ثقافة تخدم الاقتصاد.. كيف أضحت الصناعة الثقافية أفقا للتنمية بالمغرب؟
الجزيرة.نت -

Published On 21/5/2026

|

آخر تحديث: 23:26 (توقيت مكة)

منذ السبعينيات ظلت الثقافة المغربية بمفهومها الأنثروبولوجي المركب، عبارة عن مشروع مجتمعي يحرر الواقع من الشوائب الأيديولوجية التي ارتبطت به. فلا غرابة أن تطالعنا الثقافة باعتبارها مشروعا رمزيا تبناه عدد من المفكرين والأدباء والكتاب للتعبير عن مواقفهم وآرائهم تجاه جملة من القضايا السياسية والإشكالات الفكرية التي كانت تطبع مغرب السبعينيات.

إذ كانت الثقافة في ذلك الإبان، لا تخرج عن إطار المؤسسة الحزبية، فهي ما يمنحها الشرعية "العلمية" ومن ثم الذيوع والانتشار داخل الجسد الثقافي المغربي. فالقارئ لمجمل المؤلفات التي صدرت في ذلك الإبان، سيجد أن المؤسسات الرسمية، لم تكن تتعامل مع الثقافة، إلا بوصفها امتدادا للمؤسسات الحزبية. فكان كل ما يكتب لا يخرج عن الإطار الأيديولوجي الذي رسمته الأحزاب اليسارية التي جعلت الثقافة في مقدمة برنامجها السياسي.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
رمزية الثقافة والمد اليساري

لقد تبنى اليسار الثقافة وجعل منها آلية ضرورية لتحديث المجتمع بالمقارنة مع الأحزاب اليمينية التي ظلت تراهن على نوع من الثقافة التقليدية الموروثة عن مرحلة الاستقلال. في حين برز الوعي بثقافة الحداثة، انطلاقا من تصاعد المد اليساري في أوساط المجتمع وبروز مجلات طليعية لعبت دورا كبيرا في تأسيس ثقافة حداثية ترفض التقليد وتجابه النقل والتدوير.

وشكلت مجلات من قبيل "أنفاس" (عبد اللطيف اللعبي) و"الثقافة الجديدة" (محمد بنيس) نماذج ثقافية مضيئة نقلت الثقافة المغربية المعاصرة، صوب عوالم لم تكن تفكر فيها. إذ ساهمت هذه المجلات في احتضان أكبر النصوص الفلسفية والأدبية والنقدية لكبار المفكرين أمثال جاك دريدا وجوليا كريستيفا ورولان بارت وموريس بلانشو، فكانت بمثابة فتح علمي داخل ثقافة مغربية تتأرجح بين الحداثة والتقليد.

"شكلت مجلات السبعينيات فتحا علميا نقل الثقافة المغربية من أحضان الكلاسيكية نحو رحاب الحداثة، وأفرزت نخبة نقدية تخترق بأسئلتها كل الحدود"

وساهمت هذه المساحات الثقافية في بروز نخبة من الكتاب والنقاد الذين استطاعوا عبر هذه المجلات بلورة أفق نقدي مغاير يخترق في تشكلاته المعرفية كل الحدود والسياجات وتجترح لنفسها آفاقا معرفية بالموازاة مع التغيرات التي باتت تطبع النص الأدبي في تلك الفترة.

السبعينيات وأسئلة الحداثة

بهذا المفهوم أضحت الثقافة مشروعا يقوم على فعل الالتزام ورؤية معرفية تستمد جمالياتها من الترابط العضوي الذي يجمع بين حداثة الثقافة وتطلعات الفرد. لقد أرسى جيل السبعينيات دعائم الحداثة في المغرب، وانتقل بسلاسة من أحضان ثقافة كلاسيكية تربّت في الحركة الوطنية، صوب ممارسات ثقافية تضع التحديث في مختبرها عبر ثقافة السؤال والنقد.

إعلان

لكن، وبعيداً عن هذه الطفرة الفكرية، يسجّل المرء أن الجهات الوصية على الشأن الثقافي لم تكن تفكر حينها في وضع الثقافة ضمن جغرافيات الاقتصاد، وظلت تنظر إليها من خلال البعد الرمزي لا أكثر.

أزمة الرأسمال الرمزي في عصر السوشيال ميديا

عرفت الثقافة المعاصرة في الـ 30 عاما الأخيرة مخاضا سياسيا عسيرا، جعل سلطتها تتراجع داخل الأوساط الاجتماعية. حيث لم تعد الثقافة مؤثرة في الواقع السياسي، وقد جعل هذا التراجع خطاب المفكرين والأكاديميين يختفي أمام "التفاهات المتأنقة" التي باتت تحبل بها وسائل التواصل الاجتماعي. فقد كرست هذه الوسائل الابتذال والتدجين، بعدما جعلت سلطة الخطاب وشرعيته في أفواه المؤثرين والسياسيين وليس المثقفين من أصحاب الرأسمال الرمزي.

