سيناريو فنزويلا يتبخر في إيران.. هل سقطت التكنولوجيا أمام الجغرافيا؟
الجزيرة.نت -

تتشابك القراءة الإستراتيجية بين واشنطن وطهران حول حدود القوة الأمريكية، إذ تعثر “النموذج الفنزويلي” الخاطف أمام معادلات الجغرافيا، والزمن، والردع العسكري الحاسم على التخوم الإيرانية.

وسلّط برنامج "للقصة بقية" الضوء على الفروق الجوهرية ومعايير الربح والخسارة التي تحكم هذا الصراع الممتد، وسط تلميحات بتراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نحو المسار الدبلوماسي.

وفي هذا السياق، أوضح كبير الباحثين في معهد الشرق الأوسط بواشنطن جيسون كامبل -خلال حديثه لـ"للقصة بقية"- أن مقارنة فنزويلا بإيران تعد خطيرة ومضللة على مستويات عدة.

ورغم النجاح العملياتي الأمريكي في كاراكاس عبر عملية "العزم المطلق" الخاطفة في 3 يناير/كانون الثاني 2026، والتي استغرقت 22 دقيقة فقط لاعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، فإن محاولة إسقاط هذا النموذج على طهران كانت -وفق كامبل- خطأ إستراتيجيا منذ البداية.

نيكولاس مادورو اعتقلته قوات خاصة أمريكية في عملية خاطفة بداية عام 2026 (غيتي)

وقال كامبل، إن الثقة المفرطة لإدارة ترمب اصطدمت بواقع جيوستراتيجي مغاير، إذ تفوق إيران فنزويلا بثلاثة أضعاف من حيث المساحة والسكان، كما أن العاصمة طهران تقع على بعد مئات الأميال من الخليج حيث تتمركز القوات الأمريكية، مما يفرض طبيعة جيولوجية وتضاريس معقدة للغاية.

وأضاف أن القوات الأمنية الإيرانية أكثر خبرة وجاهزية، مما جعل غزو البلاد عسكريا أمرا أصعب بكثير، مشيرا إلى الارتباك في الإستراتيجية الأمريكية الكبرى التي وضعت الشرق الأوسط في المرتبة الرابعة ضمن أولوياتها الخمس الخريف الماضي، لتجد نفسها متورطة في حرب جديدة دون تقدير للمخاطر طويلة الأجل، ومحاصرة بصعوبات سياسية داخلية للحزب الجمهوري مع اقتراب الانتخابات.

ثلاثية الردع الإيرانية

من جانبه، فصّل كبير مستشاري مركز الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية في طهران ما شاء الله شمس الواعظين أسباب فشل الولايات المتحدة في فرض إرادتها على إيران رغم مضي أكثر من شهرين ونصف على الحرب التي انطلقت في 28 فبراير/شباط 2026 وحملة القصف الجوي الأمريكي الإسرائيلي.

ووفق حديث شمس الواعظين، فإن ترمب أرسى مبدأ غريبا في العلاقات الدولية يقوم على "الاختطاف والاغتيال"، لكنه أخطأ في حساباته لأن فنزويلا كانت تقع في الباحة الخلفية ومعزولة عن الحلفاء، بينما تمتلك إيران ثلاث مزايا جوهرية أفشلت هذا السيناريو:

  1. عنصر الجغرافيا: وهو أقوى من عنصر التكنولوجيا الأمريكية، فالتاريخ لم يشهد سيطرة الآلة العسكرية على الجغرافيا بنجاح.
  2. عنصر الزمن: نجحت إيران في استغلاله لتحويل الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد عبر ضرب القواعد والأصول الأمريكية في الخليج وبحر عُمان.
  3. التفاف القاعدة الاجتماعية: توحدت الحاضنة الشعبية خلف النظام السياسي عقب الهجوم، مما أسقط المراهنات الأمريكية الإسرائيلية التي بنيت على قراءة خاطئة للاحتجاجات الداخلية والضربات التي سبقت الحرب بشهر واحد.
صواريخ باليستية إيرانية لحظة سقوطها على مدن إسرائيلية خلال الحرب الأخيرة (وكالة الأناضول)
معايير الربح والخسارة

وبشأن البعد الدولي ومضيق هرمز، أشار كامبل إلى أن ترمب فشل في انتزاع مواقف داعمة من قمة بكين بين الرئيسين الصيني شي جين بينغ والأمريكي دونالد ترمب، إذ تضع الصين ملف تايوان كأولوية قصوى، ولم تتأثر بالحصار الأمريكي على المضيق لأن سفنها وناقلاتها تمر بدعم وتنسيق إيراني مباشر لاستمرار إمدادات النفط، مما حرم واشنطن من ورقة الضغط الصينية.

وأيّد شمس الواعظين حديث كامبل، إذ أكد أن التحالف الإستراتيجي لإيران مع قوتين عظميين مثل الصين وروسيا يمنحها رصيدا جيوستراتيجيا حاسما، واصفا الحديث عن نجاح ترمب خلال زيارته بكين بأنه مجرد "حرب نفسية".

ولفت إلى أن القوى العظمى تقبل بوسطاء من مستويات أخف مثل باكستان وقطر وعُمان تفاديا لفرض شروط صينية مقابلة في ساحات المصالح الدولية.

أما إقليميا، فقد اعتبر شمس الواعظين أن الضربات الإيرانية استهدفت القواعد الأمريكية في الدول المشاطئة لإجبارها على حياد أراضيها، وهي جراح يمكن ترميمها مستقبلا عبر آلية أمنية مشتركة لمضيق هرمز.

واختتم بالتأكيد على أن تراجع ترمب الأخير وحديثه عن "التريث" في الهجوم بطلب من قادة قطر والسعودية والإمارات يمثل بداية تراجع نحو الدبلوماسية، معتبرا أن إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو هي العقبة الأساسية التي تمنع واشنطن من توقيع اتفاق مقبول وتتحكم في تعثر المفاوضات.

في المقابل، يرى كامبل أن مسار المفاوضات محكوم بضغوط شديدة، إذ يخشى الرئيس الأمريكي إبرام اتفاق سياسي يكون أسوأ من الاتفاق النووي السابق الذي وقعه الرئيس الأسبق باراك أوباما وعارضه ترمب لعقد من الزمن.

Published On 19/5/2026

شارِكْ



إقرأ المزيد