ذُكرت 158 ألف مرة في ملفات إبستين.. ماذا كانت تعرف ليزلي غروف؟
الجزيرة.نت -

Published On 30/5/2026

|

آخر تحديث: 15:34 (توقيت مكة)

قدمت صحيفة غارديان البريطانية في تحقيق مطوّل أعدته الصحفية صوفي إلمهيرست، قراءة معمّقة للعالم المحيط برجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، من خلال التركيز على واحدة من أكثر الشخصيات حضوراً في ملفاته الإلكترونية: مساعدته التنفيذية ليزلي غروف.

وتطرح إلمهيرست في تحقيقها سؤالاً محورياً منذ البداية: ماذا كانت تعرف غروف؟ وتوضح أن اسمها يتكرر في ملفات إبستين أكثر من أي شخص آخر، إذ ذُكر نحو 158 ألف مرة، رغم أنها ظلت تؤكد باستمرار، عبر محاميها، أنها "لم تكن تعلم" شيئاً عن الجرائم التي ارتكبها صاحب عملها.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وتنقل الكاتبة عن فريق الدفاع قوله إن "الجهل" كان كاملاً، وإن غروف لم تكن طرفاً في أي نشاط غير قانوني.

الوثائق كشفت علاقات واسعة لإبستين مع كبار مديري شركات أمريكية عملاقة (رويترز)
المنطقة الرمادية

لكن التحقيق، كما تصوّره غارديان، لا يكتفي بالسرد القانوني، بل يدخل في المنطقة الرمادية بين المعرفة وعدم المعرفة، بين الفعل والمشاركة غير المباشرة.

وتكتب إلمهيرست أن القضية لا تتعلق فقط بما إذا كانت غروف تعلم، بل بكيفية عمل منظومة كاملة تسمح بحدوث الاستغلال دون أن يُرى بشكل مباشر.

ووفقاً للتحقيق، عملت غروف مع إبستين نحو 18 عاماً ( 2001–2019)، وكانت تدير تفاصيل حياته اليومية الدقيقة: مواعيده ورحلاته ومكالماته ولقاءاته وحتى طلباته الخاصة. وتصف الكاتبة وظيفتها بأنها أقرب إلى "امتداد لعقل إبستين"، إذ كانت مسؤولة عن تنظيم جدول معقد يدمج بين حياته المالية والاجتماعية والشخصية.

وتشير إلمهيرست إلى أن غروف بدأت حياتها المهنية بعيداً عن دوائر النخبة المالية، قبل أن تنتقل إلى العمل مع إبستين بعد مقابلة مع شريكته غيسلين ماكسويل. ومن هناك، دخلت تدريجياً إلى دائرة نفوذ واسعة ومعقدة.

إحدى الضحايا الشهود:
ليزلي غروف كانت تدير ترتيبات "جلسات التدليك" التي "كانت تتحول فوراً إلى طابع جنسي"، وتقول إحدى الشاهدات إن غروف كانت تنسّق المواعيد والمدفوعات والإقامة، وأنها شعرت بأن غروف على الأرجح كانت تعرف ما يحدث لكنها لم تُصرّح بذلك مباشرة لغروف.

إدارة وتنسيق

وتورد الكاتبة، استناداً إلى آلاف رسائل البريد الإلكتروني التي اطلعت عليها الصحيفة، أن غروف كانت تنفّذ طلبات يومية متكررة تتعلق بترتيب "جلسات تدليك" كان إبستين يطلبها بشكل منتظم، مع إصرار متواصل على إيجاد بدائل إذا لم تتوفر الفتاة المطلوبة، وتؤكد إلمهيرست أن محاميي غروف شددوا على أنها "لم تشهد أو تُبلغ عن أي نشاط غير قانوني" خلال عملها.

