الجزيرة.نت - 5/28/2026 4:11:12 PM - GMT (+3 )
جنين – منذ نحو عامين، لم يعرف الفلسطيني فضل نواجعة وعائلته من بلدة رابا شرق مدينة جنين شمالي الضفة الغربية طعما للراحة، ولم يغمض لأحدهم جفن، فاعتداءات المستوطنين اليومية حولت ليلهم إلى خوف وقلق، وأرضهم التي يعتاشون منها إلى سجن بسياج مرتفع.
بدأ ذلك مع ظهور تجمع صغير على تلة مجاورة، كان في البداية مجرد "بؤرة رعوية" يقودها بضعة مستوطنين بأبقارهم وأغنامهم، قبل أن يتحول في وقت قياسي إلى مستوطنة رسمية تحمل اسم "هار بيزك"، تطل على أراضي البلدة من جبل "السالمة".
لم يكتف المستوطنون الجدد بمصادرة الأرض وإطلاق الأبقار على مزروعات الأهالي، بل أضافوا فصلا جديدا إلى المشهد، صلوات تلمودية يؤدونها داخل الأراضي المصادرة وبين أشجار الزيتون، في خطوة يصفها أهالي البلدة بأنها محاولة لإسباغ غطاء ديني مزعوم على عملية الاستيلاء.
أحاط نواجعة بيته وأرضه بسياج مرتفع في محاولة لكبح هجمات المستوطنين على أسرته ومحاصيله، غير أن السياج لم يحل دون استمرار الاعتداءات؛ فالمستوطنون يأتون يوميا، يطلقون أبقارهم في الحقول، ويحاولون -بحسبه- هدمه أو تدميره، فيما تتسلل القطعان عبر فجواته إلى ما تبقى من الزرع.
وقال للجزيرة نت: "أقمنا هذا السياج لنحمي أنفسنا، لكنه تحول في النهاية إلى سجن نعيش داخله، ومع ذلك يصل المستوطن إلى الأرض". وأضاف أن النهار والليل صارا متشابهين، فالاعتداء قد يحدث في أي ساعة.
قبل المصادرة كان نواجعة يعتمد في رزقه على قطيع من الأغنام يسرح في مراع متفرقة في محيط البلدة، لكن مصادرة الاحتلال مساحات واسعة من أراضي رابا، وفرض ما يصفه الأهالي بـ"المناطق العازلة" حول الأراضي المصادرة، حرمت المزارعين عمليا من الوصول حتى إلى الأراضي غير المصادرة المجاورة لها، إذ يمنع الجيش والمستوطنون أصحابها من إدخال أغنامهم إليها.
إعلان
أمام هذا الواقع، اضطر إلى بيع جزء كبير من قطيعه، وقال "لم يبق لي مرعى أرسل إليه أغنامي، فبعتها مرغما وأبقيت القليل"، وتابع بحسم "لست مستعدا لأن أخسر أحد أبنائي برصاص مستوطن أو جندي، رعي الأغنام مهمة محفوفة بالموت".
اعتاد هذا المزارع الفلسطيني أن يستأجر قطع أراض مجاورة لمسكنه ويزرعها قمحا وغيره من المحاصيل، غير أن وقوع أرضه قرب الحدود الفاصلة بين مناطق (أ) الخاضعة إداريا وأمنيا للسلطة الفلسطينية، و(ج) الخاضعة لسيطرة الاحتلال، وقربها من المستوطنة الجديدة جعل العمل فيها محفوفا بالمخاطر.
وأضاف "اضطررت إلى حصد القمح ليلا، لأن المستوطنين لا يسمحون لنا بالوجود في الأرض خلال النهار"، في مشهد يلخص ما آلت إليه حياة المزارعين في المنطقة.
أما فاطمة نواجعة زوجة فضل فتقول إن العائلة تعيش "داخل سجن من صنع المستوطنين". وتضيف للجزيرة نت: "لم نعد نتمتع بحريتنا في التنقل داخل أرضنا، كنا في السابق نخرج إلى أين نشاء، ونتجول في المحيط، أما اليوم فقد صارت أرضنا سجنا لا نجرؤ على تجاوزه".
وتصف يوميات لا تعرف الاستقرار: "مستوطنون في الصباح والمساء، يحضرون أبقارا أتلفت الزرع، وينزلون بالجرارات الزراعية على الأرض المنخفضة فيدوسونها، أما الأطفال فلا يخرجون إلى المدرسة إلا حين نفتح لهم باب السياج بمفتاح ثم نغلقه فورا". وأكدت "لا يشعر الإنسان إلا بالخوف والرهبة، ولا هدوء في النفس على الإطلاق".
