الأزمة الاقتصادية تتصدر اهتمامات الشارع التونسي وسط توتر سياسي متصاعد
الجزيرة.نت -

Published On 26/5/2026

|

آخر تحديث: 15:18 (توقيت مكة)

تونس- في أحد الأسواق المؤقتة لبيع الأضاحي في تونس، يقف وليد منذ نحو ساعة ونصف بين الحظائر، يتنقل من بائع إلى آخر بحثًا عن أضحية تناسب ميزانيته. يقول، للجزيرة نت، "معي 1300 دينار (نحو 442 دولاراً)، لكني لم أتمكن من العثور على أضحية… الأمر أصبح خياليًّا". ويضيف أن الأسعار ارتفعت بما لا يقل عن 400 دينار (نحو 136 دولاراً) مقارنة بالسنة الماضية (الدينار التونسي يساوي تقريبا 0.34 دولار)، وهو ما جعل اقتناء الأضحية رفاها لا تقدر عليه شريحة واسعة من التونسيين.

غير بعيد عنه، يبدو المشهد معكوسًا لدى خالد، وهو فلاح صغير قدم من محافظة القصرين. يقف قرب قطيعه بعلامات حيرة لا تخفي قلقه. يقول "لم أتمكن من البيع في الأيام الماضية… السوق لم يتحرك إلا قبل يومين من العيد”. ويرى أن ضعف القدرة الشرائية حرم الناس من الإقبال، مضيفًا "الناس لا يملكون بما يشترون… وفي المقابل لا أستطيع البيع بأقل من السعر، فهناك تكاليف العلف والرعاية والأدوية".

الغلاء ينغص عيد التونسيين (الجزيرة)

تعكس شهادتا وليد وخالد ضغطا مزدوجا يصفه المراقبون بأنه من أبرز تجليات تراجع القدرة الشرائية: مستهلك عاجز عن الشراء في مواجهة منتج عاجز عن التخفيض.

ويبدو الشارع التونسي متفقًا هذه المرة على توصيف اللحظة التي تعيشها البلاد، بتدهور الأوضاع المعيشية وتراجع القدرة الشرائية.

توصيف لم يعد محل جدل بين المعارضين والموالين للسلطة في تونس، وإن اختلفت قراءاتهما لأسباب الأزمة ومن يتحمل مسؤوليتها. هذا الإجماع الشعبي يأتي في سياق اقتصادي ضاغط، يتداخل مع مؤشرات توتر سياسي ومؤسساتي، مما يضفي على المشهد العام مزيدًا من التعقيد.

بيان لوزارة الدفاع يربك المشهد

في خضم هذا المناخ المشحون، أثار بيان "نادر" صادر عن وزارة الدفاع التونسية حالة من التفاعل الواسع. فقد أكدت الوزارة تمسك الجيش "بالحياد والاستقلالية"، محذرة مما وصفته بمحاولات "متواترة للزج بالمؤسسة العسكرية في التجاذبات."

إعلان

وأشارت إلى أن الجيش "جيش جمهوري قائم على الانضباط"، يلتزم بالدفاع عن الوطن واحترام القوانين، مشددة على أن أفراده يواصلون أداء مهامهم "في كنف الروح الوطنية ونكران الذات".

توقيت البيان ومضمونه فتحا الباب أمام قراءات متعددة، خاصة في ظل التوتر الاجتماعي والسياسي الراهن. فقد اعتبر الأميرال المتقاعد كمال العكروت أن البلاغ يحمل "قراءة للنصف غير المرئي من النص"، مؤكدا أن صدور مثل هذه البيانات ليس من تقاليد المؤسسة العسكرية في تونس.

وأوضح أن البيان جاء بلغة "رصينة وهادئة لكنها حازمة"، دون تسمية أطراف بعينها، مكتفيًا بالتأكيد على ثوابت المؤسسة العسكرية، وهو ما اعتُبر رسالة ضمنية في سياق سياسي معقد.

رسائل تزيد الغموض

ولم تمضِ ساعات على صدور البيان حتى تداول عدد من مستخدمي شبكة اتصالات تونس على منصات التواصل الاجتماعي صور رسائل نصية ذات مضامين سياسية، تدعو إلى رفض الوضع القائم وتتهم السلطة بالتضييق على الحريات.

