الجزيرة.نت - 5/31/2026 6:32:59 PM - GMT (+3 )
Published On 31/5/2026
منذ عقود طويلة، كان العلماء يعرفون أن الطيور لا تعتمد على حاسة واحدة فقط للهجرة، فهي تستخدم الشمس حين تكون السماء صافية، وتستفيد من الروائح والمعالم البصرية والخبرة السابقة بالطريق، كما أنها يمكن أن تستخدم النجوم. لكن في الأيام الغائمة، حين تختفي الشمس وتضعف العلامات البصرية، تظهر قدرة أكثر غموضا، وهي الإحساس بالمجال المغناطيسي للأرض.
هذه الحاسة، المعروفة باسم "الإدراك المغناطيسي"، تعد من أكثر الحواس الحيوانية إثارة للجدل في الأوساط البحثية، فقد رصدت آثارها في الطيور المهاجرة والسلاحف البحرية وأسماك القرش وربما بعض الثدييات، وكان سؤال العلماء دائما عن مكان تواجد البوصلة الحيوية داخل الجسم، وكيف تتحول خطوط المجال المغناطيسي غير المرئية إلى إشارة عصبية يفهمها الدماغ.
إحدى الإجابات عن هذا السؤال تظهر في دراسة جديدة منشورة في مجلة "ساينس" تقترح إجابة غير متوقعة، وهي أن تلك البوصلة توجد في الكبد، تحديدا داخل خلايا مناعية غنية بالحديد تسمى "البلعميات".
خلايا البلعميات معروفة بدورها في تنظيف الجسم، فهي تلتهم الخلايا الميتة، وتشارك في تفكيك كريات الدم الحمراء القديمة، لذلك لم يكن غريبا أن تحتوي على مركبات حديدية، ومن ثم فهذه الخلايا، بحسب الدراسة الجديدة، قد تكون قادرة على أداء وظيفة حسية، وهي التقاط معلومات من المجال المغناطيسي للأرض.
وبحسب الدراسة، قام العلماء بفحص أنسجة مختلفة من الحمام الزاجل، بحثا عن إشارات مغناطيسية، وكان المتوقع أن تظهر الإشارة الأقوى في الطحال، لأنه في الثدييات عضو رئيسي في إعادة تدوير خلايا الدم، لكن المفاجأة جاءت من الكبد، إذ أظهر أقوى استجابة مغناطيسية بين الأنسجة المفحوصة.
وعند فحص شرائح دقيقة من كبد الحمام، وجد الباحثون أن خلايا بلعمية معينة تحتوي على تركيزات عالية من الحديد، وأنها تقع قرب ألياف عصبية. هذا القرب مهم جدا؛ لأنه يفتح احتمالا بأن تنقل هذه الخلايا، إن كانت تستجيب للمجال المغناطيسي، إشاراتها إلى الجهاز العصبي، ومنه إلى الدماغ.
إعلان
لم يكتف الباحثون بإظهار وجود خلايا غنية بالحديد في الكبد، بل حاولوا اختبار ما إذا كانت ضرورية فعلا للملاحة، حيث درب الفريق 34 حمامة زاجلة على العودة من مسافة تقارب 19 كيلومترا.
في الظروف العادية، يستطيع الحمام استخدام موضع الشمس لتحديد الاتجاه، لكن عندما تكون السماء ملبدة تماما بالغيوم، يصبح الاعتماد على الشمس صعبا، وهنا تزداد أهمية الحاسة المغناطيسية.
حقن الباحثون 18 حمامة بمادة تُستخدم لإزالة البلعميات من الجسم، ثم أطلقوها في يوم غائم حُجبت فيه الشمس تماما. وكانت النتيجة لافتة، حيث ضلت الطيور طريقها، ولم تعد إلا بعد تحسن الظروف وظهور علامات ملاحية أخرى. في المقابل، عادت الطيور التي تلقت حقنا وهمية إلى موطنها بصورة طبيعية.
ولكي يتأكد الباحثون من أن المادة المحقونة لم تجعل الطيور مريضة أو مشوشة بشكل عام، أطلقوا حماما معالجا بالطريقة نفسها في أيام مشمسة. عندها عادت الطيور بنجاح، ما يشير إلى أن المشكلة لم تكن في القدرة العامة على الطيران أو الدافع إلى العودة، بل في القدرة على الملاحة حين تغيب الشمس وتصبح البوصلة المغناطيسية أكثر أهمية.
الفرضية التي يطرحها الباحثون أن جسيمات الحديد داخل البلعميات قد تمتلك خصائص مغناطيسية دقيقة تجعلها تتأثر باتجاه المجال المغناطيسي. وعندما يغير الطائر اتجاه جسمه بالنسبة إلى خطوط المجال الأرضي، قد تتغير استجابة هذه الجسيمات، فتؤثر في البنية الداخلية للخلية أو في إشارات كيميائية قريبة من الألياف العصبية.
رغم النتائج المهمة، فإن الدراسة لا تحسم اللغز نهائيا، فهناك أسئلة كبيرة ما زالت مفتوحة عن كمية الحديد في البلعميات، والمطلوبة لإنتاج استجابة قابلة للقياس أمام المجال المغناطيسي الضعيف للأرض.
كما أن بعض الباحثين أبدوا تشككا واضحا، لا لأن النتائج السلوكية غير مهمة، بل لأن تاريخ هذا المجال مليء بفرضيات بدت واعدة ثم تراجعت أمام اختبارات لاحقة.
لذلك يرى منتقدون أن الخطوة التالية يجب ألا تقتصر على إزالة الخلايا ومراقبة ضياع الطيور، بل يجب أن تشمل التلاعب بالمعلومة المغناطيسية نفسها ومعرفة ما إذا كان بالإمكان توجيه الطائر أو تضليله بطريقة يمكن التنبؤ بها.
هذا الحذر لا يقلل من قيمة الدراسة، بل يضعها في مكانها الصحيح: خطوة قوية ومثيرة، لكنها تحتاج إلى تجارب إضافية قبل إعلان حل نهائي لأحد أعقد ألغاز الحواس الحيوانية.
إقرأ المزيد


