الجزيرة.نت - 5/15/2026 6:00:48 PM - GMT (+3 )
Published On 15/5/2026
|آخر تحديث: 17:41 (توقيت مكة)
حين يصل طفلك إلى عمر 6 أشهر يبدأ أول مراحله في الاستقلال، فهو لا يخطو أولى خطواته ولا يستعد للذهاب إلى المدرسة.. بل يبدأ في التعرف على عالم جديد هو عالم الطعام.
ومن عمر 6 أشهر حتى نهاية السنة الأولى يدخل الطفل مرحلة جديدة، لا تتعلق فقط بالتغذية، بل ببناء علاقة مع الطعام. ففي هذه الأشهر لا يتعلم الطفل كيف يأكل فحسب، بل يبدأ دماغه في رسم "خريطة" ذهنية للنكهات والقوام والروائح، هذه الخريطة ستؤثر في تفضيلاته الغذائية لسنوات عمره. لذلك فإن ما يقدم له على طبقه الصغير لا يعد مجرد وجبة يومية، بل يمثل استثمارًا مبكرًا في صحته وعاداته الغذائية المستقبلية، ويؤسس لطريقة تعامله مع الطعام مدى الحياة.
طبقًا لتوصيات "منظمة الصحة العالمية" و "الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال"، فإن البدء بإدخال الأطعمة التكميلية يكون عند بلوغ الطفل الشهر السادس، وذلك لسببين رئيسيين:
- الأول أن حليب الأم وحده لا يصبح كافيًا لتغطية الاحتياجات الغذائية المتزايدة للطفل في هذه المرحلة.
- الثاني أن الجهاز الهضمي يكون قد اكتمل نضجه بما يكفي لتقبل الأطعمة الصلبة والمهروسة.
لكن ما يجهله كثير من الآباء هو أن هذه المرحلة لا تتعلق فقط بالتغذية، ففي كل وجبة يتعرف الطفل على عوالم جديدة من المذاق والملمس والرائحة.
التنوع.. سر الذائقة المرنةتعد تلك الفترة من عمر الطفل مرحلة حاسمة لتقبل الطعام والنكهات، إذ يكون أكثر استعدادًا لتجربة أطعمة جديدة وتكوين تفضيلاته الغذائية، وكلما تعرض خلال هذه المرحلة لتنوع أكبر من الأطعمة زادت فرص تقبله لها لاحقًا، وهو ما تؤكده مراجعة علمية أجريت في كلية علم النفس بجامعة برمنجهام البريطانية ونُشرت عام 2017 في مجلة "كرنت نيوتريشن ريبورتس" .
وخلصت الدراسة إلى أن الخبرات الغذائية المبكرة تلعب دورًا أساسيًا في تشكيل الذائقة، وأن تنوع النكهات والقوام منذ بداية إدخال الطعام، خاصة بعد الشهر السادس وقبل نهاية العام الأول، يعزز قبول الأطعمة مستقبلًا، بينما يزيد التكرار المحدود لوجبات معينة من احتمالات الانتقائية الغذائية. ورغم ذلك يقع كثير من الأهل في خطأ شائع يتمثل في تكرار الوجبة نفسها التي يتقبلها الطفل بسهولة مما يحد من فرصه في استكشاف نكهات جديدة.
لا تتوقفي عن المحاولةإطعام الأطفال في ذلك العمر أمر مرهق، ولكن أن يتوقف الوالدان عن تقديم صنف معين بمجرد رفض الطفل له في المرة الأولى فهذا خطأ؛ تشير الأدلة العلمية إلى أن هذا الرفض طبيعي ومؤقت، وأن الطفل قد يحتاج إلى ما بين 8 و15 محاولة قبل أن يبدأ في تقبل الطعام.
إعلان
فالتعرض المتكرر لا يفرض القبول بالقوة، بل يجعل النكهة مألوفة. ومع الألفة يتكون شعور بالأمان يدفع الطفل للتجربة من جديد. لذلك لا يكمن الحل في الإلحاح أو الإجبار، بل في الصبر وتكرار تقديم الوجبة بهدوء وعلى فترات متباعدة دون ضغط.
وأظهرت دراسة فرنسية، أُجريت عام 2013 في مركز "إنرا لعلوم التذوق والتغذية" بجامعة بورغون الفرنسية، حيث خضع 95 رضيعًا لتجربة تقديم هريسة الخرشوف بشكل متكرر، أن الاستهلاك ارتفع بنسبة 63%، كما زاد تقبل الطعم والإعجاب به بشكل ملحوظ، واستمر هذا التأثير حتى ثلاثة أشهر بعد انتهاء التجربة.
