الجزيرة.نت - 5/29/2026 2:26:11 PM - GMT (+3 )
بيروت – يحلّ عيد الأضحى هذا العام على لبنان في ظل مشهد يثقله القلق والحرب، حيث لم تعد المناسبات الدينية والاجتماعية تنعكس بالزخم ذاته الذي اعتاده اللبنانيون، بعدما غلبت التحولات القاسية على تفاصيل الحياة اليومية وأعادت ترتيب أولويات الناس بين ما هو احتفالي وما هو ضروري.
وفي ظل استمرار حركة النزوح من عدد من المناطق، وتراجع القدرة الشرائية بشكل حاد، باتت الحياة اليومية محكومة بإيقاع مختلف، تتقدم فيه هواجس الأمان وتأمين الاحتياجات الأساسية على ما عداها، فيما تتراجع مظاهر الفرح أمام ضغط الواقع الأمني والاقتصادي والمعيشي.
في أحد مراكز الإيواء بمدينة صيدا، يتخذ العيد هذا العام ملامح مختلفة تماما، فلا زينة ولا طقوس مألوفة، بل مساحات مكتظة بفرش النازحين وأحاديث متقطعة عن الحرب وأخبار المناطق البعيدة. وبينما يمر العيد في التقويم، يبدو حضوره خافتا في المكان، كأنه مناسبة مؤجلة في انتظار ظروف أكثر استقرارا.
داخل هذا المكان، تجلس هيام بين نساء نازحات يقتسمن معها تفاصيل الحرب كما يقتسمن أعباء العيش في مركز الإيواء. الحديث لا ينقطع عن البيوت التي غادرنها على عجل، وعن الطرق التي فرقت العائلات، وعن عيد كان يوما ما مساحة للفرح الجماعي. تقول هيام للجزيرة نت إن العيد اليوم لم يعد يشبه شيئا مما عرفته سابقا: "كان العيد بيتا وأهلا وأرضا.. اليوم أصبح مجرد يوم نحاول أن نمرره بصعوبة".
وتتوزع العائلات النازحة على أكثر من منطقة ومركز، ما جعل فكرة الاجتماع العائلي شبه مستحيلة. ومع ذلك، تقول هيام إن ما نشأ بينهم داخل المركز خلق نوعا مختلفا من التضامن، "صرنا نعيش كأننا عائلة واحدة، نتقاسم الطعام والخوف والانتظار"، في محاولة لتخفيف وطأة الغربة التي فرضتها الحرب داخل الوطن نفسه.
تكيف قسريورغم هذا التكيف القسري، لا يغيب الحنين عن الأحاديث اليومية. فالعيد الذي كان يرتبط في الذاكرة الجمعية بزيارة الأقارب وارتداء الملابس الجديدة وصلاة الصباح، بات اليوم ذكرى بعيدة أكثر من كونه مناسبة حاضرة.
فاطمة، وهي نازحة أخرى، تستعيد تفاصيل الأعياد الماضية بحنين واضح. تقول للجزيرة نت إن صباح العيد كان يبدأ بصلاة العيد، ثم زيارة المقابر وقراءة الفاتحة على أرواح الراحلين، قبل أن تنطلق العائلات في جولات الزيارات المتبادلة. لكن الحرب، كما تقول، "مزقت هذه الطقوس"، بعدما تفرقت العائلات بين مراكز النزوح، وأصبح كل فرد في جهة مختلفة. "حتى الرسائل باتت تصل بصعوبة، فكيف باللقاءات؟"
حركة متراجعةوخارج مراكز الإيواء، لا يبدو المشهد أقل قسوة. ففي شوارع صيدا وأسواقها، تراجعت الحركة بشكل ملحوظ مقارنة بالأعوام السابقة. محال كثيرة فتحت أبوابها، لكن الزبائن قلة، والوجوه مترددة، فيما يطغى القلق الأمني والانكماش الاقتصادي على أي مظهر من مظاهر العيد.
إعلان
في منطقة "بحر العيد"، يقف أحمد جنداوي أمام عربة صغيرة لبيع العصائر، يراقب حركة المارة التي لا تكاد تذكر. يقول إن أجواء العيد شبه غائبة هذا العام، مضيفا أن الحرب "سلبت الناس حتى قدرتهم على الفرح"، ولا سيما الأطفال الذين باتوا يعيشون حالة ترقب وخوف بدل انتظار العيد.
ويضيف أن كثيرين يفضلون البقاء في منازلهم خشية التصعيد الأمني، ما أدى إلى تراجع الزيارات العائلية والخروج إلى المنتزهات والمطاعم. "حتى الفسحة أصبحت محسوبة"، يقول جنداوي، في إشارة إلى حجم القلق الذي يثقل تفاصيل الحياة اليومية.
