"سجل إجرامي" .. مسلسل بريطاني يرصد موجات الكراهية ضد اللاجئين
الجزيرة.نت -

Published On 26/5/2026

|

آخر تحديث: 17:21 (توقيت مكة)

يعود مسلسل "سجل إجرامي" (Criminal Record) بموسمه الثاني بعد النجاح الكبير الذي حققه الموسم الأول عند عرضه مطلع عام 2024 على منصة "آبل تي في بلس" (Apple TV+) حيث لفت الأنظار سريعا كواحد من أبرز أعمال الجريمة والتشويق البريطانية في السنوات الأخيرة، بفضل أجوائه الثقيلة، واعتماده على التوتر البطيء، والأداء اللافت لبطليه بيتر كابالدي وكوش جامبو.

الموسم الأول، الذي جاء في ثماني حلقات، حقق حضورا نقديا وجماهيريا واضحا، خصوصا مع الإشادة النقدية بأداء كابالدي، وبالطريقة التي مزج بها المسلسل بين الدراما البوليسية التقليدية والقلق السياسي والاجتماعي المعاصر، وهو ما دفع المنصة لتجديد المسلسل سريعا لموسم ثان، بدأ عرضه في أبريل/نيسان 2026 ليستكمل عالمه القائم على الشك والفساد المؤسسي والعلاقة المعقدة بين السلطة والعدالة.

كراهية اللاجئين على الشاشة البريطانية

أتى "سجل إجرامي" في موسمه الأول أقرب إلى دراما بوليسية بريطانية تقليدية: جريمة قديمة، واتصال هاتفي يعيد فتح القضية، وضابطان يقفان على طرفي صراع أخلاقي داخل جهاز الشرطة. كانت القضية الأساسية تدور حول كشف التلاعب بالأدلة والعنصرية المؤسسية داخل الشرطة البريطانية، عبر العلاقة المتوترة بين المحققة جون لينكر (كوش جامبو) والضابط المخضرم دانيال هيغارتي (بيتر كابالدي)، لكن الموسم الثاني يغير هوية المسلسل إلى حد كبير، دون أن يفقد مزاياه الرئيسية.

تبدأ الأحداث في الموسم الثاني بجريمة قتل خلال احتجاج سياسي في لندن، قبل أن يقود التحقيق إلى شبكة مرتبطة بجماعات يمينية متطرفة ومخطط إرهابي داخل العاصمة البريطانية، وهنا يتحول العمل من التحقيق الجنائي والبحث عن الجاني إلى الإثارة السياسية، فالخطر جماعي ومؤسسي أكثر من كونه فرديا، وبدلا من مطاردة المجرم، يجد الأبطال أنفسهم داخل مناخ من الكراهية والتطرف والبارانويا.

إعلان

هذا التحول متسق للغاية مع المناخ الأوروبي الحالي، خصوصا في بريطانيا، التي شهدت خلال العامين الماضيين تصاعدا ملحوظا في خطاب اليمين المتطرف، والاعتداءات المتكررة ذات الدوافع العنصرية، إلى جانب مظاهرات مناهضة للهجرة واللاجئين، واشتباكات متكررة بين جماعات قومية ومتظاهرين مناهضين للعنصرية.

ما يفعله "سجل إجرامي" بذكاء أنه لا يقدم اليمين المتطرف كشرير كرتوني، بل كعرض لأزمة اجتماعية واسعة النطاق، حيث نشهد مجتمعا يعيش قلقا اقتصاديا واجتماعيا، ودولة تتعامل مع الخوف بالمزيد من المراقبة والأمن ومدينة على حافة الانفجار طوال الوقت، ولندن في المسلسل مساحة خانقة ومتوترة وملتهبة، مدينة مليئة بالكاميرات والاحتجاجات.

يربط المسلسل بين الأمن والهوية القومية بصورة واضحة، وهي زاوية أصبحت حاضرة بقوة في الدراما البريطانية الحديثة، والأوروبية بوجه عام، فلم يعد الإرهاب خطرا يأتي من الخارج فقط، بل نتاجا داخليا لصعود القومية والتطرف والعنف المجتمعي.

المسلسل جزء من أعمال بريطانية تعيد التفكير في "العدو الداخلي" وصعود اليمين المتطرف، مثل مسلسل "الدخيل" (The Walk-In) الذي تناول اختراق جماعات يمينية متطرفة داخل بريطانيا، وكيف تتحول الكراهية إلى تنظيم سياسي عنيف يستهدف شخصيات عامة.

