الجزيرة.نت - 5/30/2026 8:54:58 PM - GMT (+3 )
يستعرض “الدحيح” رحلة الشطرنج من رمز للتفوق السوفياتي إلى ساحة هزيمة الإنسان أمام الذكاء الاصطناعي، متسائلا عما إذا كانت الآلة قادرة حقا على تجاوز الفهم البشري والإبداع.
في حلقة جديدة تجمع بين التاريخ والسياسة والفلسفة العلمية، يعيد برنامج "الدحيح" فتح ملف الشطرنج بوصفه أكثر من مجرد لعبة ذهنية، مقدما رحلة تمتد من الحرب الباردة إلى عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تحولت الرقعة الصغيرة إلى ميدان لقياس تفوق الإنسان نفسه.
وتنطلق الحلقة (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط) من سؤال يتجاوز حدود اللعبة التقليدية: ماذا يحدث حين تنجح الآلة في هزيمة أعظم عقول البشر؟ ومن هذا السؤال، يبني أحمد الغندور سردية تربط بين صعود غاري كاسباروف، وانهيار الاتحاد السوفياتي، ثم صدمة العالم أمام انتصار الحاسوب "ديب بلو".
تبدأ القصة من بطولة العالم للشطرنج عام 1984، حين واجه حامل اللقب أناتولي كاربوف منافسه الشاب غاري كاسباروف، في مباراة اعتبرها السوفييت معركة سياسية بقدر ما هي رياضية، لأن كل لاعب كان يمثل تصورا مختلفا لمستقبل الاتحاد السوفياتي.
داخل قاعة الأعمدة الشهيرة في موسكو، التي استضافت جنازة جوزيف ستالين سابقا، تحولت الرقعة إلى ساحة صراع رمزي بين السلطة والمعارضة، إذ كان كاسباروف معروفا بمواقفه المؤيدة لاستقلال أذربيجان وانتقاده للنظام السوفياتي.
ومع امتداد البطولة إلى 48 مباراة خلال أكثر من 5 أشهر، بدأ كاربوف ينهار تحت الضغط النفسي، بينما استعاد كاسباروف توازنه تدريجيا، قبل أن يتدخل الاتحاد الدولي للشطرنج ويعلن إيقاف البطولة بذريعة الحفاظ على صحة اللاعبين.
ويبرز "الدحيح" كيف أثار القرار شكوكا واسعة، بعدما اعتبره كاسباروف محاولة سياسية لإنقاذ بطل النظام السوفياتي من خسارة وشيكة، وهو ما دفعه إلى مهاجمة الاتحاد الدولي علنا، في خطوة نادرة داخل موسكو آنذاك.
بعد عام واحد فقط، تتجدد المواجهة بقوانين جديدة، وينجح كاسباروف في هزيمة كاربوف ليصبح أصغر بطل عالم في تاريخ الشطرنج وقتها، في انتصار رآه كثيرون مؤشرا رمزيا على تصدع الهيبة السوفياتية قبل انهيار الاتحاد بسنوات قليلة.
حروب العقولومن هذه اللحظة، ينتقل البرنامج إلى تفكيك العلاقة بين الشطرنج والذكاء، موضحا أن اللعبة تحولت عالميا إلى معيار للتفوق العقلي، لأنها تقوم على الحسابات الدقيقة والتخطيط الإستراتيجي، بعيدا عن الحظ أو المصادفة.
ويشرح الغندور كيف أن تفاصيل صغيرة مثل أولوية اللعب بالأبيض أو الأسود قد تقلب موازين المباراة بالكامل، كما يستعرض التعقيد الهائل للعبة التي تتضاعف احتمالاتها بشكل أسّي مع كل نقلة جديدة على الرقعة.
وفي هذا السياق، يكشف البرنامج أن الشطرنج لا يعتمد فقط على الإبداع، بل على الحفظ المكثف أيضا، إذ يقضي اللاعبون المحترفون سنوات في دراسة الافتتاحيات والتفرعات المختلفة، حتى إن بعضهم يخصص أكثر من 16 ساعة يوميا للتدريب والتحليل.
