الجزيرة.نت - 5/25/2026 3:13:14 AM - GMT (+3 )
Published On 25/5/2026
لم تعد الحروب في عصر التكنولوجيا تقتصر على النفوذ السياسي أو القدرات العسكرية المتطورة، بل امتدت لتشمل توظيف الذكاء الاصطناعي لخوض معارك في الفضاء الرقمي أيضا، معتمدة بذلك على الصور والمحتوى البصري لفرض هيمنتها وإضفاء شرعية على روايتها عبر الإنترنت.
هذه الظاهرة -التي باتت تُعرف أكاديميا باسم "السلوباغندا" (Slopaganda)- تطورت مؤخرا مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط الماضي، حيث أصبح حساب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على منصته "تروث سوشيال" مساحة لنشر صور مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، تحاكي مشاهد انتصار وهمية أو عمليات قصف افتراضية لمواقع داخل إيران.
وخلال الأشهر الأخيرة، نشر ترمب سلسلة من الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي والمرتبطة بإيران والحرب الدائرة معها، تراوحت بين صور لضربات عسكرية أمريكية، وخرائط لإيران مغطاة بالعلم الأمريكي، وصولا إلى صور رمزية تتعلق بمضيق هرمز الذي غير ترمب تسميته ساخرا إلى "مضيق ترمب".
قد تبدو هذه الصور ظاهريا مجرد امتداد لأسلوب ترمب المعهود في السخرية والتهكم، إلا أنها في جوهرها تعكس إستراتيجية دعائية ممنهجة، تُحوّل المحتوى البصري الرقمي إلى سلاح سياسي ونفسي يساند خطابه حول مجريات الحرب، والذي تبين في عدة مواضع أنه لا يتسق مع الحقائق الميدانية على الأرض.
ونشر ترمب -أمس الأحد- على منصته "تروث سوشيال" صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر مسيّرة أمريكية تقصف سفينة إيرانية، مرفقا التصميم بكلمة "أديوس" (أي وداعا باللغة الإسبانية).
وقبل ذلك بيوم واحد فقط، نشر الرئيس الأمريكي أيضا خريطة تُظهر إيران وهي مغطاة بالعلم الأمريكي، وهو ما اعتبرته تقارير إعلامية مؤشرا على احتمال تجدد التصعيد العسكري ضد إيران، في وقت تتواصل فيه جهود الوساطة الباكستانية حثيثة لنزع فتيل الأزمة والتوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران.
إعلان
وفي أبريل/نيسان الماضي، أثار ترمب جدلا واسعا بعد نشره صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي غير فيها تسمية مضيق هرمز إلى "مضيق ترمب"، في محاولة لرسم خريطة جيوسياسية للمنطقة تحت نفوذ الولايات المتحدة.
وتكشف هذه الصور وغيرها -رغم اختلاف مضمونها البصري- رسائل سياسية مشتركة تقوم على تقديم الولايات المتحدة في الفضاء الرقمي، باعتبارها القوة المهيمنة حاليا في المعركة والقادرة على إعادة تشكيل المنطقة عسكريا وسياسيا.
رسائل القوة
إحدى أبرز الرسائل التي يحاول ترمب نقلها إلى الجمهور -وبالأخص الشارع الأمريكي- عبر نشره المتكرر للصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، تتمثل في استعراض فائض القوة العسكرية الأمريكية، وإظهار إيران بوصفها الطرف الخاسر في الصراع الحالي.
فالصور التي تُظهر انفجارات أو سفنا حربية أو ضربات ضد أهداف إيرانية لا تهدف فقط إلى إثارة اهتمام الجمهور، بل تسعى أيضا إلى تعزيز صورة الولايات المتحدة باعتبارها الطرف الأقوى، والأكثر قدرة على إنهاء الحرب وفقا لمصالحها ورؤيتها.
كما تعد الصور امتدادا لنهج ترمب القائم على منطلق "الردع بالقوة"، إذ تُستخدم كأداة لصناعة محاكاة بصرية للحرب، وتكريس سردية تقوم على إظهار التفوق العسكري الأمريكي، حتى لو لم يكن ذلك موجودا على أرض الواقع.
ويحاول ترمب أيضا تعزيز سردية "النصر الأمريكي" عن طريق هذه الصور، حتى لو أُثبت العكس عبر معطيات الميدان، أو فنّدت إيران تلك الادعاءات عبر وقائع ملموسة على الأرض.
وبناء على ذلك، يمنح الذكاء الاصطناعي ترمب قدرة فائقة على تصميم مشاهد مثالية للحرب، وهو ما يمكنه بكل سهولة من فرض سردية بصرية عن مجريات الحرب مع إيران بضغطة زر، وإدارة المعركة رقميا بمعزل عن مسارها الفعلي.
ومن اللافت أيضا أن ترمب يتعمد نشر هذه الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي في توقيتات بالغة الحساسية، مرتبطة إما باقتراب موعد انتهاء الهدنة مع إيران أو عند تقدم فرص التوصل لاتفاق خلال المفاوضات.
لذلك، يمكن فهم أن ترمب يحاول مخاطبة قاعدته الشعبية من خلال هذه الصور، خاصة أن قرار الحرب على إيران يواجه معارضة داخلية شديدة، عبر إظهار نفسه بصورة الزعيم القوي والحاسم، القادر على فرض شروطه في نهاية المطاف وانتزاع ما يريده من إيران، وإقناع الشارع الأمريكي بأن هذه المواجهة كانت -ولا تزال- ضرورية لحماية البلاد من الخطر الإيراني.
وفي أوقات الحروب والأزمات، تصبح "صورة القائد" عنصرا أساسيا في المعركة السياسية الداخلية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية أو تصاعد الجدل حول إدارة الحرب. ولهذا، تبدو صور الذكاء الاصطناعي جزءا من عملية تسويق سياسي تهدف إلى إظهار ترمب باعتباره ممسكا بزمام الأمور، وقادرا على التحكم في مخرجات الحرب.
وتعكس هذه الظاهرة تحولا أوسع في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد المعارك تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضا بالصور والخوارزميات والمحتوى الرقمي. وفي سياق الحرب على إيران، تمنح صور الذكاء الاصطناعي ترمب قدرة على تجاوز تعقيدات الواقع العسكري والسياسي، وتجسيد رؤيته الخاصة القائمة على ثلاث ركائز:
إعلان
- إظهار الولايات المتحدة بوصفها "الطرف المنتصر".
- تقديم إيران على أنها خاضعة للضغط والهيمنة الأمريكية.
- ترسيخ صورة ترمب باعتباره قائدا قادرا على إدارة الصراع.
إقرأ المزيد