خلق السرديةما يصفه الأهالي بلسانهم يضعه رئيس مجلس قروي رابا، غسان بزور، في إطار رسمي أوسع، ويقول -للجزيرة نت- إن أراضي البلدة شهدت قرار مصادرة رسمي في 25 يونيو/حزيران 2024، وإن أعمال البنية التحتية لم تتوقف منذ ذلك الحين في المنطقة الشرقية المعروفة بـ"جبل السالمة"، حيث "الحفريات قائمة، والإسفلت موجود، وهناك نقطة استيطانية فيها عدد كبير من المستوطنين يتوجهون يوميا إلى المناطق السكنية ويعتدون على المواطنين".
ويوضح أن المرحلة الأخيرة شهدت تحولا نوعيا في أدوات الاعتداء؛ إذ أُحضر "قطيع كبير من الأبقار يزيد عدده على 70 رأسا، مرعاه أراضي المواطنين المزروعة بالمحاصيل البعلية والزيتون التي يخربها القطيع يوميا".
ولفت إلى أن الأبقار تصل إلى عتبات البيوت، "وكل من يحاول إبعادها عن منزله يتعرض للضرب والإهانة والطرد"، في حالة مستمرة منذ أكثر من شهر على كامل المنطقة المصادرة.
ويتوقف بزور عند ما يعده الأخطر في هذا المشهد، وهو السلوك الديني الذي يرافق الرعي، ويقول: "لوحظ أن الراعي يحمل كتابا ويؤدي صلوات تلمودية وحركات المتدينين اليهود في هذه المناطق، إيذانا منهم بأن هذه المناطق دينية تابعة لهم". ويربط ذلك باقتحامات سابقة قام بها مستوطنون، راحوا يسألون عن "مواقع معينة في القرية بزعم أن لها صلة دينية بهم".
ويرى أن هذه الصلوات ليست عابرة ولا فردية، بل محاولة لإثبات وجود "مناطق أثرية تمت إلى اليهود بصلة" لتحفيز مستوطنين آخرين على الحضور والمطالبة بالأرض والإقامة فيها لاحقا، ويؤكد أن رابا لم تعرف عبر تاريخها أي موقع ديني يهودي، وأن ما يجري "محاولة لخلق سردية جديدة" تمنح الاحتلال موطئ قدم دائم.
إعلان
وأضاف أن المجلس والمؤسسات الرسمية تحاول توثيق ما يجري ورفعه إلى الجهات المعنية، رغم أن "الأدوات المتاحة محدودة أمام عملية ممنهجة تجمع بين الجيش والمستوطنين والقرارات الإدارية".
من جانبه، يصف مسؤول لجنة الحماية المجتمعية في رابا سامر بزور، وهو شاهد عيان على هذه الطقوس، كيف رأى مستوطنا يخرج "كتيبا" من حقيبته ويؤدي صلواته بين الأشجار.
وينقل ما قاله المستوطن للأهالي مباشرة: "هذه الأرض لنا، ليست لكم.. كانت لكم وصارت لنا، ولا حق لكم فيها"، فيرد الأهالي بأن "هذه بلدتنا، ولدنا فيها نحن وآباؤنا وأجدادنا، ولدينا أوراق وكواشين (سند ملكية) تثبت ملكيتنا"، فيكرر المستوطن مقولته ذاتها.
وأضاف للجزيرة نت أن الأمر لا يقف عند الكلام؛ فالمستوطنون يحملون أسلحة طويلة "تشبه أسلحة جيش الاحتلال"، ويطلقون النار "مباشرة" على المزارعين تحت حماية الجيش الذي يتدخل لطرد الأهالي لا لحمايتهم، في هذه البلدة التي يعيش فيها 5 آلاف نسمة.
ويذكر سامر حادثة 8 نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم، حين هاجم مستوطنون البيوت بذريعة البحث عن "حصان مفقود"، فأحرقوا منزلا وكسروا أبوابا ونوافذ، قبل أن يتصدى لهم الأهالي بصفوف موحدة.
وفق الأهالي ومسؤولين، فإن أداء الصلوات التلمودية في حقول البلدة ليس طقسا فرديا عابرا، بل جزء من خطاب يحاول الاحتلال والمستوطنون من خلاله بث رسائل بأن لهم "ارتباطا دينيا وتاريخيا" بالأرض.
وتشهد الضفة الغربية تصاعدا ملحوظا في اعتداءات المستوطنين منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، عبر إحراق المحاصيل، والاعتداء على المزارعين، وإطلاق قطعان الأبقار في الأراضي المزروعة فيما يُعرف بـ"الرعي الاستيطاني"، إضافة إلى اقتحام مناطق مصنفة (أ) وإقامة صلوات تلمودية فيها.
وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، نفذ المستوطنون 540 اعتداء ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة بما فيها القدس خلال أبريل/نيسان الماضي.
كما شهد الشهر ذاته إقامة 21 بؤرة استيطانية جديدة، معظمها ذات طابع زراعي ورعوي، فيما ارتفع عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا في اعتداءات المستوطنين منذ مطلع العام الجاري إلى 15 شهيدا حتى 11 مايو/أيار الجاري.
إقرأ المزيد