وتؤكد هذه النتائج أن التعرض المتكرر خلال مرحلة إدخال الطعام يعد العامل الأكثر تأثيرًا في بناء تقبل الطفل للأطعمة، وأن التنوع مع التكرار المنظم يساهمان في تشكيل عادات غذائية صحية تدوم على المدى الطويل.
التدرج في القوامالتغذية في هذه المرحلة لا تتعلق بالنكهات فقط، بل أيضًا بتدرج القوام الذي يبدأ من الأطعمة المهروسة تمامًا عند عمر 6 أشهر، ثم الانتقال تدريجيًا إلى قطع صغيرة طرية يمكن للطفل إمساكها عند حوالي 8 أشهر، وصولًا إلى مشاركة طعام الأسرة مع تعديلات بسيطة في القوام والملوحة عند عمر السنة.
هذا التدرج لا يلبي الاحتياجات الغذائية فحسب، بل يساهم في تطوير مهارات المضغ والتنسيق بين اليد والفم، ويعزز استقلالية الطفل أثناء الأكل. كما أن تمكينه من تناول الطعام بنفسه يمنحه شعورًا بالإنجاز وينمي مهاراته الحركية الدقيقة. وتأخير تقديم القوام المختلف قد يرتبط بصعوبات لاحقة في تقبل الأطعمة الصلبة، ما يجعل التدرج المبكر عنصرًا أساسيًا في بناء علاقة صحية ومتوازنة مع الطعام.
الاستمتاع.. الطعام ليس واجبًايعد الانتباه إلى إشارات الطفل عند الجوع والشبع والاستجابة لها دون إجبار من أهم أسس بناء علاقة صحية مع الطعام؛ فعندما يظهر الطفل علامات الشبع مثل إغلاق فمه أو إدارة وجهه، ينبغي التوقف عن الإطعام بدلًا من الضغط عليه لإنهاء الوجبة.
فإجبار الطفل على الأكل رغم اكتفائه قد يرسخ لديه بشكل غير واع فكرة أن الطعام واجب لا متعة، وهو ما يرتبط لاحقًا بأنماط أكل غير صحية وزيادة خطر السمنة. لذلك، توصي الإرشادات باتباع أسلوب "التغذية التفاعلية" القائم على مراقبة إشارات الطفل، وتشجيعه بلطف دون ضغط، وتجنب أي شكل من أشكال الإجبار أو العقاب المرتبط بالطعام.
هذا النهج يساعد الطفل على تعلم الإصغاء لجسده والتوقف عند الشعور بالشبع، ما يعزز قدرته الذاتية على تنظيم شهيته، وهي مهارة نفسية وجسدية أساسية تدعم توازنه الغذائي على المدى الطويل.
أجواء الوجبة.. عامل مهمفي ذلك العمر يبدأ الطفل في إدراك محيطه كما يدرك طعامه، فبيئة الوجبة تلعب دورًا أساسيًا في تشكيل ذاكرة الطفل وعلاقته بالطعام. عندما يتناول الطفل طعامه في أجواء هادئة وبمشاركة أفراد الأسرة، مع تقليل المشتتات مثل الشاشات، تتكون لديه صورة إيجابية عن الأكل كتجربة اجتماعية ممتعة لا مجرد مهمة يومية.
ومن المهم الحذر من استخدام الحلوى كمكافأة على إنهاء الطفل لطعامه، إذ قد يؤدي ذلك إلى نتائج عكسية من خلال ربط الأطعمة الصحية بالشعور بالإجبار، وربط الحلويات بالمتعة أو الجائزة.
كما أن الاعتماد على الطعام كمكافأة أو عقاب قد يخلق ارتباطًا عاطفيًا غير صحي بالأكل، مثل التوتر أو الأكل المرتبط بالمشاعر، وهو ما ينعكس لاحقًا على عادات غذائية غير متوازنة. لذلك، فإن مشاركة الطفل وجبات الأسرة وتركه يختبر الطعام بحرية حتى مع بعض الفوضى، يساهم في بناء عادات غذائية مستقرة وإيجابية تدوم على المدى الطويل.
إعلان
تمثل الفترة بين الشهر السادس والشهر الثالث والعشرين من عمر الطفل، مرحلة حاسمة في بناء نمط غذائي صحي طويل المدى. ما يتعلمه الطفل في عامه الأول لا يحدد فقط ماذا يأكل اليوم، بل يسهم في رسم ملامح علاقته بالطعام وصحته لعقود قادمة. والأمر لا يتطلب أكثر من وعي وصبر وتنوع. فكل ملعقة تقدمها لطفلك بحب وتنوع هي خطوة نحو بناء طفل يحب الأكل الصحي، ليس لأن أحدًا أجبره، بل لأنه تعلم منذ البداية أن يحبه.
إقرأ المزيد


