ما تبنيه "الهاسبارا" في سنوات يهدمه بن غفير في لحظات
الجزيرة.نت -

بينما تنفق إسرائيل مئات ملايين الدولارات لنشر ما يُعرَف بـ”الهاسبارا” أو مشروع البروباغاندا التي تحاول من خلالها ترميم صورتها المهشمة، يخرج وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ليهدم كل شيء في لحظات.

وحسب حلقة 2026/5/25 من برنامج "المرصد"، فإن بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، يجهزان على كل ما يحاول بنيامين نتنياهو فعله لترميم ما لا يمكن ترميمه، أمام الرأي العام العالمي.

فبسبب حروبها المستمرة وانتهاكات مستوطنيها التي لا تتوقف، وتطرف بعض وزرائها، خسرت إسرائيل صورتها العالمية التي قضت عقودا طويلة في ترسيخها عالميا.

اقرأ أيضا list of 3 itemsend of list

فقد أحدثت الصورة التي نشرها بن غفير لكي يتفاخر باعتقال نشطاء أسطول الصمود العالمي والتنكيل بهم، صدمة عالمية واستدعت انتقادات من دول غربية لطالما غضت الطرف عن جرائم تل أبيب، ما حدا بالإعلام الإسرائيلي لوصف ما جرى بـ"الفضيحة المدوية".

وفي محاولة لترميم الصورة، خرج نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية– في برنامج "60 دقيقة" على شبكة "سي بي إس" الأمريكية، واصفا مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الجبهة الثامنة" للحرب.

وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ينكل بناشطي أسطول الصمود (حساب بن غفير عبر منصة إكس)
جبهة ثامنة

وحسب تقرير أعده أنيس الحبال لحلقة المرصد، فقد اتهم نتنياهو منصات التواصل بـ"السعي لإيهام الناس بأن إسرائيل تقتل المدنيين وما إلى ذلك".

وخلال الحلقة، قال نتنياهو للمذيع: "إن بإمكانه تصويره كوحش، ومع تكرار هذا الأمر سيصدق قطاع كبير من الناس هذه الرواية"، وعزا تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل إلى هذه الطريقة.

لكن مراسل "أوبن كول" (Open Call)، أورن زيف، وصف حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بالأكاذيب. وقال إنها "تمثل سردية متكررة من المسؤولين الإسرائيليين".

وللتقليل من تداعيات ما يمكن وصفها بالصحوة الغربية تجاه ما يحدث في المنطقة، تضخ إسرائيل مزيدا من الأموال في الهاسبارا، التي تدل على جهود البروباغاندا الحكومية التي تمارس عبر شخصيات عامة ومؤثرين ولجان إلكترونية يجري التحكم بها.

وكانت الميزانية السنوية للهاسبارا تقدر بنحو 150 مليون دولار حتى العام الماضي لكنها زادت هذا العام إلى 750 مليونا، ومع ذلك لم تؤت أكلها، حسب تقرير المرصد.

بينامين نتنياهو (وسط) اتهم وسائل التواصل بنشر صورة كاذبة عما تقوم به إسرائيل (متحدث جيش الاحتلال)
فشل الهاسبارا

فاستطلاعات الرأي الحديثة تكشف عن أن أكثر من 60% لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل، فيما حذرت دراسة جديدة لمعهد أمني إسرائيلي من عزلة دبلوماسية ومقاطعة متزايدة لتل أبيب.

فكثير من الأموال التي تضخها حكومة نتنياهو في الهاسبارا تذهب هباء بسبب ممارسات جنود الاحتلال ومقاطع الفيديو التي ينشرونها في غزة أو لبنان، والتي تظهر انتهاكاتهم الإنسانية وعنصريتهم.

ظهرت المشكلة خلال السنوات الثلاث الماضية عندما بدأت الحكومة الإسرائيلية وذراعها العسكرية في استخدام منصات التواصل لتغيير الرأي العام، لكن ما نشروه تضمن أدلة على ارتكاب إسرائيل جرائم حرب، حسب أستاذة الأنثروبولوجيا الرقمية في جامعة ويستمنستر، مريام أوراغ.

وقبل أسبوعين، نشرت نيويورك تايمز مقالا لنيكولاس كريستوف، وثق خلاله 14 حالة اعتداء جنسي ضد فلسطينيين في الضفة الغربية على يد مستوطنين إسرائيليين، وتحدث صراحة عن عمليات اغتصاب أسرى فلسطينيين في سجون الاحتلال واستخدام الكلاب البوليسية والاعتداء على الأطفال.

