ما تحجبه إسرائيل عن العالم.. هل خرج جيشها عن السيطرة؟
الجزيرة.نت -

"حتى يومنا هذا، تعكس روح الجيش الإسرائيلي درجة معينة من التوتر بين طبيعة الجيش والميليشيا"

بواسطة (يعقوب عميدرور مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق)

في 29 يوليو/تموز 2024، وفي خضم حربها الإبادية على غزة، وقف جنود من جيش الاحتلال الإسرائيلي متمترسين في مواقعهم داخل سجن "سدي تيمان" في محاولة لمقاومة اعتقالهم. لم يكن يحاول اعتقالهم سوى زملائهم من الشرطة العسكرية الإسرائيلية، على خلفية ضلوع جنود السجن في تعذيب واغتصاب أحد الأسرى الفلسطينيين، وهي حادثة سُرِّب تسجيل مصور لها وأثارت غضبا واسعا، ما اضطر المؤسسات الإسرائيلية للتحرك كي "تنقذ سمعتها".

للمفارقة، حاز الجنود المعتقلون تعاطفا وتضامنا واسعا من الأحزاب اليمينية والمستوطنين في إسرائيل، إذ اقتحم المستوطنون المحكمة العسكرية في بيد ليد لدعم الجنود المتهمين بارتكاب الجرائم. وقد وصف وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير الجنود بأنهم "خيرة أبطالنا"، بالتزامن مع تظاهرات من إسرائيليين قرب السجن سيئ السمعة لدعم الجنود المتهمين.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

لم تكن ردود الأفعال الشعبية والرسمية الصادمة في معظمها، والوقائع التي رُويت عن سجن "سدي تيمان" واقعة استثنائية، بل باتت جزءا من نمط متزايد عقب طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. ففي خضم عمليات الجيش الإسرائيلي متعددة الجبهات في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان وجنوب سوريا، برزت مؤشرات على تآكل الانضباط داخل الوحدات القتالية.

وقد شملت الوقائع انتهاكات معتقل "سدي تيمان"، إلى جانب انتشار ظاهرة نهب الممتلكات المدنية في مناطق العمليات في غزة وجنوب لبنان، مرورا بإدخال مدنيين إلى ساحات القتال دون مبرر عملياتي، فضلا عن حالات تهريب عبر المعابر، وتورط عناصر عسكرية في أعمال تجسس.

ويشير تراكم هذه الوقائع، وتنوعها بين سلوكيات ميدانية وانتهاكات قانونية وأمنية، إلى وجود اختلال واضح يطرح سؤالا: هل تعكس هذه السلوكيات تآكلا مؤقتا فرضته ظروف الحرب المطولة منذ عام 2023؟ أم أنها امتداد لخصائص راسخة في تكوين الجيش الإسرائيلي تاريخيا وفي نمط عمله؟

الحمض النووي المليشياوي

لفهم هذه الظواهر، لا يكفي التوقف عند السياق العملياتي الراهن، إذ يتطلب الأمر العودة إلى البنية التأسيسية للجيش الإسرائيلي، وهو ما يساعد فيه كتاب جماعي صدر عام 2019 نُشر بعنوان "دليل راوتليدج للأمن الإسرائيلي"، كتب فصوله نخبة من الخبراء الأمنيين والعسكريين والأكاديميين الإسرائيليين، بالإضافة إلى دانيال كيرتزر الذي عمل لمدة 29 عاما في وزارة الخارجية الأمريكية، وشغل منصب سفير الولايات المتحدة في مصر لمدة 4 سنوات، ثم في إسرائيل لمدة 4 سنوات أخرى.

إعلان

كان لافتا في الفصل الثالث الذي كتبه مستشار الأمن القومي الإسرائيلي بين عامي 2011-2013 يعقوب عميدرور، إشارته إلى أن المؤسسة العسكرية والجيش الإسرائيلي لا يزالان ملتزمين بالعديد من المبادئ التوجيهية وإجراءات التشغيل التي صيغت مطلع الخمسينيات بعد وقت قصير من نهاية حرب 1948.

