الجزيرة.نت - 5/26/2026 7:51:52 PM - GMT (+3 )
Published On 26/5/2026
في واحدة من أكثر التجارب الصحفية فرادة في الهند، تحولت صحيفة محلية صغيرة تصدر من قلب الريف إلى نموذج عالمي لصحافة النساء المهمشات، بعدما نجحت في كسر احتكار المدن والنخب للمجال الإعلامي، وفرضت حضورا مختلفا يقوم على نقل أصوات القرى والطبقات الفقيرة بلغتها اليومية ومن داخل واقعها الاجتماعي.
هذا ما تكشفه الصحفية مارينا رضوي في مقال نشرته مجلة جامعة كولومبيا للصحافة (Columbia Journalism Review)، استعرضت فيه كتاب "المراسلة الجيدة: مذكرات عن الصحافة في القرن الحادي والعشرين"، الذي يوثق تجربة منصة "خبر لاهاريا"، أول مؤسسة إخبارية رقمية محلية في الهند تدار بالكامل بواسطة نساء.
ويحكي الكتاب، الصادر عن دار "سايمون وشوستر" الهندية عام 2022، قصة منصة انطلقت من واحدة من أكثر المناطق فقرا وتهميشا في الهند، لتصبح لاحقا واحدة من أبرز التجارب الإعلامية النسوية والريفية في العالم الرقمي.
تأسست "خبر لاهاريا" عام 2002 في منطقة "بونديلخاند"، الواقعة شمال وسط الهند، وهي منطقة تعاني منذ عقود من الجفاف والفقر وضعف التنمية. لكن ما جعل التجربة مختلفة لم يكن فقط موقعها الجغرافي، بل طبيعة النساء اللواتي قدن المشروع؛ إذ تنتمي معظم الصحفيات إلى طبقات ومجتمعات مهمشة، وبعضهن دخلن عالم الصحافة دون أي تعليم جامعي أو تدريب مهني مسبق.
ورغم هذه الظروف، نجحت المنصة في بناء جمهور واسع يصل اليوم إلى نحو 5 ملايين شخص شهريا عبر المنصات الرقمية المختلفة، من خلال شبكة مراسلات تغطي 16 منطقة ريفية في ولايتي أوتار براديش وماديا براديش، وهي مناطق نادرا ما تحظى باهتمام وسائل الإعلام الهندية التقليدية.
ولفتت تجربة "خبر لاهاريا" أنظار العالم بعد عرض الفيلم الوثائقي "الكتابة بالنار"، المرشح لجائزة الأوسكار، والذي وثق عمل الصحفيات الريفيات وصراعاتهن اليومية داخل بيئة محافظة ومعقدة.
إعلان
لكن الصحفيات أنفسهن شعرن أن الفيلم لم يروِ القصة كاملة، ما دفعهن إلى إصدار كتاب جماعي يستعيد التجربة من وجهة نظرهن الشخصية والمهنية.
ويعتمد الكتاب على منهجية "السيرة الجماعية"، وهي مقاربة بحثية نسوية تقوم على تجميع الذكريات الفردية لصياغة رواية جماعية متعددة الطبقات، تمزج بين التجربة الشخصية والعمل الصحفي، وتعيد طرح أسئلة تتعلق بمن يملك حق رواية القصص، وكيف تُصاغ الروايات العامة داخل المجتمعات المهمشة.
وتعود جذور المشروع إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما أطلقت ورش محو أمية للنساء في ولاية أوتار براديش صحيفة جدارية بسيطة باللغة المحلية "بوندِلي"، ضمن برنامج حكومي يهدف إلى تمكين النساء تعليميا واجتماعيا.
وسرعان ما تحولت هذه النشرة المحدودة إلى ظاهرة محلية، لأنها كانت أول وسيلة إعلامية تتحدث فعليا بلغة سكان القرى، وتركز على تفاصيل حياتهم اليومية، بدلا من قضايا المدن والنخب السياسية.
لكن اللحظة الفارقة، بحسب الكاتبات، جاءت عندما قررت النساء اللواتي ينتجن الصحيفة بيعها مقابل المال. ففي مجتمع محافظة اعتاد رؤية النساء الريفيات والأميات داخل حدود المنازل فقط، بدا مشهد نساء يجُبن القرى لبيع صحيفة محلية أمرا صادما وغير مألوف، غير أن الناس اشتروا الصحيفة فعلا، وبدأ المشروع يتحول تدريجيا إلى مؤسسة إعلامية مستقلة.
وترى الكاتبات أن جوهر "خبر لاهاريا" لم يكن مجرد إنشاء وسيلة إعلامية جديدة، بل منح المجال العام لأصوات لطالما استُبعدت من التمثيل الإعلامي بسبب الفقر أو الطبقة الاجتماعية أو الحرمان من التعليم.
وتكشف التجربة أيضا حجم الفجوة التي كانت تفصل الصحافة الهندية التقليدية عن المجتمعات الريفية، فالصحف السائدة – بحسب الكتاب – كانت تكتب بلغة لا يستخدمها سكان القرى فعليا، وتركز على أخبار المدن الكبرى، بينما تسيطر عليها نخب سياسية واقتصادية وصحفيون ينتمون غالبا إلى الطبقات العليا.
في المقابل، قدمت "خبر لاهاريا" نموذجا مختلفا بالكامل؛ صحافة تكتبها نساء يعرفن القرى من الداخل، ويفهمن تفاصيل الفقر والعنف والعمل اليومي والتمييز الاجتماعي، لأنهن يعشن هذه الظروف بأنفسهن. ولهذا لم تكن القصص التي تنشرها مجرد أخبار عابرة، بل انعكاسا مباشرا لحياة المجتمعات الريفية.
ولم تقتصر قوة المشروع على اللغة فقط، بل على زاوية النظر أيضا، فقد تناولت الصحيفة قضايا كانت تمر عادة دون تغطية أو تُختزل في روايات رسمية مبسطة، مثل وفاة نساء في ظروف مشبوهة داخل المنازل، أو التمييز في توزيع المساعدات الحكومية، أو فساد المسؤولين المحليين، أو معاناة الأرامل في الحصول على مستحقاتهن المالية.
كما نجحت الصحيفة في تجاوز مشكلة الأمية داخل القرى بطرق اجتماعية بسيطة؛ إذ كانت النسخ تُقرأ بصوت مرتفع في الساحات العامة أو من قبل الأطفال لأمهاتهم أثناء العمل والطهي، ما حول الصحيفة إلى جزء من الحياة اليومية داخل المجتمعات الريفية.
إعلان
إقرأ المزيد


