الجزيرة.نت - 5/21/2026 9:22:56 PM - GMT (+3 )
بينما تخوض إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مواجهة عسكرية متعثرة مع إيران، يبرز تحول سوسيولوجي وسياسي عميق في الوعي المجتمعي في الداخل، فضلا عن تراجع منسوب التعاطف مع إسرائيل إلى مستويات قياسية.
وخلال حلقة (21 مايو/أيار 2026) من برنامج "من واشنطن "، جاء حديث المؤرخ الإسرائيلي الأمريكي وأستاذ دراسات الهولوكوست أومير بارتوف، ليضع النقاط على الحروف فيما يخص أزمة الهوية الإسرائيلية داخل أمريكا.
ويذكر المؤرخ الإسرائيلي -الذي أفنى حياته في دراسة الإبادة الجماعية– في وصف المسار الحالي لإسرائيل بأنها أصبحت "دولة أبارتهايد (فصل عنصري) كاملة واستبدادية وعنيفة ".
ويرى بارتوف أن التحول في الوعي الأمريكي، لا سيما داخل الجناح الليبرالي واليساري، نابع من رغبة الأمريكيين في الحصول على تحليل أكثر توازنا بعيدا عن الرواية الأحادية التي تصدرها إسرائيل.
تحول في الخطابهذا التحول الفكري وجد ترجمته السياسية في أروقة السلطة المحلية بنيويورك؛ حيث أشارت الحلقة إلى الحالة التي نتجت عن انتخاب المرشح من أصول عربية زهران ممداني، ليكون عمدة المدينة، وهو الأمر الذي أثار جدلا واسعا باستخدامه العلني لمصطلح "النكبة " في خطاباته ومنشوراته.
المفارقة هنا ليست فقط في استخدام المصطلح الذي ظل لعقود تابوها سياسيا، يحظر استخدامه لما يحمل من معنى يقر بالإبادة الإسرائيلية لفلسطين، بل في حقيقة أن ممداني انتُخب لموقفه الواضح من إسرائيل وليس رغم هذا الموقف.
ولسنوات طويلة، ظل مصطلح "النكبة " (الذي يشير إلى التهجير القسري للفلسطينيين عام 1948) غائبا تماما عن القاموس السياسي الأمريكي، بل ومحشورا في زاوية المحرمات.
إذ يعود هذا الحظر غير المعلن إلى كون المصطلح يمثل النقيض الأخلاقي للسردية التي تبنتها واشنطن لعقود والتي تحتفي بقيام إسرائيل كـ "معجزة ديمقراطية في الصحراء ".
ووفق المؤرخ الإسرائيلي، فإن تطبيع استخدام مصطلح النكبة يعطي دلالة قاطعة على أن القاعدة الانتخابية في المدن الكبرى باتت تتبنى السردية الفلسطينية كجزء من معارك الحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية، وهو ما يضع ضغوطا هائلة على مراكز القوة التقليدية (مثل منظمة أيباك) التي باتت تخوض -حسب وصف الحلقة- معركة تراجع يائسة.
مقامرة ترمب الخاسرةوعلى صعيد الربط بين هذا التحول والانتخابات، قدم المحلل السياسي والمتخصص في الشأن الأمريكي محمد المنشاوي قراءة مفصلة لتراجع شعبية الرئيس دونالد ترمب. فللمرة الأولى في التاريخ الحديث، يرفض الجمهور الأمريكي حربا تقدم عليها أمريكا منذ البداية، بل وقبل أن تبدأ.
فعادة ما تلتف الشعوب حول قادتها في بداية الحروب، لكن في حالة المواجهة الحالية مع إيران، حدث العكس تماما لعدة أسباب:
- الفشل الاقتصادي المباشر: إغلاق مضيق هرمز رفع أسعار الوقود لمستويات قياسية، مما مس جيب المواطن الأمريكي العادي مباشرة.
- غياب "النصر الساحق ": بعد 40 يوما من القتال، لم يجد ترمب "صورة النصر " التي وعد بها، مما جعل الحرب تبدو كاستنزاف بلا أفق.
- الخسارة بين المستقلين: تؤكد استطلاعات "رويترز وإيبسوس " و "غالوب " أن ترمب لم يعد قادرا على كسب أصوات المستقلين، بل إن 75% إلى 80% فقط من الجمهوريين ما زالوا يدعمونه، وهي نسبة غير كافية للفوز بانتخابات وطنية، وفق المنشاوي.
كما كشف استطلاع رأي لشبكة "فوكس نيوز " عن ارتفاع نسبة الأمريكيين المعارضين للعمل العسكري ضد إيران إلى 60%.
يأتي ذلك بالتزامن مع عودة الرئيس الأمريكي لنبرة التهديد وتشديده على عدم الاستعجال في خطواته المقبلة، في حين تؤكد طهران رصد إشارات واضحة تسعى من خلالها واشنطن لجولة جديدة من القتال بالمنطقة.
واشنطن تواجه مراياهاتخلص حلقة "من واشنطن " إلى أن الولايات المتحدة تمر بلحظة استقطاب وجودية. فبينما يحاول البيت الأبيض إدارة أزمات الخارج بالقوة العسكرية، يواجه في الداخل انهيارا في سردياته التاريخية؛ حيث لم تعد المظلة الأمريكية قادرة على حماية إسرائيل من النقد الأخلاقي، ولم تعد شعارات "أمريكا أولا " قادرة على تبرير حروب ترفع أسعار البنزين وتزيد من انقسام المجتمع.
إنها مرحلة لم تعد فيها "إسرائيل " ملفا خارجيا، بل أصبحت جزءا من "الحرب الثقافية والسياسية " داخل أمريكا، وهي الحرب التي قد تقرر هوية الساكن القادم للبيت الأبيض.
Published On 21/5/2026
|آخر تحديث: 21:11 (توقيت مكة)
شارِكْ
إقرأ المزيد


