيفون بالفطرة، رغم أن الصدمة التي تبعت النكبة لا تزال مستمرة، إذ لا يزال الفلسطيني يفتقد الشعور بالأمان ولا يكاد يرى أملاً في مستقبل أفضل.

"يرث علم النفس نظرة استعمارية تبدأ من تعريف المشكلة وتتواصل إلى طرح الحلول التي تطبّع مع الوضع القائم"

بالمثل، يتتبع الباحثون في دراسة نشرتها مجلة "بريتيش جورنال أوف سوشيال سايكولوجي" (British Journal of Social Psychology) عام 2022 مدى إسهام علم النفس التجريبي في السياق الفلسطيني، في إنتاج الهشاشة، وكيف يتجلى العنف الاستعماري في إنتاج المعرفة، فيرث علم النفس التجريبي نظرة استعمارية تبدأ من تعريف المشكلة وتتواصل إلى طرح الحلول التي تطبّع مع الوضع القائم.

بعد دراسة ما يقرب من مئة بحث ومقال منشورة بين عامي 2005 و2020 وجدت الدراسة أن أغلبية الأبحاث لا تصف الوضع في فلسطين باعتباره احتلالا، واستخدمت في الغالب مصطلح "الإرهاب" لوصف أفعال الفلسطينيين دون وضعها في سياق النضال أو مقاومة الاحتلال، وفي المقابل لم يُوصَف عنف إسرائيل باعتباره "إرهاب دولة"، ما يعكس معيارا مزدوجا يتجاهل علاقات القوة ويحمل المسؤولية للطرف الأضعف.

تلتقط الدراسة في هذه المقالات تركيزا انتقائيا على المشاعر والمواقف بمعزل عن الواقع الاستعماري الاستيطاني، وهو ما يعزز التمثيل المشوه للواقع الفلسطيني، ويقدم الصراع الحالي بوصفه صراعاً بين طرفين قادرين على إلحاق الأذى ببعضهما على نحو متساوٍ، ويتجاهل الطابع الاستعماري وكون الفلسطينيين شعبا أصيلا محتلا.

وتدعم الدراسة خطى بعض علماء النفس الذين يتبنون العودة إلى التاريخ، وتحديدا إلى أحداث النكبة عام 1948 باعتبارها اللحظة المركزية المؤسسة لفهم الجانب النفسي للفلسطينيين حتى اليوم، وتؤكد أن علم النفس الاجتماعي يحمل منظورا استعماريا ويخدم مصالح الهيمنة المستمرة بدلاً من تقديم تحليل للهشاشة وكيفية مقاومتها. كما يشير إلى أن الدول الغربية الأكثر إنتاجاً للأبحاث النفسية العالمية هي حليفة لإسرائيل، وهو ما يفسر لم تظل السردية الفلسطينية، فضلا عن سائر سرديات شعوب الجنوب العالمي، مهمشة في الأدبيات الدولية لعلم النفس.

"التبعية السياسية والاقتصادية لا تنفصل عن التبعية في علم النفس التي تظهر في التماهي مع المعتدي"

يرى باحثون فلسطينيون أن التبعية السياسية والاقتصادية لا تنفصل عن التبعية في علم النفس التي تظهر في التماهي مع المعتدي. فالتدخلات الخاصة بعلم النفس الغربي لا تخدم الفلسطيني ولا تستجيب لاحتياجاته، بسبب قصورها المنهجي وعدم قابليتها للتطبيق على الفلسطينيين، لأسباب عدة بينها ميلها للنزعة الفردانية وتواطؤها مع القوة الاستعمارية وفصلها عن السياق التاريخي والسياسي، وإضفاء طابع نفسي على الصراع ومحاولة علاجه فقط عبر شرعنة الوضع الحالي.

دراسات علمية تمهد للإبادة

في مواجهة ذلك، تبنى عدد من المتخصصين والباحثين الفلسطينيين وجهة نظر تقول إن علم النفس الغربي لا يمكن تطبيقه على الحالة الفلسطينية في كثير من جوانبه، وإنه بات يُستخدم أداة للاستعمار. مثلاً، قدمت الدكتورة سماح جبر، وهي طبيبة ومعالجة نفسية فلسطينية جهودا في هذا الصدد خلال عملها رئيسة وحدة الصحة النفسية في وزارة الصحة الفلسطينية، وقد نالت درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة بيرغن النرويجية تقديراً لمساهماتها المتميزة في الصحة النفسية والتعليم ودعم المجتمعات المتأثرة بالحروب والنزاعات. وفي حديث مع الجزيرة نت نستكشف معها الطرق التي يوظف بها الاحتلال علم النفس من أجل مزيد من السيطرة.

