ترتكب خطأ شنيعا عندما تقارن اتفاق ترمب مع إيران باتفاق أوباما
الجزيرة.نت -

يشغل درجة زميل متميز في "مركز سكوكروفت للإستراتيجية والأمن" التابع للمجلس الأطلسي (Atlantic Council).

Published On 30/5/2026

شارِكْ

الحراك الدبلوماسي الحذر والمناورات السياسية المعقدة الجارية حاليا بين مبعوثي الولايات المتحدة، وإيران، وباكستان، وقطر، ودول أخرى لا يشبه أي شيء شهدناه من قبل في التاريخ الطويل، والجهود المضنية الرامية إلى كبح طموحات إيران النووية.

وفي هذا الحراك، يمثل الوقت عنصرا حاسما؛ فكلما صمد وقف إطلاق النار فترة أطول، زادت احتمالات انهياره؛ بسبب العوامل المثيرة للاستفزاز، والحوادث، والعوارض، وردود فعل أي طرف على تصرفات الطرف الآخر.

ويصنف استخدام الولايات المتحدة للقوة ضد الطائرات المسيرة الإيرانية وقدرات إطلاقها خلال الأيام الماضية على أنه دفاع عن النفس، لكنه قد يخدم أيضا هدفا منفصلا؛ وهو الحد من تهديد إيران للملاحة البحرية، ومنعها من إحكام قبضتها على مضيق هرمز. وهذا الهدف المزدوج حري بالتوقف عنده.

ثم إن هذه الازدواجية تعزز حقيقة كثيرا ما تضيع في خضم التغطيات الإعلامية لاتفاقات وقف إطلاق النار. فالهدنة لا تعني وقفا لكافة العمليات العسكرية، بل تقتصر ببساطة على تقييد، وتحديد أنواع العمليات العسكرية الفعلية التي تستخدم القوة المميتة، أو المدمرة التي يمكن تنفيذها ليس إلا.

ولعله من المؤكد أن الولايات المتحدة تنفذ حاليا مجموعة واسعة من الأنشطة العسكرية المستمرة في الخليج وما حوله، بما في ذلك مراقبة التحركات العسكرية الإيرانية، وتسيير الدوريات البحرية، وبناء صورة استخباراتية أعمق للقدرات الإيرانية الرئيسية التي تشكل تهديدا.

ولا تزال القوات الجوية والبحرية الأمريكية في المنطقة في حالة استنفار قصوى وعلى أهبة استعداد تام، وتعمل في مسرح عسكري لا يزال شديد التوتر وبالغ الخطورة، ومن ثم فإن أي شخص يتوهم أن المدافع قد صمتت تماما فهو واهم.

وعلى المسار الدبلوماسي، تعكف الولايات المتحدة وإيران على ما يمكن تسميته "الصفقة الأولى"، وهي عبارة عن إطار عمل يقوم على التفكيك المتبادل للنفوذ العسكري الإيراني على مضيق هرمز، وللحصار الأمريكي المماثل للشحن البحري المتجه إلى إيران والخارج منها.
ويبدو أن بنية المسودة الحالية للاتفاق تضع في الحسبان جدولا زمنيا مدته 60 يوما لكلا الطرفين لتقليص انتشار قواتهما البحرية والجوية وغيره من الحشود العسكرية ذات الصلة.

إعلان

وهذا الترتيب الأولي، إذا تحقق، لا يعدو أن يكون تمهيدا لمفاوضات أكثر أهمية وتأثيرا لإبرام "الصفقة الكبرى"، أو "الصفقة الثانية" المتعلقة بوضع القدرات والبرامج والمواد النووية الإيرانية التي لطالما مثلت المشكلة الأشد تعقيدا، وما زالت كذلك.

أما أولئك الذين ينظرون إلى مهلة الستين يوما ويسارعون إلى استحضار المقارنات التاريخية مع مفاوضات الاتفاق النووي لعامي 2014 و2015، فإنهم يرتكبون خطأ فادحا، فالظروف المحيطة بالحراك الدبلوماسي الحالي تختلف اختلافا جوهريا عن تلك التي صاحبت الاتفاق النووي الأصلي، وهذه الاختلافات تشكل الحوافز لكلا الطرفين بطرق بالغة الأهمية.

