العيد بين أهلك وأهلي.. كيف ننجو من "حرب الزيارات" دون استنزاف سلامنا الزوجي؟
الجزيرة.نت -

لا أحد يعلن الحرب في العيد. لكن البعض يعيشون أياما ثقيلة مقنّعة بالابتسامة، يتنقلون فيها بين بيت وبيت، وكل وجهة تحمل توقعاتها وحساباتها الصامتة.

والمشكلة لا تكمن في كثرة الزيارات، بل في المنطق الذي يُدار به التنقل: منطق الموازين وتعديل الكفّة وإرضاء الجميع، وهو منطق يفضي في الغالب إلى إرهاق الجميع.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

في كل عيد، يجد كثير من الأزواج أنفسهم أمام معادلة متكررة لا تجد حلا مريحا: كيف يمكن التنقل بين أهل الزوج وأهل الزوجة دون أن تتحوّل أيام العيد إلى مصدر توتر وشعور دائم بالتقصير؟ فكل عائلة ترى لنفسها أحقية وجدانية في هذه الأيام، بينما يجد الزوجان أنفسهما في وسط ضغوط متقاطعة يصعب إرضاؤها جميعا.

وتشير أبحاث حديثة في علم النفس الأسري إلى أن هذه الضغوط الاجتماعية المتكررة تؤثر مباشرة على الرضا داخل العلاقة الزوجية، وإن بدت من الخارج مجرد "خلافات موسمية بسيطة".

الضغوط الاجتماعية في المناسبات قد تؤثر مباشرة على الرضا العاطفي بين الزوجين (شترستوك)
العيد تحت ضغط الزيارات

ثمة فارق جوهري بين الزيارة التي تنبع من رغبة، وتلك التي يملي عليك الضمير الاجتماعي القيام بها. وما يحدث في العيد كثيرا ما يقع في الفئة الثانية: حضور مقنّع بالفرح، لكنه مثقل بالحساب.

توصلت دراسة نشرتها مجلة "كيرنت أوبينيون إن سيكولوجي" إلى أن طريقة إدارة الضغوط أهم أحيانا من حجمها، خاصة عندما يشعر أحد الطرفين بأنه يتحمّل العبء العاطفي والاجتماعي وحده. وهذا الشعور بالانفراد هو تحديدا ما يحوّل أيام العيد، رغم بهجتها الظاهرة، إلى تجربة مرهقة يتمنى بعض الأزواج انتهاءها.

وهم "العدالة الحسابية"

المشكلة في كثير من الأحيان لا تكمن في عدد الزيارات، بل في المنطق الذي يُدار به التنقل: ساعة هنا بساعة هناك، يوم لأهلك ويوم لأهلي، دقائق تُحسب وتُقارَن.

هذا المنطق -رغم مظهره العادل- يخلق شعورا دائما بعدم الإنصاف لأحد الطرفين. لأن العلاقات الإنسانية لا تعمل بمنطق الميزان التجاري.

إعلان

وتشير دراسة الباحثين دانيال كارلسون وأماندا ميلر وستيفاني رود بشأن الرضا الزوجي إلى أن الشعور بالعدالة داخل العلاقة أهم من التساوي الحسابي الصارم، لأن الرضا العاطفي يرتبط بالإحساس بالتقدير والتفاهم، أكثر من ارتباطه بالتوزيع الزمني الدقيق.

وما يريده الزوجان في العيد ليس حسابات متطابقة، بل شعور بأن القرار مشترك ومحترم.

المرونة في إدارة أيام العيد تساعد على تقليل التوتر ومنع تراكم الخلافات العائلية (شترستوك)
اتفاق قبل العيد.. لا قرارات لحظية

أولى الخطوات العملية تبدأ قبل العيد نفسه بأيام، من خلال وضع قواعد عامة متفق عليها تضبط التوقعات وتقلّص مساحة التفاوض اليومي الانفعالي.

قد تشمل هذه القواعد تحديد عدد الزيارات الممكنة يوميا، والاتفاق على مدة تقريبية لكل منها، وتجنب الالتزامات المفتوحة التي لا سقف زمنيا لها.

وتؤكد أبحاث الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) أن وضع توقعات واضحة مسبقا يقلل احتمالات الصراع ويعزز الشعور بالاستقرار داخل العلاقة.

هذا التنظيم المسبق ليس تقنيا للمشاعر، بل هو حماية لها من الاحتراق.

