مأساة النيل الأزرق تختزلها أم حملت والدتها المعاقة واختُطف أطفالها
الجزيرة.نت -

Published On 21/5/2026

تحولت مدينة الدمازين جنوب شرقي السودان إلى ملاذ أخير لآلاف العائلات التي فرت من جحيم المواجهات المحتدمة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تاركة خلفها كل شيء إلا الفجيعة.

ومع اتساع رقعة القتال في إقليم النيل الأزرق، باتت مراكز الإيواء في الدمازين عاجزة تماما عن استيعاب التدفقات البشرية المتزايدة يوما بعد آخر، لتتحول طاقة المدينة الاستيعابية إلى قطرة في محيط اللجوء الداخلي.

مأساة "انتصار"

في لقاء يختصر مرارة الواقع، تروي النازحة انتصار ضرار للجزيرة الساعات الأولى التي قلبت حياتها رأسا على عقب. قطعت انتصار نحو 140 كيلومترا سيرا على الأقدام لأيام متواصلة وهي تحمل والدتها المعاقة على كتفيها هربا من بلدتها "الكيلي".

تستذكر انتصار باغتة الانفجارات وأصوات الرصاص لـلبلدة عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها، لتتحول القرية في غضون ساعات إلى ساحة مواجهة مفتوحة. وتقول بحرقة "اقتحم عناصر من الدعم السريع منزلنا وأجبرونا على المغادرة بالقوة، أخرجت والدتي المعاقة بعد معاناة شاقة وسط الفوضى والرعب، لكن الثمن كان باهظا؛ فقدت بناتي الثلاث وابني الوحيد بعد أن تعرضوا للاختطاف أثناء اقتحام القرية".

وصلت السيدة إلى الدمازين وحيدة، بلا مأوى، بلا رزق، وبلا أخبار عن أطفالها المخفيين قسرا. وتقول إن الليل في المخيم أشد قسوة من الطريق؛ فالخيمة لا تحجب الأسئلة الثقيلة، والذاكرة لا تكف عن استعادة لحظات الفقد.

في خيمة مجاورة، لا يختلف المشهد كثيرا لدى عرفة، النازحة من مدينة "الكرمك"، والتي تروي تفاصيل الأيام الأخيرة قبل سقوط مدينتها تحت وطأة القصف المدفعي وتهديد الطائرات المسيرة، وتؤكد عرفة أن حدة الهجوم دفعت بالآلاف إلى الفرار الجماعي؛ حيث اختار بعضهم اللجوء إلى الدمازين، بينما اضطر آخرون لعبور الحدود نحو إثيوبيا سيرا على الأقدام في رحلة افتقرت لأبسط مقومات الحياة من ماء وغذاء ورعاية صحية.

إعلان

وتصف عرفة الوضع داخل المعسكرات بـ"الكارثي"، مشيرة إلى أن مئات الأسر تنام في العراء نتيجة النقص الحاد في الخيام، وسط تكدس بشري وشح في مياه الشرب والإمدادات الطبية.

نزوح جماعي

تتطابق الشهادات الحية مع الإحصاءات الرسمية الصادرة عن المنظمات الدولية، والتي توثق حجم المأساة حيث نزح أكثر من 49 ألف شخص (نحو 9900 أسرة) منذ مطلع العام الجاري من مناطق الكرمك، باو، وقيسان، وتوزعوا على 7 مواقع بالنيل الأزرق، كانت الدمازين وجهتهم الأساسية.

يعيش أكثر من 78% من هؤلاء النازحين في مواقع إيواء عشوائية تفتقر لأبسط مقومات الحياة، بينما تفترش بقية الأسر المدارس والمباني العامة.

وتفيد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن الحرب دفعت بنحو 14 مليون شخص للفرار من منازلهم منذ منتصف إبريل/نيسان 2023؛ منهم 9 ملايين نازح داخليا، و4.4 ملايين عبروا الحدود إلى دول الجوار، ليتصدر السودان رسميا "أكبر أزمة نزوح في العالم".

تواجه ولاية النيل الأزرق اليوم معضلة إنسانية متفاقمة؛ حيث تحذر الأمم المتحدة من تفشي الأمراض والأوبئة وحالات سوء التغذية الحاد، لا سيما بين الأطفال والنساء.

ومع استمرار الانتهاكات، بما في ذلك الاختطاف، والعنف الجنسي، واستهداف المدنيين، يبقى التدفق البشري نحو المجهول مستمرا، وتظل الخيام العاجزة شاهدة على مأساة شعب يفر من الموت ليواجه العراء.



إقرأ المزيد