الجزيرة.نت - 5/22/2026 11:18:55 PM - GMT (+3 )
أعاد بيان وزارة الدفاع التونسية النادر الجدل حول موقع الجيش في الأزمة السياسية، بين من يراه تثبيتا لعقيدة الحياد، ومن يعتبره رسالة سياسية لإغلاق باب الرهان على تدخل المؤسسة العسكرية.
أعاد البيان النادر لوزارة الدفاع التونسية الجدل بشأن موقع المؤسسة العسكرية داخل الأزمة السياسية المتفاقمة، بين من قرأه تثبيتا لعقيدة الحياد الجمهوري، ومن اعتبره رسالة سياسية تهدف إلى قطع الطريق أمام محاولات استدراج الجيش إلى قلب الصراع الدائر في البلاد.
فالبيان الذي تحدث عن “محاولات الزج بالمؤسسة العسكرية وقياداتها في التجاذبات والمزايدات” لم يحدد الجهة المقصودة، لكنه صدر في لحظة تتسم باحتقان سياسي واقتصادي غير مسبوق، وسط تزايد دعوات معارضين للرئيس قيس سعيد إلى تدخل الجيش أو الضغط على السلطة، وهو ما منح البلاغ أبعادا تتجاوز مجرد التذكير بعقيدة الحياد.
وفي برنامج “ما وراء الخبر”، رأى الصحفي والمحلل السياسي حسان العيادي أن أهمية البيان لا تكمن فقط في مضمونه، بل في كونه أعاد “تأطير” موقع الجيش داخل المشهد السياسي التونسي، في لحظة كثرت فيها التأويلات والتسريبات والصراعات داخل محيط السلطة نفسها.
فمنذ إجراءات 25 يوليو/تموز 2021، حافظ الجيش التونسي على موقع بالغ الحساسية، إذ ظهر باعتباره المؤسسة الأكثر تماسكا داخل الدولة، دون أن يتحول إلى لاعب سياسي مباشر. لكن تصاعد الانسداد السياسي، وتراجع الثقة بين السلطة والمعارضة، دفع أطرافا مختلفة إلى محاولة استدعاء المؤسسة العسكرية ولو رمزيا، باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على حسم موازين القوة.
هذا ما يفسر -وفق العيادي- الحساسية التي أحاطت بالبيان، فمجرد اضطرار المؤسسة العسكرية إلى التذكير بحيادها يكشف أن اسم الجيش بات يُتداول بكثافة داخل الصراع السياسي، سواء عبر دعوات مباشرة لتدخله أو عبر تلميحات تربط بعض القيادات العسكرية بأجنحة داخل السلطة.
رسائل الحياد المزدوجةلكن القراءة المقابلة التي طرحها المحلل السياسي أحمد الهمامي بدت أكثر وضوحا في تحميل المعارضة المسؤولية المباشرة عن صدور البيان، إذ اعتبر أن الأشهر الأخيرة شهدت تصاعدا غير مسبوق لدعوات علنية تطالب الجيش بالتدخل أو الضغط على الرئيس قيس سعيد، سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي أو من خلال شخصيات سياسية معارضة.
وبحسب الهمامي، فإن المؤسسة العسكرية أرادت عبر هذا البيان توجيه رسالة مزدوجة: الأولى للمعارضة بأن الجيش لن يتحول إلى أداة لتغيير السلطة، والثانية لأنصار الرئيس أيضا بأن المؤسسة العسكرية لا تعمل لصالح أي طرف سياسي، بل ضمن مؤسسات الدولة ووفق التسلسل الدستوري الذي يجعل رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة.
غير أن هذه القراءة لم تمنع بروز تفسير آخر أكثر تشكيكا في خلفيات البلاغ. فالكاتب والمحلل السياسي أحمد الغيلوفي رأى أن البيان لا يمكن فصله عن طبيعة المناخ السياسي الحالي، معتبرا أن السلطة نفسها تحاول استخدام صورة الجيش لتبديد أي رهان لدى المعارضة على إمكانية حدوث تصدع داخل مؤسسات الدولة.