وعلى الفور، هاجمت الخارجية الإسرائيلية الصحيفة ووصفت المقال بأنه "من أسوأ حالات معاداة السامية في الصحافة الحديثة"، كما أعلنت الحكومة نيتها مقاضاة الصحيفة.

جنود الاحتلال المعتدين جنسيا على أسير فلسطيني بسجن "سيدي تيمان" يرتدون الأقنعة خشية ملاحقتهم دوليا (شبكة قدس)
أدلة يقدمها الإسرائيليون

بيد أن جنديا إسرائيليا أعطى مصداقية لما نشرته نيويورك تايمز عندما حل ضيفا على أحد برامج القناة 14 الشهيرة، رفقة كلبه البوليسي الذي قال إنه "عمل مع قوات النخبة في سجن سديه تيمان (سيئ السمعة)".

ولم يقف الأمر عند هذا الاعتراف، حيث نشرت القناة 12 دليلا آخر على الجرائم التي ترتكب داخل سديه تيمان، والتي تحدثت عنها الصحيفة الأمريكية، عندما نشرت مقطعا حصريا يظهر أسيرا فلسطينيا ممن تعرضوا للاعتداء الجنسي محاطا بسجانيه الذين تمت تبرئتهم جميعا، وأصبح أحدهم نجما تلفزيونيا في إسرائيل.

ثم جاءت الضربة الأقوى للهاسبارا من وزير الأمن القومي المتطرف بن غفير، الذي ظهر وهو يتباهى باعتقال نشطاء أسطول الصمود والتنكيل بهم، وهي الصورة التي استرعت انتقادات دولية واسعة.

وعلى إثر هذه المشاهد، سرت حالة من الاستنكار الداخلي وخرجت دعوات لإنشاء سلطة لكبح مشروع الهاسبارا، ووصفت يديعوت أحرونوت ما جرى بأنه "فضيحة مدوية".

جنديا إسرائيليا يدخن سيجارة ويضع أخرى في فم تمثال للسيدة العذراء بجنوب لبنان (حساب يديعوت أحرونوت)

أما وزير الخارجية جدعون ساعر فاتهم بن غفير بإيذاء الدولة، وقال إنه "لا يمثل وجه إسرائيل"، في حين أكدت قناة "24 نيوز" أن إسرائيل تخسر صورتها دوليا".

ففي معركة الوعي، لم تعد مئات ملايين الدولارات ولا ازدواجية المعايير والتبريرات الدبلوماسية قادرة على ترميم الصورة المهشمة التي يوثقها جنود وصحفيون إسرائيليون بأياديهم، واضعين مشروع الهاسبارا أمام تحديات ربما لن تفلح أعتى مؤسسات الدعاية العالمية في تجاوزها.

فمثل هذه المشاهد، حولت العلاقة مع إسرائيل إلى عبء ثقيل على الأوروبيين، وجعلت الإسرائيليين ضيوفا غير مرحب بهم في الفعاليات الرياضية والأكاديمية.

وليس أدل على ذلك من النسخة الأخيرة من مسابقة "يوروفيجن" (Eurovision) الموسيقية، التي مرت باهتة على غير العادة، بعدما تسبب حضور إسرائيل في مقاطعة عدة دول أوروبية للحدث البارز، وامتناع مؤسسات إعلامية كبرى عن تغطيته.

صور لجندي إسرائيلي داخل أحد منازل قطاع غزة (حساب الجندي الإسرائيلي على انستغرام)

وبدا المشهد في "يوروفيجن" انعكاسا للشارع الأوروبي الذي تحرك كما لم يتحرك من قبل للمطالبة بوقف آلة الحرب الإسرائيلية عن تدمير قطاع غزة.

فلطالما تغاضت أوروبا عن الجرائم التي اقترفتها إسرائيل بحق الفلسطينيين، لكن الحراك الشعبي الغربي، لفت نظر دوائر السياسة إلى الثمن الأخلاقي والسياسي الذي تدفعه ثمنا لعلاقتها مع تل أبيب.

كما دفعت هذه التحركات الشعبية وسائل الإعلام الأوروبية إلى فتح النقاش حول مستقبل الشراكة الاقتصادية والأمنية والعسكرية مع حكومة يمينية متطرفة، تتسع عزلتها الدولية يوما بعد يوم.



إقرأ المزيد