إعلان

وبحسب ما تنقله إلمهيرست في تحقيقها، فإن إحدى المقابلات المرتبطة بمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) عام 2021 تتضمن شهادة لضحايا قلن إن ليزلي غروف كانت تدير ترتيبات "جلسات التدليك" التي "كانت تتحول فوراً إلى طابع جنسي"، وتقول إحدى الشاهدات إن غروف كانت تنسّق المواعيد والمدفوعات والإقامة، وأنها شعرت بأن غروف "على الأرجح كانت تعرف ما يحدث" لكنها لم تُصرّح بذلك مباشرة لها.

ولا يوجد في تحقيق غارديان شهادة تقول إن غروف تعرّضت لسوء معاملة من إبستين، بل توجد اتهامات بأنها كانت "تسهّل وتنسّق" أنشطة يُزعم أنها ارتبطت بالاعتداء على فتيات، مقابل إنكارها الكامل لأي معرفة أو تورط.

لكن التحقيق يعرض أيضاً صورة أكثر تعقيداً، إذ تُظهر رسائل أخرى أن غروف لم تكن مجرد منفذة أو موظفة هامشية، بل كانت تدير شبكة من التفاصيل التي تشمل السفر والإقامة والمدفوعات النقدية وترتيب لقاءات مع فتيات كثيرات، بعضهن كنّ قاصرات بحسب ما ورد في ملفات قضائية لاحقة.

غياب التهم الجنائية

وتوضح الكاتبة أن محامي غروف استندوا إلى غياب التهم الجنائية ضد موكلتهم، مؤكدين أن كل الدعاوى المدنية التي ذُكر فيها اسمها قد أُسقطت، وأن السلطات الفيدرالية لم تُوجّه لها أي اتهام بعد تحقيق استمر سنوات، ما يدعم، من وجهة نظرهم، رواية "عدم المعرفة".

لكن صوفي إلمهيرست تعود في تحقيقها إلى البعد الأخلاقي، مشيرة إلى أن القضية تتجاوز معيار الجريمة القانونية. فهي تطرح مفهوم "التواطؤ الإداري" أو المشاركة غير المباشرة، حيث يمكن للأفراد أن يسهموا في استمرار نظام استغلالي دون أن يكونوا على علم كامل بطبيعته، لكن عبر تنفيذ وظائف تجعل هذا النظام يعمل بسلاسة.

وتصف الصحيفة، بحسب التحقيق, بيئة العمل داخل منظومة إبستين بأنها قائمة على السرعة والطاعة وكسر الحدود المهنية التقليدية. فالمساعدون كانوا يتعاملون مع شبكة معقدة من الطلبات التي تمتزج فيها الحياة اليومية بالترتيبات الخاصة، بما في ذلك تنسيق لقاءات مع شخصيات عالمية وحجز رحلات ومتابعة تفاصيل دقيقة جداً.

حياة عائلية مستقرة

وفي المقابل، تعرض إلمهيرست أيضاً الجانب الشخصي لغروف، التي كانت تعيش حياة عائلية مستقرة نسبياً، تهتم بابنها وتشارك في تفاصيل الحياة المنزلية، ما يخلق تناقضاً حاداً بين عالمها الخاص وعالم عملها.

وترى الكاتبة أن هذا الانقسام بين الحياة الشخصية والمهنية ليس حالة استثنائية، بل جزء من طبيعة العمل في بيئات النفوذ العالي، حيث يمكن للأفراد أن يفصلوا بين الأخلاقي والمهني إلى حد يسمح باستمرار سلوكيات قد تكون مقلقة أو مدمّرة دون مواجهة مباشرة معها.

وتختم إلمهيرست تحقيقها بالإشارة إلى أن غروف، رغم عدم توجيه أي تهم لها، ستبقى جزءاً من الملفات التي تُحيط بقضية إبستين، وأن ظهورها أمام لجان التحقيق في الكونغرس يعكس استمرار الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات.

وبحسب قراءة غارديان، فإن ما يحيط بغروف ليس مجرد ملف قانوني مغلق، بل مساحة رمادية من المسؤولية، حيث يصعب الفصل بين "عدم المعرفة" و"اختيار عدم السؤال — من قبل غروف — عن السلوكيات غير العادية".

إعلان



إقرأ المزيد