الجزيرة.نت - 5/21/2026 8:28:02 PM - GMT (+3 )
Published On 21/5/2026
بعد أكثر من أربع سنوات على جائحة كوفيد-19، يعود السؤال الذي ظن العالم أنه تجاوزه إلى الواجهة من جديد: هل أصبح النظام الصحي العالمي أكثر قدرة على مواجهة الأوبئة، أم أنه لم يتغير إلا على مستوى الخطاب؟
وبين تفشي فيروس إيبولا في شرق أفريقيا وظهور حالات من فيروس هانتا على متن رحلة سياحية في جنوب الأطلسي، تتقاطع تغطيات وتحليلات صحف أمريكية وبريطانية، بينها فاينانشيال تايمز وغارديان ونيويورك تايمز ، عند خلاصة واحدة: العالم ما زال يعمل بمنطق ردّ الفعل لا الوقاية، وبمنطق إدارة الأزمة لا منعها.
في الحالة الأفريقية، تكشف تقارير فايننشيال تايمز، في تقرير لكل من موزس ساواسوا وويليام واليس ومايكل بيل، أن تفشي إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية لم يُكتشف إلا بعد أسابيع من بدايته، بسبب انهيار منظومات الإبلاغ الصحي في مناطق النزاع شرق البلاد.
وتضيف الصحيفة، نقلاً عن الخبير الكونغولي جان جاك مويمبي، أن المشكلة لا تتعلق بغياب الخبرة الطبية، بل بغياب الموارد والبنية التحتية القادرة على العمل في بيئة أمنية منهارة. فحتى دولة تُعد من الأكثر خبرة عالمياً في التعامل مع إيبولا منذ ظهوره لديها عام 1976، لم تتمكن من احتواء التفشي في مراحله الأولى.
ويوضح تقرير فايننشيال تايمز أن المختبرات المحلية أخفقت في تشخيص السلالة النادرة "بونديبوجيو"، لأنها لا تمتلك أدوات كشف متعددة السلالات، بينما أدت أخطاء في حفظ العينات إلى تأخير إضافي في الوصول إلى التشخيص الصحيح.
لكن هذه المشكلة التقنية، بحسب ما تلتقي عنده تغطيات فاينانشيال تايمز وغارديان، ليست سوى جزء من صورة أوسع: انهيار أنظمة الرصد المبكر في بيئات تعاني من الحرب، وانقطاع الخدمات، وتراجع التمويل الدولي المخصص للاستعداد الوبائي بعد كوفيد-19.
أزمة مركبةوتذهب افتتاحية غارديان إلى أن شرق الكونغو يقدم نموذجاً مركباً للأزمة، حيث تتداخل الأوبئة مع النزاعات المسلحة، والنزوح الجماعي، وانعدام الثقة بين السكان والسلطات الصحية، بل وحتى استهداف المرافق الطبية في بعض المناطق، ما يجعل احتواء أي تفشٍ أمراً بالغ الصعوبة.
إعلان
وفي السياق نفسه، تشير فايننشيال تايمز وغارديان، إلى أن تقليص المساعدات الدولية، خصوصاً من الولايات المتحدة وبريطانيا، انعكس مباشرة على قدرات المراقبة الصحية، من خلال تقليص فرق التتبع، وبرامج التوعية، والبنى الأساسية البسيطة مثل محطات غسل الأيدي.
فشل في الوقاية الاستباقيةوفي المقابل، تقدم رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة هيلين كلارك، في مقال نشرته غارديان، قراءة مختلفة لحالة تفشي فيروس هانتا على متن سفينة سياحية في جنوب الأطلسي، معتبرة أن ما حدث لا يقل خطورة عن الحالة الأفريقية، لأنه يكشف فشلاً في الوقاية الاستباقية.