في هذا السياق، يذهب "سجل إجرامي" خطوة أبعد، فهو لا يقدم اليمين المتطرف كمجرد خطر قائم بذاته، بل يدمجه داخل بنية الدولة والمدينة وكنتيجة مباشرة لبيئة أمنية وسياسية مشحونة، والجريمة فيه ليست سوى عرض اجتماعي أوسع، يعكس القلق الأوروبي من تفكك الهوية وصعود خطاب الكراهية.

مدينة لا تصلها الشمس أبدا

يقع "سجل إجرامي" ضمن عدة مسلسلات بريطانية تظهر فقدان الثقة في صورة الشرطي "البطل"، وهي الموجة التي تتصاعد منذ أعوام في مسلسلات مثل "خط الواجب" (Line of Duty) و"برودتشرش" (Broadchurch)، وفيها لم تعد الشرطة تمثل العدالة على نحو مثالي وواضح، بل أصبحت جزءا من الأزمة.

وإن كانت الدراما البوليسية في المعتاد تعتمد على فكرة استعادة النظام وكشف المجرم، فإن هذه الأعمال تبدو مشغولة في الوقت نفسه بتشريح المؤسسة نفسها وفسادها وعنصريتها وقدرتها على حماية المدنيين وحتى رجالها، في ظل هشاشتها الأخلاقية.

في "سجل إجرامي" يصل هذا الشك إلى ذروته عبر العلاقة بين جون لينكر ودانيال هيغارتي، فالصراع بينهما ليس مجرد مواجهة بين محققين، بل بين تصورين كاملين للعدالة. هيغارتي ينتمي إلى جيل شرطي قديم يرى أن "النتيجة أهم من القانون"، وأن التلاعب بالإجراءات يمكن تبريره إذا كان سيحافظ على الأمن أو يضمن إغلاق القضية، أما جون فتمثل جيلا أحدث لا يزال يحاول التمسك بفكرة العدالة.

لكن يكمن ذكاء المسلسل في أنه لا يحول هذا الصراع إلى مواجهة أخلاقية بسيطة بين الخير والشر، فجون نفسها تدرك تدريجيا أن المؤسسة التي تعمل فيها تعد الالتزام الكامل بالقانون سذاجة، بينما يبدو هيغارتي، رغم فساده الواضح، أكثر قدرة على فهم آليات السلطة، وطرق الاستمرار والنجاح داخلها.

لذلك تصبح العلاقة بينهما قائمة على خليط من الكراهية والاحتياج المتبادل في الوقت نفسه، إذ لا يستطيع أي منهما إلغاء الآخر بالكامل، خصوصا في الموسم الثاني، الذي تلجأ فيه جون إلى هيغارتي لحل لغز القاتل الذي نفذ عملية القتل خلال الاحتجاج، بينما يستغلها هيغارتي في الوقت ذاته كغطاء حماية لعملياته التي لا يكشف تفاصيلها بوضوح أبدا، نتيجة لشخصيته المتلاعبة.

إعلان

ربما لهذا السبب يعتمد المسلسل على الحوار أكثر من اعتماده على المطاردات أو الحركة، لأن توتره نفسي وأيديولوجي بالأساس، وليس عملا بوليسيا حركيا تقليديا.

ينعكس هذا التوتر على صورة لندن نفسها، التي تبدو في الموسم الثاني مدينة عجوزا مريضة أكثر من كونها خلفية للأحداث، وقد تم تصويرها بإضاءة باردة وظلال ثقيلة، مع الاعتماد على التصوير الليلي أغلب الوقت، ما يخلق إحساسا دائما بالاختناق، كأن المدينة لا تصل إليها أشعة الشمس. وتظهر لندن كمساحة مهددة تملؤها الاحتجاجات والاشتباكات والاشتباه المتبادل.

ورغم أن الموسم الثاني ينجح بصريا ونفسيا في بناء هذا المناخ القلق، فإنه يعاني أحيانا على مستوى الكتابة نفسها، فبعض الحوارات تبدو مباشرة أكثر من اللازم، وبعض الخطوط الدرامية تتجه نحو التفسير السياسي الواضح، لكن ينجو العمل في الكثير من اللحظات بفضل الأداء الاستثنائي لبيتر كابالدي، الذي يحول هيغارتي إلى شخصية مخيفة حتى في أكثر المشاهد هدوءا، عبر نظراته وطريقته الباردة في الكلام، ليصبح رمزا يعبر عن بقايا الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس في آخر أيامها.

التقييم العام:

  • الإخراج: 4
  • التمثيل: 4.5
  • المؤثرات البصرية: 4
  • صديق العائلة: 4.5


إقرأ المزيد