"نشأ الجيش الإسرائيلي في الأساس عبر اندماج 4 ميليشيات مسلحة: الهاغاناه والبالماخ والإرغون وشتيرن"

فقد نشأ الجيش حينها من اندماج ضمت 4 تنظيمات مسلحة منفصلة، الهاغاناه والبالماخ، اللذين شكلا معا الجناح العسكري شبه السري للوكالة اليهودية خلال فترة الانتداب البريطاني؛ والإرغون وشتيرن، وهما قوتان أصغر بكثير، قادتا العمليات المسلحة ضد البريطانيين. وقد اجتذبت المجموعات الأربع الشباب والشابات من مجتمع "اليشوف" اليهودي الذي عاش في فلسطين قبل إعلان قيام دولة إسرائيل.

أوضح عميدرور، الذي خدم لمدة 36 عاما في جيش الاحتلال وتقاعد منه برتبة جنرال، أن "ثقافة الجيش الإسرائيلي التي تفضل المهارة الارتجالية على التعلم من التاريخ، والجرأة فيما يتعلق بتجاوز القواعد والأنظمة، لها جذور أعمق في ميليشيات ما قبل الدولة، والتي نقلت له الكثير من الحمض النووي التنظيمي، وأثرت بشكل كبير على روحه".

ويضيف عميدرور موضحا: "حتى اليوم، تركز القوات البرية الإسرائيلية بشكل أقل على الانضباط الصارم والتنظيم. وعلى النقيض من ذلك، فقد اعتمدت القوات الجوية الإسرائيلية على ثقافة سلاح الجو الملكي البريطاني، في حين صممت البحرية الإسرائيلية تقاليدها على غرار نظيرتها الإيطالية".

يعقوب عميدرور (الثاني يمين): ثقافة الجيش الإسرائيلي تُفضل الارتجال وتجاوز القواعد على التعلم من التاريخ، ولها جذور عميقة في ميليشيات ما قبل الدولة (أسوشيتد برس)

ويلفت عميدرور النظر إلى أن بنية القوة البشرية داخل الجيش تسهم بدورها في تكريس هذه السمات، إذ تحافظ إسرائيل على نظام تجنيد إلزامي في سن مبكرة من عمر 18 إلى 21 عاما، ما يعني تجنيد شباب صغير محدود الخبرة في الوحدات القتالية، مع تسريع ترقيتهم إلى مواقع قيادية في مراحل مبكرة دون استكمال التكوين النظري أو الاطلاع المنهجي على التاريخ العسكري إلا بعد سنوات من الخدمة العملياتية، ما يخلق نمطا قياديا يميل إلى الاعتماد على المبادرة الفردية أكثر من الالتزام الصارم بالإجراءات.

"لم يشهد تاريخ الجيش الإسرائيلي سوى حالة واحدة لوصول قائد من خارج القوات البرية إلى منصب رئيس الأركان، وهو ما يبرز ثقل الثقافة البرية في تشكيل القيادة العليا"

وهذا النمط في إعداد القادة يرتبط بطبيعة التوازن بين أذرع الجيش المختلفة، إذ لم يشهد تاريخ الجيش الإسرائيلي سوى حالة واحدة لوصول قائد من خارج القوات البرية إلى منصب رئيس الأركان، وهو ما يبرز ثقل الثقافة البرية في تشكيل القيادة العليا، فالقوات الجوية تتسم بنمط قيادة مركزي صارم، بينما القوات البرية أقل مركزية، حيث تتيح للقادة الميدانيين هامشا كبيرا من المبادرة في تنفيذ المهام.

كما ترتبط درجة الالتزام بالأنظمة والإجراءات داخل الجيش بطبيعة السلاح ذاته، فكلما زاد الاعتماد على التكنولوجيا المتقدمة والدقة الفنية، كما هو الحال في سلاحي الجو والبحرية وسلاح المدرعات، زادت الحاجة إلى أنماط أكثر صرامة في القيادة والتحكم لتقليل الأخطاء والحوادث. وعلى العكس من ذلك، فإن وحدات المشاة، التي يعتمد أداؤها بدرجة أكبر على العنصر البشري والمبادرة التكتيكية، تميل إلى إتاحة مساحة أكبر للارتجال والتصرف الفردي، حتى وإن جاء ذلك أحيانا على حساب الالتزام باللوائح.