إعلان

تشير جبر في تصريحاتها إلى تقارير نشرتها الصحف العبرية تشير إلى أن الفلسطيني يريد بأفعال مثل المشاركة في مسيرات العودة على حدود غزة، أو الإضراب في السجون الإسرائيلية، أن ينتحر، لكنه يقوم بهذه الأفعال لأن الانتحار محرم في دينه، فيقدم على أفعال تدفع الإسرائيلي لقتله. هذه التقارير -التي تتلبس زورا ثوب الصحافة- تسقط المسؤولية أو الجرم عن الإسرائيلي من خلال زعمها أن الفلسطيني هو الذي أراد الموت.

"من خلال زعمها أن من يعيشون في غزة يظهرون سلوكا معاديا للمجتمع، تمهد الأبحاث النفسية الممولة غربيا الطريق للإبادة"

بعض هذه الدراسات -كما تشير جبر- قام بها متخصصون نفسيون أشاروا أن الفلسطينيين يعانون من مشكلات نفسية، بعد أن أجروا أبحاثهم على فلسطينيين في السجون الإسرائيلية لفهم دوافع سلوكهم النضالي، أو "العنيف" من وجهة نظر هذه الدراسات. وتتساءل جبر هنا عما إذا كان يمكن الوثوق بدقة المعلومات التي يستخرجها باحث إسرائيلي قادم من باب السجن ليستجوب الأسرى. وتوضح أن بعض الأبحاث العلمية المزعومة كانت تشير إلى أن كثيرا ممن يعيشون في غزة يتميّزون بالسلوك المعادي للمجتمع "سوسيوباث" ولا يجدي معهم العلاج، وقد بدا أن هذه الأبحاث تمهد الطريق للإبادة باسم البحث العلمي.

يدفعنا ذلك للتشاؤل: هل من دراسات أخرى "موضوعية" في المقابل؟ وهنا تشير جبر إلى أن أغلب ما نُشِر من أبحاث نفسية في فلسطين بما في ذلك ما هو فلسطيني منها، ممول غربيا والتمويل "يفرض الأجندات"، وتؤكد أن أغلب مهنيي الصحة النفسية الفلسطينيين مشغولون بالاستجابة للأوضاع الطارئة وهو ما لا يترك لهم مجالاً كافياً لجمع البيانات والتأمل فيها وفحصها وبحثها، وحتى إذا ما أتيحت الفرصة فإن التمويل هو ما يحدد غالباً الوجهة ولغة النشر، مثلاً كان تحديد النسل والعنف ضد النساء يتلقى تمويلاً أكبر من المساعدة النفسية لضحايا الاعتقال السياسي بسبب إرادة المانحين، بحسب جبر.

نشير هنا أيضا إلى ما ذكرته دراسة "بريتيش جورنال أوف سوشيال سايكولوجي" من أن الباحثين يجدون أنفسهم مضطرين لتقييد الخطاب النقدي تجاه إسرائيل، في ظل التعامل مع حكومات دعمت تاريخياً العنف الاستعماري في الشرق الأوسط، ويقعون نتيجة لذلك في حالة من التفاوض المستمر بين التزامهم الأخلاقي وأمنهم الوظيفي.

"يجد الباحثون أنفسهم مضطرين لتقييد الخطاب النقدي تجاه إسرائيل، ويقعون في حالة من التفاوض المستمر بين التزامهم الأخلاقي وأمنهم الوظيفي"

أما عن الممارسات فتوضح جبر في تصريحاتها للجزيرة نت أن الفلسطيني من القدس يعالج في المستشفيات الإسرائيلية، وهو ليس سهلاً على الفلسطيني الذي لا يتقن العبرية، وفي أحسن الأحوال حين يكون الطبيب متعاطفاً مع المريض فإنه قد يستعين بعاملة النظافة مثلاً التي تكون في الغالب عربية لترجمة الحوار بينه وبين المريض، تكشف جبر أن أحد هذه المستشفيات هو مستشفى كارل شاؤول الذي بُني على أرض دير ياسين، فيعالج الفلسطيني من "صدمته" في مكان الصدمة، إنها فقط أمثلة على الممارسات غير الحساسة ثقافياً والتي تسقط الفلسطيني تماماً من حساباتها.