وينعكس هذا التراجع بوضوح على الأسواق الشعبية أيضا. رفعت العاصي، صاحب بسطة لبيع سندويشات "البرغل"، يراقب هو الآخر ركود السوق. يقول للجزيرة نت إن الأعياد كانت في السابق موسما للحركة والازدحام، لكن الصورة تغيرت كليا هذا العام، خصوصا بعد الغارات الأخيرة على المدينة.
ويضيف أن السوق بات شبه خال من الزوار القادمين من خارج صيدا، فيما يقتصر الحضور على أبناء المنطقة. "حتى هؤلاء باتوا يمرون مرورا سريعا، دون شراء يذكر"، يقول العاصي، مشيرا إلى أن الخوف بات جزءا من قرار التسوق نفسه، إلى جانب الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
وفي محال الألبسة، لا تبدو الصورة مختلفة كثيرا. أم محمد، وهي صاحبة متجر لبيع الملابس، ترتب البضائع على أمل جذب بعض الزبائن، لكن الحركة خجولة إلى حد كبير. تقول للجزيرة نت إن مواسم الأعياد كانت تشكل سابقا فرصة أساسية لتنشيط البيع، "أما اليوم فالناس بالكاد تؤمن حاجاتها الأساسية".
وتوضح أن معظم المبيعات التي سجلت هذا الموسم كانت من نصيب النازحين، لكن ليس بدافع الاحتفال بالعيد، بل بسبب الحاجة إلى ملابس جديدة أو الاستفادة من العروض. حتى سكان المدينة، كما تقول، باتوا يكتفون بشراء قطعة واحدة للأطفال، فيما ألغت عائلات كثيرة فكرة التسوق بالكامل.
وتضيف: "في السابق كانت العائلات تأتي معا، الأب والأم والأطفال، وتمتلئ الأسواق حتى ساعات الليل، اليوم يقف الزبون قليلا، يسأل عن السعر ثم يغادر".
بقايا العيدفي أحد أحياء المدينة، تحاول عائلة أم حسن التمسك بما تبقى من ملامح العيد، رغم ثقل الظروف المحيطة بها. وتقول الأم للجزيرة نت إن الخوف من الغارات وتوسع دائرة التصعيد الأمني دفع العديد من العائلات إلى تقليص الحركة والزيارات إلى الحد الأدنى.
وتضيف أن الأطفال هم الأكثر تأثرا بهذا الواقع، إذ "لم يعودوا يسألون عن الملابس أو الهدايا، بل عن صوت الطائرات، ومتى ينتهي كل هذا".
ومع ذلك، تحاول العائلة إبقاء طقوس بسيطة حية داخل المنزل، من إعداد طعام العيد إلى تبادل التهاني بين أفرادها، "حتى لا يشعر الأطفال أن كل شيء انتهى"، على حد تعبير الأم.
مبادرات إغاثيةفي المقابل، تتسابق مبادرات إغاثية في مدينة صيدا لفتح فسحة صغيرة من الفرح أمام الأطفال داخل مراكز الإيواء، ولو لساعات عابرة تخفف من قسوة الواقع المحيط.
إعلان
في هذا الإطار، نظمت مؤسسة "سويس بركة تشاريتي" نشاطا ترفيهيا داخل أحد مراكز الإيواء في المدينة، حيث تحول المكان لساعات إلى مساحة مختلفة عما يعيشه النازحون يوميا. وتضمن النشاط ألعابا مخصصة للأطفال ومنشآت قابلة للنفخ، إلى جانب توزيع المثلجات وتنظيم فقرات ترفيهية، حاولت أن تستعيد شيئا من أجواء العيد وسط واقع يطغى عليه القلق والانتظار.
ويقول محمد عجمي، مؤسس ومدير المؤسسة، للجزيرة نت إن هذه المبادرة تأتي في سياق جهود إنسانية متواصلة تهدف إلى التخفيف من التداعيات النفسية للحرب على الأطفال النازحين، الذين يصفهم بأنهم "الأكثر تضررا من الحروب، والأقل قدرة على استيعاب أسبابها وتعقيداتها".
ويشير عجمي إلى أن هذه المبادرة ليست الأولى من نوعها، بل تندرج ضمن سلسلة أنشطة تسعى المؤسسة إلى مواصلتها كلما سمحت الظروف، بهدف منح الأطفال متنفسا يتيح لهم التعبير عن طاقتهم واستعادة جزء من طفولتهم التي سرقتها الحرب، ولو على نحو مؤقت.
ويختم بالتأكيد أن الرسالة التي تحملها هذه التحركات تتجاوز حدود النشاط نفسه، لتصل إلى دعوة أوسع لوقف الحروب "في لبنان وفي كل مكان"، كي لا يبقى الأطفال رهائن واقع لا يشبه طفولتهم، ولا يترك لهم سوى انتظار ثقيل لفرح مؤجل.
إقرأ المزيد