وأصدرت شركة اتصالات تونس بيانا أقرّت فيه بتعرضها لعملية قرصنة، مؤكدة أن الرسائل المتداولة صدرت عبر منظومتها دون إذنها. وفي السياق ذاته، أعلنت مجموعة على منصة فيسبوك تبنّيها مسؤولية الاختراق.

وقد زادت هذه التطورات من حدة المشهد وتعقيده، في ظل تزامنها مع احتقان اجتماعي وسياسي متراكم، فيما لم تُفصح الجهات الأمنية حتى وقت نشر هذا التقرير عن أي معطيات تتعلق بالتحقيق في الحادثة.

في السياق ذاته، يقول الصحفي والمحلل السياسي حسان العيادي للجزيرة نت إن "المزاج العام في تونس يتسم بتوتر شديد" نتيجة ما يسميه حالة "الجمود والخمول" في المشهد السياسي، في ظل هيمنة السلطة وتراجع دور المعارضة.

ويضيف أن مؤسسات الدولة، من البرلمان إلى مجلس الجهات والأقاليم، مرورًا بالنقابات والمنظمات، تعاني من "حالة عطالة"، ما أدى إلى تراكم الاحتقان الاجتماعي، بسبب غياب الفاعلين عن معالجة مشاكل المواطن اليومية.

تغيب مشاهد الحركية الاقتصادية في شوارع العاصمة تونس (الجزيرة)
العدالة تحت الضغط

بالتوازي مع هذه التطورات، يظل قطاع العدالة أحد أبرز مراكز التوتر وأعمقها. فقد واصل المحامون تحركاتهم الاحتجاجية، في وقت أصدرت فيه جمعية القضاة التونسيين بيانًا مطولًا اتهمت فيه السلطات بتوسيع نفوذها على المؤسسة القضائية.

واعتبرت الجمعية أن اللجوء إلى المذكرات الإدارية والمناشير يضعف الضمانات المؤسساتية لاستقلال القضاء، محذرة من تداعيات ذلك على حقوق المتقاضين وضمانات المحاكمة العادلة. كما جددت دعوتها إلى إعادة المجلس الأعلى للقضاء باعتباره "الضامن الدستوري لاستقلال السلطة القضائية".

ويكشف تقاطع مواقف القضاة والمحامين عن إجماع داخل "جناحي العدالة" على تشخيص الأزمة، خاصة فيما يتعلق بالتنبيه إلى تراجع استقلالية القضاء، والتحذير من اختلال التوازن بين السلطتين التنفيذية والقضائية، والتخوف من تأثير ذلك على ثقة المواطنين في العدالة.

دعوات لاحتواء التوتر

في المقابل، برزت في الآونة الأخيرة تصريحات من شخصيات محسوبة على مسار الرئيس قيس سعيّد، تدعو إلى ضرورة احتواء التوتر ومعالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية.

إعلان

وفي هذا الإطار، اعتبر الناشط السياسي حسام بن أحمد في تصريح للجزيرة نت أن تونس مرت سابقًا بأزمات أشد، داعيًا "من يمسكون بالدولة" إلى قراءة رسائل الشارع وتحويل حالة الاحتقان إلى فرصة للإصلاح، حتى وإن كانت كلفته مرتفعة.

بين الإجماع الشعبي وتباين الحلول

وتكشف المؤشرات الحالية عن مفارقة لافتة: إجماع واسع في الشارع على طبيعة الأزمة، مقابل غياب توافق سياسي حول سبل الخروج منها.

وبين ضغوط المعيشة اليومية وتصاعد التوتر داخل مؤسسات الدولة، تبدو تونس أمام مرحلة دقيقة تتطلب، وفق كثيرين، مقاربة شاملة تعيد التوازن بين الاستقرار السياسي والاستجابة للمطالب الاجتماعية.

في ظل هذا المشهد، يرى مراقبون أن الإجماع الشعبي النادر على تشخيص الأزمة قد يشكّل أرضية لإعادة بناء توافق وطني، غير أن ذلك يظل مشروطًا بوجود إرادة سياسية تترجم هذا الإجماع إلى مسارات إصلاحية فعلية، وهو ما لا تزال المؤشرات الراهنة تفتقر إليه



إقرأ المزيد