الجزيرة.نت - 5/23/2026 10:06:48 PM - GMT (+3 )
يفكك “المخبر الاقتصادي” أزمة الديون الأمريكية المتصاعدة، محذرا من أن تسارع الاقتراض والعجز قد يقود الولايات المتحدة والعالم إلى أزمة مالية جديدة تهدد استقرار الاقتصاد العالمي.
في وقت تتسارع فيه التحذيرات من هشاشة النظام المالي العالمي، تعود الولايات المتحدة إلى واجهة المخاوف الاقتصادية، لكن هذه المرة ليس بسبب أزمة مصرفية أو فقاعة عقارية، بل نتيجة تضخم غير مسبوق في ديونها العامة وعجز متفاقم يهدد بإرباك أكبر اقتصاد في العالم.
وتسلط حلقة (2026/5/22) من برنامج "المخبر الاقتصادي" الضوء على ما تصفه بأنه أحد أخطر التهديدات الكامنة داخل الاقتصاد الأمريكي، إذ يناقش البرنامج كيف تحولت الديون الحكومية إلى قنبلة موقوتة قد تقود إلى أزمة مالية عالمية جديدة، على غرار أزمة 2008 التي انطلقت شرارتها من واشنطن قبل أن تضرب العالم بأسره.
وتستعيد الحلقة (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط) مشهدا شهيرا أعقب انهيار بنك "ليمان براذرز" في نوفمبر/تشرين الثاني 2008، حين سألت ملكة بريطانيا الراحلة إليزابيث الثانية أساتذة الاقتصاد في كلية لندن للاقتصاد سؤالا بدا بسيطا لكنه أربك الجميع: لماذا لم يتوقع أحد الأزمة قبل وقوعها؟
هذا السؤال تحول لاحقا إلى مدخل لفهم طبيعة الأزمات المالية الكبرى، إذ لم يكن الخلل حينها في نقص الخبراء أو غياب المعلومات، بل في عجز المؤسسات الاقتصادية والمالية عن رؤية الصورة الكاملة للنظام بوصفه جسدا مترابطا تتداخل فيه المخاطر بشكل معقد.
ومنذ تلك الصدمة، أصبح العالم أكثر حساسية تجاه أي مؤشرات تنذر بأزمة مالية جديدة، وسط شعور متزايد بأن الاقتصاد العالمي يقف مجددا على حافة اضطراب واسع، مع ترجيحات بأن الولايات المتحدة ستكون نقطة الانطلاق المحتملة لهذه الأزمة بسبب تضخم مديونيتها العامة بوتيرة غير مسبوقة.
وفي هذا السياق، تتوقف الحلقة عند تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السابق جيروم باول أمام طلاب جامعة هارفارد، حين اعتبر أن الخطر الأكبر الذي يهدد النظام المالي الأمريكي لا يتمثل في الذكاء الاصطناعي أو التوترات الجيوسياسية، بل في النمو المتسارع للدين الحكومي الأمريكي.
وبحسب ما يعرضه البرنامج، فإن الدين الحكومي الأمريكي المملوك للجمهور تجاوز رسميا في مارس/آذار 2026 حجم الاقتصاد الأمريكي نفسه، بعدما بلغ 31.2 تريليون دولار، وهو ما يعادل أكثر من 100% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، في تطور يراه اقتصاديون مؤشرا بالغ الخطورة.
وينقسم الدين القومي الأمريكي إلى شقين رئيسيين، أولهما الدين المملوك للجمهور، ويشمل الأموال المقترضة من المستثمرين والحكومات والمؤسسات المالية، وثانيهما ديون داخلية بين مؤسسات الدولة الأمريكية نفسها، وهي ديون لا تمثل الخطر ذاته لأنها تبقى داخل المنظومة الحكومية.
اختلاف هيكل الديونلكن الجدل الحقيقي لا يتعلق بحجم الدين وحده، بل بسرعة نموه مقارنة بوتيرة نمو الاقتصاد الأمريكي، إذ باتت واشنطن تستدين بمعدلات تفوق بكثير قدرتها على توسيع اقتصادها، ما يعني أن عبء خدمة الدين يتضخم تدريجيا بصورة يصعب احتواؤها مستقبلا.
وفي مواجهة هذه المخاوف، يستعرض "المخبر الاقتصادي" المقارنة المتكررة بين الولايات المتحدة واليابان، حيث تتجاوز نسبة الدين الحكومي الياباني 200% من الناتج المحلي، دون أن تواجه طوكيو أزمة ديون شبيهة بما يُخشى حدوثه في واشنطن.