إعلان

وأخيرا، يلفت عميدرور الانتباه إلى أن نموذج "جيش الشعب" القائم على احتياطي ضخم، يضيف بعدا آخر لهذا الخلل، إذ يظل جميع من خدموا في الجيش، ممن هم دون سن الخامسة والأربعين مؤهلين نظريا للخدمة الاحتياطية لفترات سنوية. ومن ثم تتضخم وحدات الاحتياط نتيجة تدفق الجنود الذين أنهوا خدمتهم الإلزامية، ويفوق عدد أفرادها عدد المجندين النظاميين داخل القوات البرية، على خلاف ما هو قائم في القوات الجوية والبحرية، وهو ما يضفي على القوات البرية طابعا مختلفا من حيث التكوين والانضباط.

عميدرور: وحدات المشاة يعتمد أداؤها على العنصر البشري وتميل إلى إتاحة مساحة أكبر للارتجال على حساب الالتزام باللوائح  (الفرنسية)
حادثة سدي تيمان ومقتل زئيف إيرليك

يتجلى هذا الحمض المليشياوي في وقائع معاصرة من أبرزها قضية معتقل "سدي تيمان" قرب بئر السبع. فعقب احتجاز عدد من الأسرى من قطاع غزة في المعتقل، بدأت تتوالى الشهادات عن انتهاكات مريعة بحقهم أدت لوفاة العشرات منهم، وصولا لتداول فيديو تعذيب وحشي لأحد الأسرى الفلسطينيين بلغ حد الاعتداء عليه جنسيا.

وحين توجه محققو الشرطة العسكرية بالجيش في يوليو/تموز 2024 إلى السجن للتحقيق مع 10 جنود احتياط مشتبه بهم في تنفيذ الاعتداءات، فوجئوا بمحاولة بعض الجنود الفرار، وامتناع آخرين عن المثول للتحقيق، ثم تدخل جنود ملثمون من "القوة 100" الخاصة بمكافحة الإرهاب لمساندة رفاقهم، واعتدوا على المحققين، وتفاقمت الأزمة بوصول متظاهرين وأعضاء كنيست لاقتحام المعتقل، والضغط لوقف التحقيقات.

"يشير حادث سدي تيمان إلى تآكل قدرة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على فرض آليات المحاسبة داخلها"

يكشف هذا المشهد أن المسألة تحولت إلى رفض لسلطة القانون العسكري داخل الجيش نفسه. وبدلا من النظر للتحقيقات باعتبارها آلية لتوفير الانضباط وفرض الأمن، صُورت بوصفها إساءة إلى "أبطال الجيش"، وتمت شيطنة الشرطة العسكرية. ووصل الأمر إلى التحقيق مع المدعية العسكرية يفعات يروشالمي بتهمة الكذب وتسريب فيديو الاعتداء على الأسير الفلسطيني، حتى أنها أُقيلت من منصبها وجُردت من رتبتها العسكرية رغم تقدمها باستقالتها، واحتُجزت لفترة ثم وُضعت قيد الإقامة الجبرية. وانتهى الأمر بإسقاط التهم عن عناصر "القوة 100" الذين اعتدوا على المحققين، وأُفرج عن الجنود المتورطين في الاعتداءات. ولذا يشير حادث "سدي تيمان" إلى تآكل قدرة المؤسسة العسكرية على فرض آليات المحاسبة داخلها.

ويظهر نمط تآكل الانضباط في تقرير للجيش الإسرائيلي نفسه حول "الانضباط العملياتي والثقافة العسكرية في القتال"، وهو تقرير أعده فريق من الخبراء بقيادة الجنرال احتياط موتي باروخ، عقب مراجعة عشرات الحوادث الميدانية. وقد تحدث التقرير عن خروقات تمس جوهر السلوك العسكري، ومن بينها إدخال مدنيين إلى مناطق قتال خارج الحدود دون إذن، واستخدام الهواتف داخل ساحات العمليات، وتشغيل أسلحة غير ملائمة للسياق القتالي، وهي ممارسات تمثل خللا في الالتزام بالإجراءات الأساسية للقيادة والتحكم.