ولا يكتفي "الدحيح" بالجانب التقني، بل يربط بين الشطرنج والتكتيكات العسكرية، موضحا أن توزيع القطع وأساليب الهجوم والدفاع تحاكي منطق الحروب الحقيقية، وهو ما جعل السوفييت يعتبرون اللعبة نموذجا مصغرا للصراع الإستراتيجي العالمي.
لكن الحلقة تتوقف أيضا عند الوجه المظلم لهذه النظرة، إذ تحولت فكرة "تفوق الذكاء" إلى أداة لإقصاء الآخرين، خاصة النساء، بعدما رسخ أبطال كبار مثل كاسباروف وبوبي فيشر تصورات تعتبر الشطرنج لعبة ذكورية بطبيعتها.
ويستعرض البرنامج تجربة اللاعبة المجرية جوديت بولغار، التي نجحت في كسر هذه الصورة النمطية بعدما هزمت كاسباروف نفسه عام 2002، لتصبح أول امرأة تنتصر على بطل عالم في الشطرنج، في لحظة هزت قناعات راسخة داخل اللعبة.
ويصف الغندور كيف حاول كاسباروف اللعب بتحفظ غير معتاد أمام بولغار، قبل أن ينتهي به الأمر مهزوما ومغادرا القاعة سريعا، بينما تحولت اللاعبة المجرية إلى رمز لقدرة النساء على اختراق واحدة من أكثر البيئات الذكورية انغلاقا.
وبعد اعتزاله اللعبة، دخل كاسباروف عالم السياسة معارضا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقاد احتجاجات انتهت باعتقاله، قبل أن يغادر روسيا لاحقا إلى الولايات المتحدة، بعدما ضاقت مساحة المعارضة داخل البلاد.
تمرّد الآلةغير أن أكثر معارك كاسباروف تأثيرا، كما توضح الحلقة، لم تكن ضد خصومه البشر، بل ضد الذكاء الاصطناعي، حين واجه حاسوب "ديب بلو" الذي طورته شركة آي بي إم في تسعينيات القرن الماضي.
في البداية تمكن كاسباروف من الفوز على الحاسوب، لكنه فوجئ بتطور هائل في النسخة الجديدة عام 1997، بعدما أصبح "ديب بلو" قادرا على تحليل أكثر من 200 مليون احتمال في الثانية الواحدة، وهو ما غيّر قواعد اللعبة بالكامل.
وخلال المباراة الحاسمة، شعر كاسباروف للمرة الأولى أنه يواجه "ذكاء حقيقيا" لا مجرد برنامج، قبل أن يخسر المواجهة التاريخية، في حدث وصفته الصحافة وقتها بأنه اختبار لمستقبل البشرية أمام الآلة.
ومن هذه النقطة، ينتقل "الدحيح" إلى سؤال فلسفي أعمق: هل الشطرنج فعلا مقياس عادل للذكاء البشري؟ وهل يعني انتصار الحاسوب فيه أن الآلة أصبحت أذكى من الإنسان في المطلق؟
ويستعرض البرنامج مراجعات كاسباروف اللاحقة، خاصة في كتابه "ديب ثينكينغ"، حيث يميز بين القدرة الحسابية التي تتفوق فيها الآلات، وبين الفهم والحدس والعاطفة، بوصفها عناصر يصعب اختزالها في معادلات أو اختبارات رقمية.
وفي ختام الحلقة، يؤكد الغندور أن الإنسان لا يختزل في قدرته على الحساب وحدها، بل في الشغف والخيال والقدرة على اتخاذ مواقف أخلاقية، وهي الجوانب التي يرى أنها ما تزال تمنح البشر تفوقهم الحقيقي رغم صعود الذكاء الاصطناعي.
Published On 30/5/2026
شارِكْ
إقرأ المزيد