غير أنه اعتبر هذه المقارنة مضللة إلى حد كبير، موضحا أن اليابان تمتلك هيكلا ماليا مختلفا تماما، لأن القطاع العام الياباني لا يكتفي بالاقتراض لتغطية العجز، وإنما يوظف جزءا كبيرا من الأموال المقترضة في استثمارات وأصول مالية ضخمة داخل اليابان وخارجها.
وتشير الحلقة إلى أن القطاع العام الياباني يمتلك أصولا مالية تعادل نحو 192% من الناتج المحلي الإجمالي، تشمل استثمارات واسعة في الأسهم والسندات والأوراق المالية الأجنبية، وهو ما يمنح طوكيو قدرة أكبر على التعايش مع الديون المرتفعة مقارنة بالولايات المتحدة.
ويشرح المخبر الاقتصادي كيف تستفيد اليابان من أسعار الفائدة المنخفضة للغاية للاقتراض بتكلفة زهيدة، ثم إعادة توظيف هذه الأموال في استثمارات تحقق عوائد أعلى، في نموذج يشبه ما يعرف عالميا بـ"الكاري تريد" أو تجارة المناقلة.
في المقابل، يرى أن المشكلة الأمريكية أكثر تعقيدا، لأن الجزء الأكبر من الأموال المقترضة لا يذهب إلى استثمارات إنتاجية أو أصول قادرة على توليد عوائد مستقبلية، بل يُستهلك في تغطية العجز وتمويل نفقات متزايدة مثل الإنفاق العسكري وخدمة الدين نفسه.
تناقص عائد الدينوتتوقف الحلقة عند مفهوم "تناقص العائد الاقتصادي للديون"، موضحة أن كل دولار إضافي تقترضه الحكومة الأمريكية بات يضيف مساهمة أقل في النمو الاقتصادي مقارنة بالماضي، لأن الاقتراض لم يعد موجها إلى مشاريع توسع الإنتاج أو تعزز البنية الاقتصادية طويلة الأجل.
وتعكس الأرقام حجم هذا التحول، إذ قفز الدين الحكومي الأمريكي من 5.7 تريليونات دولار عام 2000 إلى أكثر من 36 تريليون دولار في 2025، في حين نما الاقتصاد بوتيرة أبطأ بكثير، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الدين والنمو بصورة متسارعة.
كما تشير الحلقة إلى أن مدفوعات الفائدة على الدين الأمريكي مرشحة لتجاوز تريليون دولار خلال السنة المالية الحالية، وهو رقم يفوق بكثير ما كانت تدفعه واشنطن قبل سنوات قليلة، ويقترب من مستويات الإنفاق العسكري الأمريكي.
ويؤكد البرنامج أن استمرار هذا المسار يعني دخول الولايات المتحدة تدريجيا إلى منطقة "عدم الاستدامة"، حيث تصبح الحكومة مضطرة إلى الاقتراض بوتيرة متزايدة فقط لتغطية التزاماتها السابقة، في حلقة مفرغة يصعب كسرها دون تغييرات اقتصادية وسياسية مؤلمة.
وفي هذا الإطار، تستعرض الحلقة تحذيرات الاقتصادي الأمريكي كينيث روجوف الذي يرى أن الولايات المتحدة باتت تستوفي معظم الشروط التقليدية التي سبقت أزمات ديون تاريخية، من ارتفاع الفائدة وتضخم المديونية إلى الشلل السياسي وضعف الحوافز لكبح الاقتراض.
وترى أن الخطر لا يكمن فقط في احتمال حدوث أزمة مالية داخلية، بل في التداعيات العالمية المحتملة لأي اهتزاز كبير في الاقتصاد الأمريكي، نظرا للدور المحوري للدولار والنظام المالي الأمريكي في الاقتصاد العالمي.
وفي ختام الحلقة، يطرح المخبر الاقتصادي سؤالا مفتوحا بشأن قدرة الولايات المتحدة على تجاوز أزمة مالية محتملة دون أن تفقد موقعها كقوة اقتصادية وعسكرية مهيمنة، أم أن أزمة الديون الحالية قد تمثل بداية مرحلة تراجع أوسع في النفوذ الأمريكي عالميا.
Published On 23/5/2026
شارِكْ
إقرأ المزيد