سماح جبر طبيبة ومعالجة نفسية فلسطينية، عملت رئيسة وحدة الصحة النفسية في وزارة الصحة الفلسطينية (ويكيبيديا)
الإمبريالية النفسية

بخلاف ذلك، لدينا مظاهر أخرى من "الإمبريالية النفسية" التي تستخدم أدوات أكثر نعومة تتمثل في تطبيق علم النفس الغربي على الحالة الفلسطينية، في التشخيص ومن ثم العلاج، والأمثلة هنا كفيلة بتوضيح كيف أنها لا تطابق الحقيقة ولا تعالج المشكلة.

تؤكد جبر أن علم النفس الغربي لا ينطبق في الحقيقة على معظم الكرة الأرضية، وأن العلوم والنظريات القادمة من عالم الأقلية العددية (العالم الغربي)، تحمل افتراضاً استعلائياً بأن هذه العلوم والأبحاث تنطبق على كل الكون، وهو ادعاء يلغي المعرفة والحكمة القادمة من شعوب الجنوب العالمي بإرثها من التاريخ الاستعماري والاضطهاد.

إعلان

في فلسطين تحديدا، هناك استعمار معرفي يفترض وفق العلوم النفسية "الغربية" أن الفلسطينيين شعب مريض نفسياً في أغلبه، ولا بد من علاجه عبر المشاريع التي تمولها منظمات المجتمع المدني الدولية، وتختار أجندتها وفق ما يناسب التوقعات الغربية مستبعدة السبب الواضح للمعاناة، فضلا عن الخصوصية الثقافية والاجتماعية الفلسطينية.

"تعزز الأبحاث النفسية التمثيل السلبي للفلسطينيين، وتصور أنهم إما شعب إرهابي عنيف أو مضطرب نفسيا، وفي الحالتين تنزع عنه الإنسانية وتحرمه من حقه في مواجهة الاحتلال"

تشير جبر إلى دراسات صدرت قبيل الحرب في غزة، مثل بحث هيئة إنقاذ الطفولة عام 2022 الذي زعم أن 80% من الأطفال في غزة مصابون بالاكتئاب والأمراض النفسية، وبحث البنك الدولي في العام نفسه الذي جاء في نتائجه أن 71% يعانون من الاكتئاب في غزة، بينما تبلغ النسبة 50% في الضفة. وتعلق جبر أن البحث يشير بكلمات مقتضبة إلى أن الصراع يتسبب في معاناة اقتصادية ويقفز على الكثير من تفاصيل الصدمة الاستعمارية التي يعيشها الفلسطينيون.

هذه الأبحاث المتعددة -رغم أن بعضها نشره فلسطينيون- تعزز التمثيل السلبي للفلسطينيين، وقد تصورهم بأنهم إما شعب إرهابي عنيف أو شعب مضطرب نفسياً، وفي الحالتين تنزع عنه الإنسانية وتحرمه من رد الفعل الطبيعي لحالة غير طبيعية هي وجود الاحتلال، وهكذا تسحب منه المصداقية والأهلية لمواجهة هذا الاستعمار.

"هناك تاريخ طويل لتوظيف أدوات علم النفس لإضفاء شرعية على سلوكيات الاستعمار والهيمنة"

إنها حالة مشابهة لما عُرف سابقاً بـ"مدرسة الجزائر للطب النفسي" التي أنتجت الكثير من الأدبيات الفارغة التي تزعم كيف أن الجزائري "إنسان بدائي غير قادر على حكم نفسه"، بينها دراسات قام بها الطبيب النفسي الفرنسي أنطوان بورو وزملاؤه، وقبلها كان العديد من المنظرين النفسيين والأطباء ينشرون أبحاثاً ومعلومات تزعم أن الإنسان الملون الأفريقي أو الأمريكي اللاتيني أقل جدارة بحكم نفسه وأقل كفاءة نفسية واستقلالية. هذه مجرد شذرات من توظيف علم النفس لأدواته لإضفاء شرعية على سلوكيات الاستعمار والهيمنة.

كلاب ليست صديقة للعائلة

تطرح جبر، في تصريحاتها للجزيرة نت، أكثر من سبب للقول بأن علم النفس الغربي غير ملائم للحالة الفلسطينية، فتتوقف عند اللغة وكيف يتم فرض مصطلحات قادمة من علم النفس الغربي يحكي الفلسطيني من خلالها تجربته، وتوضح قائلة: "نحاول تفسير أنفسنا للعالم من خلال مصطلحات علم النفس الغربي لرغبتنا في أن نحصل على اعتراف بتجربتنا لكننا في الحقيقة نخون بذلك تجاربنا حين نستخدم مصطلحات لا تعبر عنا".