"جعلت وسائل التواصل الاجتماعي سلطة الخطاب وشرعيته في أفواه المؤثرين والسياسيين بدل المثقفين، مما أدخل الثقافة في أزمة قيم واحتضار رمزي"

لذلك فإن الهشاشة التي أصبحت تطبع الثقافة في الوضعية الراهنة لا تنم إلا عن التحول الأنطولوجي الذي باتت تشهده الأزمنة المعاصرة، إذ لم يعد العالم يبني حقيقته من خلال الرأسمال الرمزي، بل أصبح يستند إلى طرق ووسائل أخرى. فقد أصبحنا نعيش في السنوات الأخيرة احتضارا ثقافيا وأزمة قيم ساهمت في تفكيك المنظومات الثقافية وجعلتها تنصهر في حمأة الأحداث المتسارعة التي وسمت العالم المعاصر.

الصناعة الثقافية.. قاطرة للتنمية

على ضوء هذا السياق التاريخي المرتبك، برز الوعي في المغرب بقيمة الثقافة لا كمشروع رمزي تنويري وإنما كقاطرة اقتصادية، تصبح من خلالها الثقافة عبارة عن دعامة حقيقية لتأسيس تنمية مندمجة داخل بعض المناطق من خلال توفير فرص العمل وتشجيع الأدباء والفنانين على الإبداع والابتكار، حيث تغدو أعمالهم بمثابة "بضاعة" موجّهة إلى الجمهور.

إن هذا الأمر يقوم على تأصيل فعل الثقافة وفهم التحولات الأنطولوجية التي وسمت مسارها، حيث انتقلت من الطابع الرمزي، صوب وضعها في معترك السياسات العمومية. فقد بادرت الحكومات المتعاقبة في المغرب إلى الرقي بالثقافة وجعلها محطة بارزة في تحقيق مفهوم التنمية المندمجة.

ذلك أن الثقافة منذ دستور المملكة المغربية لعام 2011 أصبحت عماد الاقتصاد، حيث ساهمت الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني في وضع تصور إستراتيجي يقوم على استغلال الثقافة في بناء الواقع.

لذلك بدأت تطالعنا العديد من المشاريع الثقافية البارزة التي تعيد الاعتبار لما يمكن أن نسميه بـ "اقتصاد الثقافة" على حساب "رمزية الثقافة". وهو مفهوم يستند إلى رؤية معاصرة ذات خصوصيات كونية يتم عبرها استغلال المآثر التاريخية والأعمال المسرحية والصناعة السينمائية والمتاحف لمحاولة بناء منظور فكري يتوجه بجعل الثقافة قاطرة صوب الاقتصاد المحلي.

والحقيقة أنه منذ اللحظة التي بدأ فيها الحديث عما يسمى بـ "الصناعة الثقافية"، وُجّه للفكرة نقد لاذع من طرف مثقفين يدّعون الحداثة، إذ لم يستسيغوا كيف يمكن للثقافة أن تساهم في بناء الاقتصاد وتوفر فرص العمل. والحال أن التجربة الغربية تحبل بنماذج كبيرة أصبحت من خلالها مدن بأكملها تعيش على النشاط الثقافي.

بنسعيد واقتصاد الثقافة

مغربياً استطاع محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل في حكومة عزيز أخنوش، أن يخرج الثقافة من أبعادها التقليدية الرمزية ويجعلها في مختبر الاقتصاد المحلي، عبر سلسلة من المشاريع الثقافية التي لا تساهم فقط في دمقرطة الثقافة، وإنما تدفع بها إلى أن تغدو عنصرا مؤسسا لما يسمى بـ "التنمية المندمجة".

إعلان

فقد حرص منذ توليه وزارة الثقافة عام 2021 على القطع مع كل الأشكال التي تلخص الثقافة في أبعادها الرمزية، حيث أخرجها من المنطق "السلبي" صوب مرحلة الانتقال إلى الإنتاج الاقتصادي. غير أنّ شرعية الاقتصاد داخل التجربة المغربية، لا تنبني من خلال الواقع الاقتصادي فحسب، وإنما من خلال التنوع الثقافي والزخم الحضاري الذي تميز به المغرب طيلة تاريخه الضارب في القدم، لتأسيس مشروع اقتصادي يعوّل على الثقافة ويجعل منها مطية نحو التنمية المحلية.



إقرأ المزيد