نساء غزة يروين ما لا تقوله أرقام الحرب
الجزيرة.نت -

Published On 26/5/2026

لا تحتاج غزة إلى مزيد من الأرقام كي تثبت هول الكارثة، لكنها تحتاج إلى من يصغي إلى ما لا تقوله الأرقام وحدها: كيف تحاول أم إطعام أطفالها في الخيمة؟ كيف تعيش المرأة حملها بلا رعاية صحية، ورضاعتها بلا غذاء كافٍ، وخصوصيتها بلا ماء ولا مواد نظافة؟ وكيف يصبح البحث عن الطحين أو الحليب أو الحطب فعلا يوميا من أفعال النجاة؟

من هذا المنطلق، تأتي مقالة ألفت الكرد في صحيفة غارديان البريطانية بوصفها نداء لاختبار معنى الحرب من خلال أصوات النساء. فالكاتبة – وهي باحثة ميدانية في منظمة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان في غزة – تروي أنها فقدت والدها وشقيقها وزوجته وابنتهما، ودُمّر منزلها في حي الشجاعية، ونزحت 6 مرات قبل أن تغادر غزة إلى مصر في أبريل/نيسان 2024. لكنها لا تقدم حكايتها بوصفها استثناء، بل بوصفها مرآة لواقع أوسع تعيشه نساء غزة تحت الحرب الإسرائيلية.

اقرأ أيضا list of 3 itemsend of list

تقول الكرد إن فهم ما يجري في القطاع لا يكتمل بالنظر إلى النساء كفئة إضافية من الضحايا، بل بوصفهن في قلب معنى الإبادة؛ لأن تدمير حياتهن يعني تدمير القدرة اليومية على استمرار المجتمع: إطعام الأطفال، ورعايتهم، وحمايتهم، وصون ما تبقى من البيت والأسرة والكرامة.

ومن هنا يصبح الاستماع إلى شهاداتهن طريقا لفهم الفظائع كما تُعاش في تفاصيلها، لا كما تُختزل في نشرات الأخبار.

تفاصيل النجاة اليومية

وتسرد الكاتبة شهادات جمعتها من نساء ما زلن في غزة ضمن تقرير عن النساء الفلسطينيات تحت الإبادة. من بينها قصة صفاء الفرماوي، التي قُتلت ابنتها غزل، ذات الـ15 عاما، عند مركز لتوزيع المساعدات في رفح، بينما كانت الأسرة تبحث عن الطعام في زمن المجاعة.

وفي شهادة أخرى، تتحدث أم عن اضطرار النساء إلى استخدام قطع قماش أو أجزاء من الملابس بدل الفوط الصحية، في تفصيل يكشف كيف يتحول انهيار شروط الحياة الأساسية إلى اعتداء يومي على الجسد والكرامة.

إعلان

ولا تقف الكرد عند القتل والنزوح وحدهما؛ فهي تلفت إلى أن انهيار النظام الصحي جعل الحمل والولادة والرضاعة أشد قسوة. فكثير من النساء الحوامل لا يستطعن متابعة حملهن طبيا، وتعاني الأمهات نقص الغذاء والفيتامينات، وتجد بعضهن أنفسهن عاجزات عن الرضاعة بسبب سوء التغذية، في وقت يصبح فيه حليب الأطفال نادرا أو غير متاح. وبهذا لا يطال العنف الحاضر وحده، بل يضرب إمكان المستقبل نفسه.

فهم ما يجري في غزة يمر عبر النساء، لأنهن يحملن عبء إبقاء العائلة على قيد الحياة (أسوشيتد برس)
من الشهادة إلى الأرشيف

هذا التركيز على شهادات النساء ليس حكرًا على نداء ألفت الكرد وحده؛ فقد اتسع، منذ بدء الحرب، مسار توثيقي وحقوقي وإعلامي يرى في أصوات نساء غزة مدخلًا أساسيًا لفهم ما لا تقوله الأرقام وحدها عن الإبادة اليومية.

فقد انخرطت مؤسسات أكاديمية وحقوقية وإعلامية في جمع هذه الشهادات ونشرها بأشكال مختلفة: نصوص مكتوبة، مواد مترجمة، شهادات صوتية، مقابلات، وأرشيفات حقوقية مفتوحة. ومن بين هذه الجهود، مشروع "شهادات نساء من غزة" الذي أطلقه معهد دراسات المرأة في جامعة بيرزيت، وجمع شهادات مكتوبة ومسموعة أرسلتها نساء عبر وسائل التواصل وواتساب وفيسبوك، ثم نشرها بالعربية والإنجليزية.

ولا يتعامل المعهد مع هذه الشهادات بوصفها تسجيلا للألم وحده، بل بوصفها مادة لفهم اللغة والحياة والعمل الذي تنتجه النساء وسط الحرب؛ إذ جاءت الأصوات من طبيبات وصحفيات وطالبات وأمهات وفنانات ومربيات وكاتبات، أي من مواقع مختلفة داخل المجتمع الفلسطيني لا من صورة واحدة للضحية.

بعد انهيار البيوت والخدمات، تتحمل نساء غزة عبء الطبخ والغسل والبحث عن الماء والحطب (رويترز)

وفي المسار الحقوقي، برزت جهود مؤسسات مثل الحق والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في إبراز شهادات النساء وربطها بتجارب النزوح وانعدام الخصوصية ونقص مواد النظافة وانهيار الرعاية الصحية، ولا سيما معاناة النساء الحوامل والأمهات. كما واصل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان نشر شهادات من غزة عن الخسارات المركبة التي تعيشها النساء، وعن انتهاك الحرب لأجسادهن وكرامتهن، وعن أمهات فقدن أبناءهن أو عشن النزوح والجوع والانهيار النفسي.

وامتد هذا التوثيق أيضا إلى المجال الصوتي والدولي، كما في حلقة بودكاست أطلقتها الرابطة النسائية الدولية للسلام والحرية ضمن سلسلة "أصوات من غزة"، قاربت شهادات نساء وفتيات فلسطينيات عبر عدسة القانون الدولي واتفاقية منع الإبادة. وبذلك لم تعد شهادة المرأة الفلسطينية مادة إنسانية عابرة، بل جزءا من أرشيف يتشكل على أكثر من مستوى: أكاديمي، حقوقي، إعلامي، وصوتي.

ما تضيفه مقالة ألفت الكرد إلى هذا المسار أنها تعيد التأكيد على أن شهادة المرأة لا تُستدعى لإثارة التعاطف فقط، بل لتغيير زاوية الفهم. فالحديث عن النساء في غزة لا يضيّق عدسة الحرب، بل يوسّعها: من القصف إلى الخيمة، ومن الركام إلى المطبخ، ومن عدد الشهداء إلى سؤال الحياة التي تُنتزع ممن بقوا أحياء.



إقرأ المزيد