العيش خارج المظلة الأمريكية.. هكذا سيبدو عالم ما بعد ترمب
الجزيرة.نت -

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة القوة التي تقود النظام العالمي سياسيا واقتصاديا وعسكريا. ولكن مع تصاعد الأزمات الاقتصادية، واتساع الانقسامات الداخلية، وتراجع التحالفات الدولية، بات هناك سؤال يتكرر بقوة في السنوات الأخيرة: هل بدأت الهيمنة الأمريكية فعلا بالتراجع؟

ويجيب مقالان نشرتهما صحيفتا فايننشال تايمز وآي بيبر البريطانيتان بأن النظام الدولي يدخل عصرا جديدا لا تحده الولاءات، وتهيمن عليه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
السياسات تقود الإمبراطوريات

من المهم بداية تفنيد نظرية تراجع الهيمنة الأمريكية، وهو ما يناقشه الكاتب والمستثمر الأمريكي بيل غروس في مقاله بصحيفة فايننشال تايمز.

قوة الولايات المتحدة لم تقم فقط على تفوقها العسكري، بل أيضا على التجارة الحرة، وقوة الدولار، والأسواق المفتوحة

يرى غروس أن الهيمنة الأمريكية التي قادت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تواجه اليوم تهديدا حقيقيا، نتيجة تراكم اختلالات اقتصادية وسياسات يعتبرها مدمرة على المدى الطويل.

ترمب كان له دور رئيسي في تراجع دور واشنطن دوليا لكن ضعف الهيمنة الأمريكية بدأ منذ عقود وفق المقالات (رويترز)

ويوضح أن الإمبراطوريات الكبرى عبر التاريخ حافظت على نفوذها بفضل سياسات تعزز الاستقرار الاقتصادي والثقة العالمية؛ فقوة الولايات المتحدة لم تقم فقط على تفوقها العسكري، بل أيضا على التجارة الحرة، وقوة الدولار، والأسواق المفتوحة.

أما الآن، وفي ظل السياسات الأمريكية الاقتصادية في العقود الماضية، فقد بدأ نموذج الهيمنة الأمريكية ينهار، وتسارع ذلك تحت حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وفق المقال.

المؤشرات الاقتصادية

ويدعم غروس نظريته بالإحصائيات، مشيرا إلى أن العجز المالي والتجاري الأمريكيين وصلا إلى مستويات خطيرة، بسبب تزايد الإنفاق على الحروب -مثل حرب إيران– والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي.

إعلان

ويحذر من أن المؤشرات ترجح ارتفاع الدين العام الأمريكي إلى مستويات غير مسبوقة خلال العقد المقبل، بما يهدد الثقة بالدولار نفسه.

كما ينتقد سياسات الرسوم الجمركية التي تبناها ترمب، مؤكدا أنها لم تحقق "الثورة الصناعية" الموعودة، ولم تقلص العجز الاقتصادي، وفق المؤشرات الاقتصادية.

المؤشرات السياسية والاجتماعية

بدورها تلتفت الكاتبة والمحللة الجيوسياسية ياسمين الجمال إلى التغيرات السياسية والاجتماعية في واشنطن، الدالة على أفول نجم الهيمنة الأمريكية.

وتؤكد أن العالم دخل مرحلة جديدة لن تعود فيها الولايات المتحدة إلى دورها التقليدي حتى بعد انتهاء عهد ترمب، لأن التحول نحو الانعزالية السياسية لم يعد ظاهرة مرتبطة بشخصه فقط، بل أصبح توجها متجذرا داخل السياسة الأمريكية لدى الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء.

الولايات المتحدة لم تعد راغبة في تحمل أعباء النظام الدولي كما فعلت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية

وتقول الجمال -وهي مستشارة سابقة للبنتاغون- إن كثيرين تعاملوا مع العدائية التي أبداها ترمب في ولايته الأولى مع الحلفاء، على أنها استثناء عابر.  ولكن خطاباته الهجومية تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وسياساته القائمة على الضغط والإكراه، كانت في الحقيقة مؤشرا مبكرا على تغيير أعمق في رؤية واشنطن لدورها العالمي.

وقد أثبتت عودته إلى الحكم، ثم السياسات التي اتبعها خلال ولايته الثانية، أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة في تحمل أعباء النظام الدولي كما فعلت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بحسب المقال.

مظاهرة مناهضة للحرب الأمريكية على إيران في نيويورك، الولايات المتحدة (الأوروبية)

وتشير الكاتبة إلى أن الأمريكيين باتوا مرهقين من الحروب الخارجية ومن تحمل مسؤوليات حلفائهم، خاصة مع تزايد الضغوط الاقتصادية الداخلية وصعوبة الحفاظ على مستوى معيشي مستقر.

وبالتالي، فإن المزاج الشعبي الأمريكي لا يرفض القيادة العالمية بالكامل، لكنه يرفض أن تبقى واشنطن وحدها مسؤولة عن أزمات العالم.

التحالفات التقليدية تتزعزع

وبحسب المقال، لم تعد الولايات المتحدة فقط أقل التزاما بحماية النظام الدولي، بل أصبحت أحيانا عاملا في زعزعته.

ويتجلى ذلك في طريقة تعامل إدارة ترمب مع الحرب في أوكرانيا، إذ أوضح منذ عودته إلى السلطة أن أوروبا يجب أن تتحمل العبء المالي والعسكري الأكبر، بينما تركز واشنطن على أولوياتها الاقتصادية الداخلية.

هذا التحول أثار قلق الحلفاء الأوروبيين ودفعهم إلى إعادة التفكير في اعتمادهم الكامل على الولايات المتحدة، بحسب المقال.

وترى الجمال أن دول الخليج أيضا بدأت تدرك أن الاعتماد الأمني على واشنطن لم يعد مضمونا، خاصة بعد التوترات المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والهجوم الإسرائيلي على اجتماع لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطر.

نحو نظام جديد

وتخلص الكاتبة إلى أن العالم يتجه نحو نظام دولي أكثر سيولة، تتحرك فيه التحالفات وفق المصالح لا القيم الثابتة.

بدوره يرى غروس أن السياسات الأمريكية أدت إلى إضعاف الدولار، مما يهدد هيمنة واشنطن الاقتصادية. ويزيد الوضع سوءا -برأي الكاتب- قلق المستثمرين من "تآكل الهيمنة الأمريكية".

إعلان

ومع تغير المهيمن الحالي، يلتفت غروس إلى سؤال الخليفة المحتمل، ليجيب بأن الهيمنة المستقبلية قد لا تكون لأمريكا أو لقوى عظمى أخرى مثل الصين، بل للذكاء الاصطناعي نفسه، وللقوى التي ستنجح في السيطرة عليه مستقبلا.

أما الجمال، فتؤكد أنه في ظل تراجع الثقة بالدور الأمريكي التقليدي، باتت الدول بحاجة إلى مرونة أكبر في إدارة علاقاتها، وأن التعامل مع أمريكا الجديدة يتطلب سياسة قائمة على المصالح والحسابات الدقيقة، لا على المجاملة أو المواجهة المباشرة.



إقرأ المزيد