ومن هذا المنظور، يصبح الحديث عن “حياد الجيش” رسالة سياسية بقدر ما هو توصيف عقائدي، لأن الحياد هنا -وفق الغيلوفي- لا يعني فقط الابتعاد عن السياسة، بل يعني أيضا غلق الباب أمام أي محاولة لاستدعاء المؤسسة العسكرية للعب دور شبيه بما حدث في محطات عربية أخرى.
وتكشف هذه القراءات المتباينة حجم التحول الذي أصاب العلاقة بين السياسة والمؤسسة العسكرية في تونس خلال السنوات الأخيرة، فالجيش الذي ظل لعقود بعيدا نسبيا عن التجاذبات الحزبية يجد نفسه اليوم في قلب نقاشات يومية تتعلق بمستقبل السلطة، ومصير المعارضة، واحتمالات الانفجار الاجتماعي.
ويبدو أن خطورة اللحظة لا ترتبط فقط بمضمون الدعوات التي تطالب الجيش بالتدخل، بل أيضا بتزايد استخدام المؤسسة العسكرية كورقة ضغط رمزية داخل المعركة السياسية، فمجرد التلميح إلى موقف الجيش أو استحضار اسمه في الخطاب العام يعكس عمق الأزمة التي تعيشها البلاد، وعجز الفاعلين السياسيين عن إنتاج تسويات مدنية خالصة.
جدل الجهة والبلاغوفي هذا السياق، اكتسبت مسألة الجهة التي أصدرت البيان أهمية خاصة داخل النقاش، فالغيلوفي حاول التفريق بين وزارة الدفاع باعتبارها مؤسسة سياسية وإدارية وبين الجيش كمؤسسة عسكرية ميدانية، في إشارة إلى أن البلاغ يعكس بالأساس إرادة السلطة التنفيذية.
لكن العيادي والهمامي رفضا هذا الفصل، معتبرين أن البيان يعبر عن المؤسسة العسكرية بمختلف مستوياتها، وأن الأعراف السياسية التونسية لا تسمح أصلا بفرض وزير دفاع بمعزل عن توافقات داخل المؤسسة نفسها، ما يجعل البلاغ أقرب إلى موقف مؤسساتي شامل منه إلى مبادرة سياسية معزولة.
ورغم هذا الجدل، فإن النقطة التي تكاد تجمع عليها مختلف القراءات هي أن صدور البيان بحد ذاته يحمل دلالة استثنائية، فالمؤسسة العسكرية التونسية نادرا ما تتدخل في النقاش العام، وتاريخها منذ الاستقلال قام على الابتعاد عن السياسة وتجنب البيانات ذات الطابع السياسي المباشر.
لذلك، فإن خروجها بهذا الشكل يعكس على الأرجح شعورا متزايدا بأن مناخ الاستقطاب بلغ مرحلة قد تهدد صورة الجيش نفسه، أو تدفع أطرافا مختلفة إلى توظيفه في معاركها السياسية والإعلامية، وهو ما تسعى المؤسسة إلى قطعه مبكرا.
ويكتسب هذا التخوف أهمية إضافية في ظل التدهور الاقتصادي والاجتماعي المتواصل، حيث تتزايد مؤشرات الاحتقان الشعبي، وتتوسع حالة الإحباط داخل قطاعات واسعة من التونسيين. وفي مثل هذه السياقات، تصبح المؤسسات الأمنية والعسكرية دائما عرضة لمحاولات الاستقطاب أو الاستثمار السياسي.
كما أن استحضار تجربة الثورة التونسية بقي حاضرا بقوة في النقاش، فالمؤسسة العسكرية ما تزال تُقدَّم باعتبارها الجهة التي رفضت الانخراط في قمع الشارع عام 2011، ولم تسع إلى الاستيلاء على السلطة رغم قربها من مركز القرار آنذاك، وهو ما منحها صورة “الجيش الجمهوري” داخل الوعي التونسي.
Published On 22/5/2026
شارِكْ
إقرأ المزيد


