بعد 341 عاما.. فرنسا تواجه إرث "المرسوم الأسود" وتاريخها الاستعماري
الجزيرة.نت -

Published On 26/5/2026

قال المؤرخ الأمريكي أندرو إس كوران إن فرنسا بدأت أخيرا مواجهة واحد من أكثر فصول تاريخها الاستعماري قتامة، مع اقتراب الجمعية الوطنية (البرلمان) من التصويت على مشروع قانون يلغي رسميا "المرسوم الأسود"، وهو تشريع أسس قانونيا لنظام العبودية في المستعمرات الفرنسية منذ القرن السابع عشر.

وفي مقال بصحيفة نيويورك تايمز، أوضح كوران، وهو مؤلف كتاب "سيرة فكرة خطيرة: تاريخ جديد للعرق من لويس الـ14 إلى توماس جيفرسون"، أن القانون وُضع عام 1685 بأمر من الملك لويس الـ14، وكان يهدف إلى تنظيم العبودية في المستعمرات الفرنسية، خصوصا في جزر الكاريبي.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وأشار الكاتب إلى أن كثيرين في فرنسا لم يكونوا يدركون أن هذا القانون ما زال موجودا رسميا ضمن المنظومة القانونية الفرنسية، رغم إلغاء العبودية نهائيا عام 1848.

وجاءت إعادة فتح الملف بعدما سأل نائب في البرلمان رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو عام 2025 عن سبب عدم إلغاء القانون رسميا حتى اليوم، ما دفع الحكومة إلى دعم مشروع قانون جديد تقدم به النائب ماكس ماتياسين من جزيرة غوادلوب لإلغاء النص بعد أكثر من 341 عاما على إقراره.

تداخل الدين والاستعمار والاقتصاد

ويرى كوران أن أهمية "المرسوم الأسود" لا تكمن فقط في كونه حوّل الأفارقة المستعبدين إلى "ممتلكات قابلة للتوارث"، بل لأنه كشف أيضا عن التداخل بين الدين والاستعمار والاقتصاد في المشروع الفرنسي آنذاك.

فالقانون يستند إلى رؤية كاثوليكية محافظة تعتبر أن الأفارقة يفقدون حريتهم مقابل "الخلاص المسيحي"، إذ كان لويس الـ14 يرى أن تعميد العبيد وتحويلهم إلى المسيحية جزء أساسي من النظام الاستعماري.

ولفت الكاتب إلى أن بعض المؤسسات الدينية المسيحية أدارت مزارع عبيد لتمويل نشاطها التبشيري، بينما مارس رجال دين عنفا شديدا ضد أي مظهر من مظاهر المعتقدات الأفريقية التقليدية.

إعلان

وأكد أن فرنسا لطالما فضلت تقديم نفسها بوصفها دولة "الحرية والمساواة والأخوة"، مع التركيز على أنها ألغت العبودية مبكرا خلال الثورة الفرنسية عام 1794، لكنها تجاهلت حقائق أخرى مثل إعادة نابليون بونابرت نظام العبودية عام 1802، والثمن البشري الهائل للثورة الهايتية التي قُتل فيها نحو 200 ألف من السود خلال نضالهم ضد الاستعمار الفرنسي.

الإرث العنصري والاستعماري

وأشار المقال إلى أن فرنسا، منذ الحرب العالمية الثانية، تبنت سياسة ترفض الاعتراف الرسمي بالتصنيفات العرقية، خصوصا بعد استخدام بطاقات الهوية العرقية في ترحيل عشرات الآلاف من اليهود خلال الاحتلال النازي.

لكن كوران يرى أن هذا النهج، رغم طابعه الإنساني، تحول أحيانا إلى وسيلة لتجنب مواجهة الإرث العنصري والاستعماري، عبر فكرة مفادها: "إذا لم نعترف بالعرق فلا توجد مشكلة عرقية".

وختم الكاتب بالتأكيد على أن إلغاء "المرسوم الأسود" سيكون خطوة رمزية مهمة، لكنه لن يكون نهاية النقاش حول آثار العبودية والاستعمار، التي ما تزال حاضرة في السياسة والثقافة والمجتمع، سواء في ضواحي باريس وليون أو في الأقاليم الفرنسية ما وراء البحار مثل غوادلوب ومارتينيك.



إقرأ المزيد