وتضيف: "أنا أستقبل في العيادة كثيرين، ونادرا ما يحدثني أحدهم عن أنه أصيب بصدمة رغم أن كل العلوم تحكي عن الصدمة التي يصاب بها الفلسطيني، لكنه يعبر بكلمة الصدمة عن حادث السيارة، بينما يستخدم حين يتحدث عن الوضع السياسي واعتقال الأبناء وهدم البيوت كلمات مثل القهر والظلم والابتلاء والمصيبة".

"الصدمة في الحالة الفلسطينية مستمرة، وتعيد إنتاج نفسها بشكل يومي"

وتشير إلى أن التشخيص والتعامل مع المشكلة من منظور علم النفس الغربي لا يسهم في العلاج؛ فاضطراب ما بعد الصدمة الذي يُستخدَم لتوصيف حالة عديد من الفلسطينيين، يتحدث عن صدمة يمكن تلخيصها في حدث مر وانتهى، لكن الصدمة في الحالة الفلسطينية متواصلة ومتجددة. ففي التجربة الفلسطينية لم يكن العنف حدثاً واحداً إنما هي منظومة مستمرة من القهر والترهيب اليومي بالأثر المادي على الجسد واستلاب الأرض والأثر الرمزي الذي يتمثل في محو الثقافة والذاكرة والسردية.

تضيف جبر: "يحضرني مثال لطفل زارني في العيادة محولاً من إحدى مدارس الضفة الغربية يريد ترك المدرسة بسبب خوفه من الكلاب، في العقل الغربي هذه مجرد سينوفوبيا (Cynophobia)، طفل يخاف من الكلاب، ويمكن بسهولة علاجه بالتعرض التدريجي على سبيل المثال".

وتواصل: "لكن الطفل حين يتحدث عن المشكلة يحكي كيف أن المستوطنين يتركون كلابهم لتهديد الأطفال في القرى ويحكي عن الجثث التي تركت في غزة فأكلتها الكلاب الجائعة، في الذاكرة الجمعية لا تغيب حقيقة أن الكلاب في السجون الإسرائيلية مدربة لتستخدم في تعذيب المعتقلين السياسيين، هناك سياق مختلف لهذه الأعراض إذن، لا بد من النظر إليه ووضعه بعين الاعتبار".

"يجب أن تكون لدينا علومنا النفسية النابعة من تجاربنا الخاصة"

تضيف جبر: "لكل هذه الأسباب، يجب أن تكون لدينا علومنا النفسية المستقاة من تجربتنا الخاصة وأنا هنا أحاول أن أساهم ولو بقطرة في هذا الاتجاه". وتؤكد: "لا أقصد أن نقاطع هذا العلم النفسي الغربي ما أقصده أن نأخذ منه ما يناسب حالتنا بالكثير من الحذر والتطوير، ففي الغالب لا يعرف الدارسون لعلم النفس الغربي كثيراً عن علم نفس الإسلام، عن الرازي والبلخي وابن القيم وهذا أيضا أحد نتائج تلك الصدمة الاستعمارية التي أصابت كل المنطقة والعالم الإسلامي وليس فقط الفلسطينيين، فقطعت جذورنا عن التاريخ أو أضعفتها إلى درجة كبيرة".

إعلان

وتشير جبر أيضا إلى التركيز على الحياد وعدم الانحياز في علم النفس الغربي، فيُنتقَد المعالج النفسي حين يتطرق للأمور السياسية، فيما يعد ذلك في الحالة الفلسطينية سكوتا عن التعذيب والإبادة، فيصبح السكوت عن الظروف التي تنتج المعاناة النفسية هو بحد ذاته انحياز، وهذا تضارب كبير بين المنظور النفسي في الطب الغربي، والمنظور الفلسطيني في الطب النفسي.

الخوف من الكلاب في ذاكرة الأطفال الفلسطينيين لا يمكن تفسيره بأعراض الفوبيا التقليدية (غيتي)
دروس من الشعب الفلسطيني لعلم النفس

توضح جبر أن تشخيص عدد كبير من الفلسطينيين باضطراب ما بعد الصدمة يجانب الصواب، فمعاناتهم لا تشبه معاناة فرد أصيب في حادث سيارة مثلاً، أو جندي أمريكي عاد من ميدان حرب في بلد أخرى يشكو أحلاماً مزعجة تأتيه في بيته الآمن.