وبادئ ذي بدء، فإن فرض الولايات المتحدة حصارا بحريا على إيران، وضع ضغطا اقتصاديا على البلاد من خلال منع السفن المتجهة إلى إيران والخارجة منها من الوصول إلى وجهاتها، وبالتالي تقليص الإيرادات الإيرانية بشكل كبير. ولا شك أن إيران حاولت الالتفاف على هذا الحصار عبر تنشيط الطرق البرية؛ لنقل طاقتها إلى الأسواق الرئيسية، لكن ذلك يظل، بلا ريب، حلا ناقصا.

وثانيا، فإن التهديد بتجدد استخدام القوة العسكرية الفعلية يخيم أيضا بظلاله على طاولة المفاوضات؛ فقبل وقف إطلاق النار، ضربت القوات الأمريكية نحو 13 ألف هدف. وبالتالي، فإن هذا التهديد ليس نابعا من فراغ، بل هو قدرة مؤكدة مدعومة بإرادة مثبَتة، وكلا الطرفين يدرك ذلك جيدا.

على أن هذا المزيج من الضغط الاقتصادي والتهديد العسكري الموثوق يشكل مستوى مختلفا من النفوذ، مقارنة بما كانت تمتلكه الولايات المتحدة خلال مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة (وهو المصطلح الدبلوماسي لمحادثات الاتفاق النووي السابق). فالحوافز المؤثرة على عملية صنع القرار الإيراني اليوم تعد أكثر إلحاحا وإقناعا في جوانب مهمة.

وقد استغرق التفاوض على الاتفاق الأصلي 18 شهرا، وهو ما عكس بيئة إستراتيجية مختلفة كانت فيها أوراق الضغط حقيقية، وإن اتخذت طابعا مختلفا. أما اليوم، فإن الحصار أدى إلى تراجع الإيرادات الإيرانية بصورة مباشرة وفورية، ولا تزال ذكرى 13 ألف ضربة عسكرية حاضرة بقوة في أذهان القيادة الإيرانية.

كما أن الولايات المتحدة، هي الأخرى، تعمل تحت تأثير أسباب تحملها على التوصل السريع إلى اتفاق، من بينها اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وضغوط التضخم الناتجة عن السيطرة الإيرانية الخانقة لشحنات النفط والغاز عبر مضيق هرمز.

ومع ذلك، فإن أيا من تلك الأسباب لا يضمن توصل طرفي المفاوضات إلى اتفاق في غضون 60 يوما. فالدبلوماسيون الإيرانيون معروفون على مر التاريخ بأنهم مفاوضون شديدو المراس، كما أن إدارة ترمب ترى أن نهجها يتسم بذات القدر من الصرامة والصلابة. ثم إن 60 يوما تعد فترة زمنية طموحة، وغالبا ما يصطدم الطموح في الدبلوماسية بتعقيدات القضايا الكامنة وراءه.

أما المسألة النووية المتمثلة في القضاء على البرنامج الإيراني أو الحد منه بشكل كبير، فهي قضية قديمة وصعبة حقا، والأبعاد الفنية والرقابية والسياسية لأي اتفاق تقتضي عملا جادا من قبل أشخاص يعملون تحت ضغط شديد.

إعلان

لكن ما تغير هو السياق العام؛ إذ إن بنية العوامل والحوافز مختلفة، وأيضا أوراق الضغط، كما أن درجة الإلحاح لدى الطرفين متباينة أيضا. لذا، فإن المحللين وصناع السياسات الذين يقارنون الجدول الزمني الحالي بتجربة الاتفاق النووي لعام 2015 دون أخذ هذه الفوارق في الاعتبار قد يصلون إلى استنتاجات خاطئة بشأن ما هو ممكن، وما يتعلق بالإطار الزمني الذي يمكن تحقيقه خلاله.

إن عام 2026 ليس كعام 2015، وهذه هي النقطة الأهم لفهم ما يجري في الخليج في الوقت الراهن؛ فهذه أرضية جديدة حتى وإن كانت مجموعة القضايا الأساسية المتمثلة في القضاء على برنامج إيران النووي، أو الحد منه بشكل كبير، هي قضايا قديمة العهد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد