تراوح بين التصعيد والتهدئة.. ما سيناريوهات عض الأصابع بين أمريكا وإيران؟
الجزيرة.نت -

Published On 28/5/2026

يبدو أن الأمور تتجه إلى البحث عن حل وسط بين الولايات المتحدة وإيران مع تعثر التوصل لاتفاق نهائي بشأن آلية عودة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أعقد ملفات التفاوض بين البلدين.

في الوقت نفسه، تتزايد التحذيرات من الانجرار وراء التسريبات الصحفية الغربية، التي يصفها محللون بالموجهة، وأيضا من وقوع دول الخليج في فخ الانخراط بحرب مباشرة مع إيران، ردا على هجماتها التي تعود بين فينة وأخرى. فقد شن الإيرانيون هجمات على الكويت اليوم الخميس، بعد ساعات من غارات شنتها القوات الأمريكية على مواقع جنوبي إيران.

اقرأ أيضا list of 3 itemsend of list

ولم تحدد الحكومة الكويتية المواقع التي استهدفها الهجوم الإيراني، الذي قالت إنها تمكنت من التصدي له، فيما قالت طهران إنها استهدفت قاعدة جوية أمريكية ردا على هجوم وقع قرب مطار بندر عباس، دون تحديد مكان القاعدة المستهدفة.

في غضون ذلك، نقل موقع أكسيوس الإخباري عن مسؤولين أمريكيين أن واشنطن وطهران تقتربان من التوصل لاتفاق مبدئي على تمديد الهدنة الحالية شهرين إضافيين، مع توسيع المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني.

وتشير التسريبات إلى أن مسودة الاتفاق المحتمل تضع "الأمن البحري مقابل تسهيلات اقتصادية وإنسانية"، وذلك من خلال تحرير الملاحة في مضيق هرمز دون قيود أو رسوم، مع تعهد طهران بإزالة الألغام البحرية من الممر المائي خلال 30 يوما.

بعد ذلك، ستبدأ الولايات المتحدة بعدها في تخفيف حصارها البحري على إيران تدريجيا، وبما يتناسب مع عودة حركة الشحن الدولي لطبيعتها.

مراوحة مزعجة

لكن أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت الدكتور عبد الله الشايجي، حذر من الانجرار خلف هذه التسريبات، التي قال إنها غالبا ما تصدر بشكل ممنهج وعن طريق وحدة المخابرات الإسرائيلية 8200، مشيرا إلى أنها "ليست المرة الأولى التي ينشر فيها موقع أكسيوس تسريبات متفائلة لتخدير أسواق النفط وطمأنة المستهلك الأمريكي".

إعلان

فلا الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ولا الجانب الإيراني أعلن بشكل واضح موافقته على التوصل لأي اتفاق، بينما الواقع الميداني يشي بمزيد من التصعيد العسكري الذي يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، حسب ما قاله الشايجي في مقابلة مع الجزيرة.

بالتالي، فإن هذه المراوحة المزعجة بين التهدئة والتصعيد والتسريبات "لا تعود بالفائدة على أي طرف، وخصوصا إيران التي ترد على الغارات الأمريكية بضرب دول مجلس التعاون بطريقة غير مبررة"، وفق الشايجي.

فالإيرانيون، كما يقول المحلل الكويتي "يمتنعون عن استهداف حاملات الطائرات والبوارج والغواصات الأمريكية المتمركزة قرب مضيق هرمز، والتي تنطلق منها الهجمات الحالية بعدما خرجت كافة القواعد الأمريكية بدول الخليج عن الخدمة كما يعرف الجميع".

وفي حين تدعم دول الخليج الوساطة الباكستانية، وتلعب دولة قطر دورا بارزا فيها، "تحاول إيران استدراج هذه الدول إلى فخ لن تقع فيه أبدا"، حسب تعبير الشايجي.

رسائل للداخل ولأمريكا وللمنطقة

كما تكشف هذه الهجمات المتقطعة على دول الخليج "زيف الوعود الإيرانية وحديثها عن حسن الجوار"، برأي رئيس مركز الخليج للأبحاث في جدة، الدكتور عبد العزيز بن صقر.

فاستهداف الكويت فجر اليوم، كما قال الصقر في مقابلة مع الجزيرة "يحمل ثلاث رسائل، واحدة للداخل الإيراني مفادها أنها ما تزال قوية وقادرة على توجيه هجمات لدول الجوار، وأخرى للولايات المتحدة بأنها تتفاوض من موقع قوة لا ضعف، وثالثة لدول الخليج بأنها لا تزال مهددة في أمنها واقتصادها".

فمن خلال هذه الهجمات "يحاول الحرس توظيف أمن الخليج ومضيق هرمز كأوراق ضغط ساخنة على طاولة المفاوضات، وتأكيد أنه هو الممسك بدفة الأمور وليس وزير الخارجية أو الرئيس الإيراني"، حسب الصقر، الذي قال إن مذكرة التفاهم التي يجري الحديث عنها "لا تعني نهاية الحرب لأن إيران لن تلتزم بأي اتفاق، على غرار ما تقوم به إسرائيل".

والأهم من ذلك برأي المتحدث أن عدم تصدي الولايات المتحدة للهجمات الإيرانية على دول الخليج ومحاولتها التهوين منها "يوضح رغبة الطرفين في إبرام هدنة مؤقتة لا تضمن استقرارا دائما للأمن القومي الخليجي".

السيناريوهات المطروحة

فمع الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن، يبقى ملف هرمز من أعقد الملفات التي تنتظر حلا واتفاقا بين الطرفين، ويدور الحديث عن عدة سيناريوهات قد يتفق الطرفان على أي منها.

ورغم توقف العمليات العسكرية، فإن طهران أوضحت مرارا أن المضيق بعد الحرب "لن يعود كما كان قبلها"، بل إنها أعلنت في 5 مايو/أيار الجاري عن تأسيس "هيئة مضيق الخليج الفارسي".

وتشترط إيران على العابرين في المضيق الحصول على تصاريح عبور، ودفع رسوم عن الخدمات والتأمين البحري، وهو ما اعتُبر محاولة لفرض واقع جديد في واحد من أهم الممرات البحرية على وجه الأرض.

وحاليا، يجري الحديث عن عدة حلول للتعامل مع الوضع الجديد، رغم أن أيا منها لا يبدو حتى الآن قادرا على إعادة الأمور إلى ما كانت عليه، وفق ما قاله أحمد فال ولد الدين في تقرير للجزيرة.

دوريات بحرية أمريكية في محيط هرمز وبحر العرب (سينتكوم )

فالمطروح على طاولة النقاش حاليا يدور حول إيجاد صيغة إدارة مشتركة للمضيق بين إيران وسلطنة عُمان، تقوم على فرض رسوم مقابل خدمات بحرية تقدم للسفن وليس مقابل حق العبور، حسب ما نقلته نيويورك تايمز عن مصادر لم تسمها.

إعلان

ومن خلال هذا الطرح، يجري البحث عن صيغة وسط تمنح إيران دورا عمليا في إدارة أمن المضيق دون منحها سيطرة قانونية مباشرة عليه.

أما الصيغة الثانية التي يجري بحثها فتقوم على تشكيل تحالف بحري دولي يتولى تأمين حرية الملاحة في المضيق، هو سيناريو ربما يفرض نشر مزيد من المدمرات وسفن المراقبة والطائرات المسيرة، مع إنشاء مسارات عبور مؤمنة للسفن التجارية، وناقلات النفط والغاز، وربما إعادة تفعيل أنظمة المرافقة العسكرية المباشرة لبعض السفن.

سفينة حربية أمريكية تنفذ دوريات ضمن الحصار البحري (سينتكوم)

وهذا الخيار يبدو الأكثر تعقيدا لأنه بحاجة إلى غطاء قانوني دولي وإلى تفاهمات إقليمية ودولية تشمل سلطنة عُمان وإيران التي قد ترى في أي وجود بحري دولي قرب سواحلها محاولة لتطويقها عسكريا، وفق تقرير ولد الدين.

وبين هذا وذاك، يظل الحديث مطروحا عن تفاهم مباشر بين واشنطن وطهران، وقد فُسر تعليق واشنطن لعمليات مرافقة السفن في المضيق على أنه "إشارة إلى أن باب التفاهم البحري مع إيران لم يُوارب".

وقد يقوم هذا المسار على تفاهم تخفف فيه إيران القيود الملاحية مقابل تقليص الوجود العسكري الأمريكي قرب المضيق، والحد من الضغوط الاقتصادية والبحرية الأمريكية المفروضة على طهران.

وهكذا، لم يعد الجدل حول مضيق هرمز مرتبطا بإغلاقه فحسب.. بل بات متعلقا بمن يملك حق تنظيم الملاحة فيه، ومن يضع قواعد المرور في مياهه الإستراتيجية، في لحظة تختلط فيها ترتيبات ما بعد الحرب بصراع الريادة والسيادة على واحد من أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم.



إقرأ المزيد