ومن أبرز الوقائع التي تضمنها التقرير إدخال الحاخام تسفي كوستينر، وناشط الليكود رامي بن يهودا، فضلا عن مقاولين وصحفيين، إلى قطاع غزة دون تصاريح، في تجاوز للضوابط العسكرية. غير أن الحادث الأبرز كان مقتل عالم الآثار والمؤرخ زئيف إيرلتش، البالغ من العمر 71 عاما، في جنوب لبنان، بعدما قامت قوة من الكتيبة 13 التابعة للواء جولاني بتأمين دخوله إلى منطقة قتال بعمق 5 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، لزيارة موقع أثري برفقة رئيس أركان اللواء العقيد يوآف ياروم، في انتهاك صريح للأوامر العسكرية ودون أي ضرورة عملياتية.

وأظهرت التحقيقات التي أعقبت الحادث إخفاقات جسيمة في سلوك القيادة داخل لواء جولاني، ما دفع العقيد ياروم للاستقالة على خلفية الواقعة، التي أسفرت أيضا عن مقتل الرقيب غور كاهتي أثناء الاشتباكات مع عناصر من حزب الله. وتشير هذه الحوادث إلى خلل في الالتزام بالضوابط التي تحكم إدخال غير العسكريين إلى مناطق العمليات، كما تكشف تراجع قدرة القيادة على الفصل بين ضرورات القتال والاعتبارات غير العملياتية.

مقتل عالم الآثار والمؤرخ الإسرائيلي زئيف إيرلتش جاء نتيجة انتهاك صريح للأوامر العسكرية دون أي ضرورة عملياتية (مواقع التواصل)
النهب والتهريب

تكشف الشهادات التي نشرتها صحيفة هآرتس  في أبريل/نيسان 2026 عن نمط فج آخر من السلوك داخل وحدات الجيش الإسرائيلي العاملة في جنوب لبنان، حيث تحولت عمليات نهب الممتلكات المدنية إلى ممارسة شبه اعتيادية، شملت الدراجات النارية والأجهزة الإلكترونية والأثاث والسجاد والمشغولات الذهبية والمقتنيات الشخصية من المنازل والمحلات التجارية.

إعلان

وتظهر الإفادات أن هذه الممارسات تُمارس علنا، إذ يقوم الجنود بتحميل المسروقات على مركباتهم عند مغادرتهم مناطق العمليات، دون محاولة إخفاء ذلك، وفي ظل غياب مشهود للإجراءات الانضباطية. ويجري ذلك بعلم مستويات مختلفة من القيادة العسكرية، مع وجود حالة من التساهل المؤسسي، حيث يقتصر رد الفعل في كثير من الحالات على توبيخ شفهي لا يرقى إلى مستوى التحقيق أو المحاسبة، ما يرسل ضوءا أخضر بمواصلة النهب. ويعزز ذلك أن نقاط الشرطة العسكرية التي يُفترض أن تقوم بعمليات التفتيش ومنع التهريب أُزيلت في بعض المحاور أو لم تُفعل أساسا، ما سهل نقل المسروقات باستخدام مركبات عسكرية.

"أصبح نهب الممتلكات المدنية ممارسة اعتيادية لجنود الجيش الإسرائيلي"

وترجع بعض الشهادات تفاقم الظاهرة إلى طبيعة الانتشار الميداني في قرى مهجورة في جنوب لبنان بعد نزوح سكانها، ما أوجد بيئة يُنظر إليها باعتبارها مستباحة، إلى جانب منطق تبريري لدى بعض الجنود يقوم على فكرة أن هذه الممتلكات ستُدمر لاحقا في العمليات العسكرية. غير أن هذا التفسير لا يقدم الجواب الكافي، إذ تكشف المقارنة بين الوحدات أن حجم الظاهرة يرتبط بطبيعة العلاقة بين القيادة والميدان؛ فالوحدات التي يفرض قادتها قيودا حازمة تشهد مستويات أقل من هذه الممارسات، بينما يتفشى النهب في الوحدات التي تعاني من تراخٍ قيادي، ما يشير إلى أن الانضباط أصبح مرهونا بشخصية القائد، وليس بالنظام المؤسسي.