وتقول كلارك إن المرض كان يجب أن يُؤخذ في الحسبان منذ البداية، نظراً لأن فيروس هانتا متوطن في مناطق انطلاق السفينة جنوب الأرجنتين، ما يعني أن أي أعراض تنفسية حادة على متن سفينة قادمة من تلك المنطقة كان ينبغي التعامل معها كحالة طوارئ وبائية منذ اللحظة الأولى، لا بعد تأخر التشخيص.
وتضيف أن ما يجمع بين حالتي هانتا وإيبولا هو غياب ما تسميه الجغرافيا الوبائية في صنع القرار الصحي، أي تجاهل طبيعة الأمراض المتوطنة في المناطق التي تنطلق منها الرحلات أو تتفشى فيها العدوى، وهو ما يسمح بانتشار المرض قبل اكتشافه.
هيلين كلارك:إهمال تضحيات الأفارقة
ما حدث، بالنسبة لفيروس هانتا لا يقل خطورة عن الحالة الأفريقية، لأنه يكشف فشلاً في الوقاية الاستباقية.
هذا التقييم يتفق مع ما تطرحه افتتاحية غارديان حول ضعف الاستعداد العالمي، لكنه يجد امتداداً أكثر حدة في تقرير نيويورك تايمز، الذي أعده ماثيو مبوك بيغ، والذي يركز على البعد السياسي والثقافي للأزمة.
فبحسب التقرير، أعادت أزمة إيبولا الحالية إحياء جدل قديم حول الطريقة التي يُدار بها خطاب الصحة العالمية، حيث يرى كثير من الأفارقة أن القارة لا تُذكر في الأوبئة إلا بوصفها مصدراً للخطر، بينما تُهمل تضحيات كوادرها الصحية التي تقود الاستجابة فعلياً على الأرض.
وينقل التقرير عن عالم الأحياء الجزيئية النيجيري كريستيان هابي رفضه للصورة النمطية التي تصف الأنظمة الصحية الأفريقية بالضعف، مستشهداً بتجارب سابقة ناجحة في احتواء أوبئة خطيرة، وبالدور الحاسم للطبيبة النيجيرية أمييو ستيلّا أداديبو خلال تفشي إيبولا في لاغوس عام 2014، حين ساهم قرارها الحاسم بعزل أحد المرضى (ليبيري-أمريكي)، رغم رفضه، في منع انتشار واسع للفيروس.
كما يشير التقرير إلى أن آلاف العاملين الصحيين في أفريقيا واجهوا أوبئة كبرى بإمكانات محدودة، وأن نجاحاتهم غالباً ما تغيب عن السردية العالمية إلا عندما تصبح العدوى تهديداً للدول الغنية.
ثغرات بنيوية بالنظام الصحي العالميوتلتقي الصحف الثلاث، فاينانشيال تايمز وغارديان ونيويورك تايمز، رغم اختلاف زوايا المعالجة، عند نقطة مركزية واحدة: أن النظام الصحي العالمي ما زال يعاني من ثغرات بنيوية في ثلاثة مستويات متداخلة؛ الرصد المبكر، والتمويل المستدام، والاستجابة في البيئات الهشة.
وتحذر هذه الصحف مجتمعة من أن أخطر ما كشفته هذه الأزمات ليس فقط محدودية القدرات الطبية، بل هشاشة البنية السياسية والمالية التي يفترض أن تدعمها، في عالم تتراجع فيه أولويات الصحة العالمية لصالح أزمات سياسية واقتصادية أخرى.
وفي ضوء ذلك، تبدو الأوبئة القادمة أقل ارتباطاً بطبيعة الفيروسات نفسها، وأكثر ارتباطاً بمدى استعداد العالم للاعتراف بأن الدروس التي تعلمها من كوفيد-19 لم تُترجم بعد إلى منظومة وقائية حقيقية، بل إلى ذاكرة مؤقتة تتلاشى مع كل أزمة جديدة.
إعلان
المصدر: غارديان + فايننشال تايمز + نيويورك تايمز
إقرأ المزيد