قسِّم الأيام.. لا الساعات

من أكثر الأخطاء شيوعا محاولة زيارة الجميع في اليوم نفسه. وهو ما يحوّل العيد إلى ماراثون تنقّل ينهك الأزواج ويستنزف الأطفال، ويُفقد كل زيارة حضورها الحقيقي.

تخصيص يوم كامل لكل عائلة أجدى بكثير من التكثيف في يوم واحد. هذا الأسلوب يقلص الشعور بالمنافسة بين العائلتين، ويمنح الزوجين قدرة أكبر على الحضور النفسي الحقيقي، بدلا من الوجود السريع المشتت الذي لا يرضي أحدا في نهاية المطاف.

وتشير دراسات حول الإرهاق العاطفي، نشرتها منصة "فيري ويل مايند" المتخصصة في الصحة النفسية، إلى أن التنقل المتواصل يؤدي إلى انخفاض الاستمتاع بالمناسبة ذاتها وارتفاع مستويات التوتر، أي أن المزيد من الزيارات لا يعني بالضرورة عيدا أفضل.

العدالة بين أهل الزوج وأهل الزوجة لا تتحقق دائما بتقسيم الوقت بالتساوي (شترستوك)
ضيق دائرة الالتزامات

في كثير من العائلات، تمتد الزيارات إلى شبكة واسعة من الأقارب والمعارف، مما يضاعف الضغط ويجعل العيد أقرب إلى "جدول واجبات" منه إلى مناسبة للراحة.

الحل ليس قطع صلة الرحم، بل إعادة تنظيمها وفق ما تستطيع الأسرة فعلا تحمّله: تحديد العلاقات الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها، وتأجيل الثانوية أو تخفيفها.

وتوصلت دراسة منشورة في "جورنال أوف فاميلي سيكولوجي" إلى أن الأزواج الذين يحاولون التعامل مع الضغوط الاجتماعية دون وضع حدود واضحة يكونون أكثر عرضة للإرهاق النفسي والتوتر داخل العلاقة.

وحدة القرار تحمي الزوجين

من أكثر ما يضعف الأزواج في مواجهة ضغوط العيد هو غياب وحدة القرار بينهما. وعندما يشعر أحد الطرفين بأنه مضطر للدفاع عن اختياراته أمام أهله، أو يتنازل عن قناعاته تحت وطأة الضغط العائلي، تتحوّل المسألة من تنظيم زيارات إلى أزمة ثقة داخل العلاقة نفسها.

الزواج لا يعني الانفصال عن العائلتين، لكنه يتطلب بناء "وحدة قرار" مستقلة تسمح للأسرة الجديدة باتخاذ خياراتها الخاصة دون شعور دائم بالذنب.

وتؤكد دراسة الباحثتين فاليري ويفن وإيان غوتليب أن طريقة تعامل الزوجين مع الضغوط الخارجية تؤثر مباشرة على استقرار العلاقة وجودة التواصل بينهما.

الزيارات العائلية المكثفة تضع العلاقة الزوجية أحيانا تحت توتر يفوق قدرة الطرفين على التحمل (شترستوك)
العيد للأسرة الصغيرة أيضا

وسط التنقل والزيارات، يغفل كثير من الأزواج عن حقيقة بسيطة وهي أن العيد ليس فقط للعائلة الممتدة.

إعلان

جلسة هادئة في المنزل أو نزهة قصيرة أو بضع ساعات بعيدة عن الالتزامات الاجتماعية، وكل هذا يعزز الشعور بالأمان ويمنع تحوّل العلاقة الزوجية إلى مجرد إدارة لوجستية لجدول زيارات.

كما يتأثر الأطفال أيضا بالإرهاق والتنقل المتواصل، وقد يصل العيد إلى نهايته وهم أكثر تعبا مما كانوا عليه في يوم مدرسة عادي.

المرونة أهم من العدالة المثالية

العيد مناسبة مفتوحة على المفاجآت والظروف الطارئة، والسعي نحو "عدالة حسابية مثالية" بين العائلتين غالبا ما ينتهي بالإحباط.

والعلاقات العائلية لا تُدار بمنطق المحاكم، بل بمنطق التفاهم والقدرة على التنازل المتبادل دون شعور دائم بالخسارة.

وقد لا يتمكن الزوجان من إرضاء جميع الأطراف في العيد، لكن نجاحهما الحقيقي لا يُقاس بعدد الزيارات أو ساعات المجاملة، بل بقدرتهما على عبور هذه الأيام دون أن تتحول إلى مصدر استنزاف لعلاقتهما أو سبب لخلافات تبقى بعد انتهاء العيد.



إقرأ المزيد