وفي السياق ذاته، تبرز حادثة تحطيم تمثال السيد المسيح في قرية دبل بجنوب لبنان، التي أعلن الجيش على إثرها معاقبة الجندي المنفذ ومن صور الواقعة بالسجن لمدة 30 يوما، واستدعاء 6 جنود شهدوا الواقعة للاستجواب. غير أن تعامل المؤسسة العسكرية مع الحادثة، التي أثارت تنديدا دوليا واسعا، جسد نمطا من المحاسبة الانتقائية، حيث سعت إسرائيل إلى احتواء تداعياتها سياسيا وإعلاميا، من خلال إعلان وزارة الخارجية الإسرائيلية تعيين السفير الإسرائيلي السابق في أذربيجان جورج ديك مبعوثا خاصا للعالم المسيحي، ونشر نتنياهو مقطعا يظهر جنودا مسيحيين في الجيش الإسرائيلي، بدلا من معالجة جذور السلوكيات العدوانية داخل الجيش.

ومن الأمثلة الميدانية الأخرى على ضعف الانضباط داخل بيئات العمليات، إعلان الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك اعتقال ضابط جيش برتبة رائد على خلفية شبهات تتعلق بتهريب بضائع إلى قطاع غزة، وهي قضية تكتسب أهميتها من طبيعة الاتهام في ظل الحصار المشدد على القطاع، وما يفرضه ذلك من مستويات رقابة يفترض أن تكون أشد.

"تعد حادثة تحطيم تمثال السيد المسيح في قرية دبل بجنوب لبنان مثالا واضحا على غياب الانضباط العملياتي لدى الجيش الإسرائيلي"

ووفق لائحة الاتهام التي قدمتها النيابة العسكرية في أبريل/نيسان 2026، تضمنت الاتهامات مساعدة العدو وتلقي الرشوة وتنفيذ عمليات تهريب، وذلك عقب تحقيق أجرته وحدة التحقيقات الخاصة في الشرطة العسكرية، ما يشير إلى أن هذه الوقائع لا تقتصر على حالة فردية معزولة.

وتشير تفاصيل القضية إلى أن الواقعة تعود إلى عام 2025، حين استغل الضابط موقعه في معبر "كرم أبو سالم" لتسهيل مرور شاحنة محملة ببضائع "محظورة"، شملت هواتف محمولة وسجائر وتبغا وألواحا شمسية ودراجات كهربائية، حيث ضلل الجنود العاملين في المعبر، ورافق الشاحنة باستخدام مركبة عسكرية حتى دخولها إلى قطاع غزة، مقابل حصوله على رشوة تُقدر بنحو 5 ملايين شيكل (نحو 1.3 مليون دولار).

اللافت أن الإعلان عن القضية جاء بعد أقل من 3 أشهر على تقديم النيابة لائحة اتهام بحق 12 إسرائيليا بتهمة تهريب بضائع إلى قطاع غزة، من بينهم شقيق رئيس الشاباك ديفيد زيني. وتكشف هذه الوقائع عن نمط مختلف من تآكل الانضباط يتعلق باستغلال المواقع الحساسة داخل المنظومة العسكرية لتحقيق مكاسب شخصية، رغم افتراض أنها تخضع لإجراءات تدقيق صارمة. وقد أكد المتحدث باسم الجيش أن المؤسسة العسكرية تنظر إلى مثل هذه القضايا بوصفها تهديدا لأمن الدولة.

كتيبة نيتساح يهودا وتبريرات زامير

وفي الإطار ذاته، تبرز كتيبة "نيتساح يهودا" بوصفها أحد النماذج الدالة على الإشكالات المرتبطة بالانضباط داخل الجيش الإسرائيلي، إذ ارتبط اسم هذه الكتيبة، التي تضم عناصر من الحريديم، بسلسلة من الحوادث التي أثارت لغطا داخل المؤسسة العسكرية وخارجها. وتصاعد الاهتمام بهذه الكتيبة عقب حادثة مقتل المسن الفلسطيني الأمريكي عمر أسعد في مطلع عام 2022، بعد احتجازه من قبل عناصر الكتيبة في ظروف قاسية، حيث تُرك مكبلا ومكمما ومعصوب العينين طوال الليل، إلى أن توفي عن عمر 78 عاما.