ما حدث للفلسطيني حقا هو "صدمة استعمارية تاريخية جمعية"، والفلسطينيون لا يرون فيما يتعرضون له حدثاً واحداً، بل تاريخ يمتد من وعد بلفور إلى اليوم. هناك أحداث جسيمة أنتجت الكثير من المصابين لكن الإصابة لم تقتصر عليهم، بل امتدت لتطال أيضا العلاقات بينهم، وهذا أخطر ما في الصدمة الاستعمارية، وتوضح: "اجتمعنا في تلك الإصابة، لكن التجربة جعلتنا لا نثق في بعضنا البعض، دفعتنا للتنافس على الفتات بشراسة ما أنتج شعوراً بالدونية".

"ما حدث للفلسطيني حقاً هو صدمة استعمارية تاريخية جمعية، والفلسطينيون لا يرون فيما يتعرضون له حدثا واحدا، بل تاريخ يمتد من وعد بلفور إلى اليوم"

في هذا السياق، تنوه جبر أيضا إلى أن علم النفس الغربي لا يقدم علاجاً لهذا الغضب والقهر، لا يمكن التحدث مثلاً عن تمارين التنفس ومهارات إدارة الغضب كعلاج شافٍ للغضب الفلسطيني المتراكم والمبرر. صدمة الفلسطيني، في هذا السياق، هي في إلغاء فعاليته وجعله مفعولاً به، والعلاج يمكن في استعادة القدرة على الفعل والمبادرة عبر المقاومة، سواء المقاومة الميدانية، أو المقاومة بالرواية والحفاظ على الذاكرة الجمعية والسردية ومقدرة الفلسطيني على الحكاية وعلى أن يكون شاهداً على التاريخ.

تختم هذه الجزئية قائلة: "لا نريد للفلسطيني أن يكون ضحية سلبية إنما أن يتحول من الضحية إلى الراوي وهذا ما نقوم به في العلاج، لا نقول لهم حين يأتون إلينا ما هو الخلل فيهم، نقول لهم ما هو الضرر الذي وقع لهم وحين نخبرهم بهذا الضرر يروون لنا رواية، وحين يتحول الشخص من ضحية سلبية إلى راوٍ يستطيع أن يكون شاهدا على المعتدي، فإن هذا بحد ذاته تشافٍ حتى لو لم تكن المقاومة بسلاح".

في الورقة التي نشرتها مجلة "ثيريوريا كريتيكا دي لا سيكولوخيا" عام 2025 بعنوان "ثمانية دروس من الشعب الفلسطيني لعلم النفس" يؤكد المؤلف أنه إذا ما كانت المشكلة سياسية فإن الأجدى أن يكون العلاج النفسي لآثارها سياسيا أيضا، وتشير الورقة إلى أن لدى الشعب الفلسطيني دروساً يمكن أن يعلمها على رأسها "الصمود" باعتباره فعلا جماعيا مقاوما وليس سمة نفسية فردية، ويستعرض عددا من الدراسات، تؤكد أحدها أن أطفال الحجارة كانوا يقومون بشكل من أشكال العلاج يتمثل في التعبير عن الغضب والقدرة على الفعل".

"إذا كانت المشكلة سياسية فإن الأجدى أن يكون العلاج النفسي لآثارها سياسيا أيضا"

تشير جبر أيضا إلى أن الفلسطينيين يدركون أن الخلاص جمعي، ومفهوم الصمود يكتسب معنى لكونه جماعيا وهو في هذا يختلف عن معنى الصلابة على سبيل المثال التي تكتسب طابعا فرديا، في الصمود إعادة بناء للنسيج المجتمعي الذي تهتك نتيجة العنف.

وتؤكد: "مع اشتداد المحنة في فلسطين شاهدت كيف يبحث كثير من الناس عن معنى للألم، يبحثون في التراث الديني الإسلامي عن تفسير ومعنى". تتذكر سيدة زارتها في العيادة، وكيف وجدت أن شعورها بتمني الموت ليس ذنبا، فقد جاء في القرآن الكريم على لسان السيدة مريم: "قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا". لكن السيدة تعود لتؤكد أنه في الآية التالية أمرها الله تعالى بأن تهز جذع النخلة، وتخبرها السيدة الفلسطينية أن هذا يعني أن الله يأمرها بـ"الفعل".

وهكذا يستعين الفلسطيني بالإيمان كمصدر للثبات النفسي، ويرى في مصابه ليس أنه ضحية، وإنما صاحب حق مكلف باسترجاعه.



إقرأ المزيد