إعلان

وقد دفعت هذه الواقعة إدارة بايدن إلى بحث فرض عقوبات على الكتيبة بموجب "قانون ليهي"، الذي يحظر تقديم مساعدات أو تدريبات لأي وحدة عسكرية ترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، قبل أن تعلن وزارة الخارجية الأمريكية لاحقا التراجع عن هذه الخطوة.

"تبرز كتيبة نيتساح يهودا بوصفها أحد النماذج الدالة على الإشكالات المرتبطة بالانضباط داخل الجيش الإسرائيلي"

تمتد الإشكالات المرتبطة بهذه الكتيبة إلى نمط من السلوك الميداني اتسم باستخدام مفرط للقوة، والتسبب في قتل مدنيين فلسطينيين في ظروف لا تنطوي على تهديد. وقد دفع ذلك قيادة الجيش الإسرائيلي، في نهاية عام 2022، إلى نقل الكتيبة من الضفة الغربية إلى هضبة الجولان، قبل أن تُنقل عام 2024 إلى قطاع غزة.

ويشير نموذج نيتساح يهودا إلى أن الإشكال يرتبط أحيانا بطبيعة التكوين داخل بعض الوحدات العسكرية، حيث تؤثر الخلفيات الأيديولوجية على الأداء الميداني، بما يزيد من صعوبة فرض نمط انضباط موحد داخل المؤسسة العسكرية.

كتيبة "نيتساح يهودا" ارتبط اسمها بسلسلة من الحوادث التي أثارت لغطا داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وخارجها (الفرنسية)

تشير التقييمات التي نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، وعلى رأسها "هآرتس" إلى حجم التغير في سلوك بعض الوحدات الميدانية، حيث باتت تتصرف في بعض الحالات بشكل أقرب إلى مليشيات مستقلة تنفذ عملياتها دون التزام بإجراءات القتال. وقد دفعت هذه المؤشرات رئيس الأركان إيال زامير إلى عقد اجتماع مع كبار القادة في مايو/أيار، تحدث خلاله عن أن الجيش يواجه تراجعا في الالتزام بـ"قيمه"، ووصف ما يحدث بأنه يمثل وصمة عار أخلاقية، وضرب أمثلة بعمليات النهب في لبنان، وانتشار ظاهرة ارتداء شارات تحمل رسائل سياسية داخل الوحدات، ونشر مقاطع مصورة لجنود وضباط احتياط يعبرون فيها عن مواقف سياسية أثناء ارتداء الزي العسكري.

وشدد على أنه أصدر تعليمات بإنشاء مديرية تابعة لمكتب "المدعي العسكري" للتعامل مع هذه القضايا، وطالب كل قائد كتيبة بالتحقيق في التجاوزات في وحدته كي يقدم تقريرا خلال أسبوع من انعقاد الاجتماع، كما أعلن نية الجيش فرض قيود على استخدام الزي العسكري في الفضاء الرقمي، وتشكيل آليات لمراقبة هذه السلوكيات.

ويشير كبير علماء النفس السابق في جيش الاحتلال رؤوفين غال إلى أن هذه الإشكالات قد تتفاقم بعد انتهاء الحرب، مع توقع تزايد اتجاه مغادرة الجنود للخدمة، والحاجة إلى زيادة حجم الجيش، وهو ما قد يفرض تخفيفا في معايير التجنيد.

في الوقت الراهن، تظل استجابة المؤسسات محدودة، وقد اقتصرت في كثير من الحالات على التعامل مع الوقائع التي أثارت صدى دوليا، بينما جرى الاكتفاء في بقية الحالات بإجراءات جزئية أو تصريحات عامة حول تحسين الانضباط. في هذا السياق، تكتسب ملاحظات يعقوب عميدرور حول تأثير الجذور الميليشياوية في تكوين الجيش الإسرائيلي أهمية تفسيرية، إذ ترتبط مظاهر تراجع الانضباط التي برزت أثناء الحرب بهذا الإرث، ما يقوض سردية "الجيش الأكثر أخلاقية" التي يرددها نتنياهو والمسؤولين الإسرائيليين.



إقرأ المزيد