بدون الضغط على رابط أو رسالة.. كيف تراقبنا إسرائيل عبر شركات الاتصالات؟
الجزيرة.نت -

قد يعتقد البعض أنك بمجرد النقر على زر “إغلاق الموقع” (GPS) في إعدادات الهاتف الذكي، قد أصبحت في معزل عن أعين الملاحقين، لكن الحقيقة التقنية الصادمة التي كشفها برنامج “حياة ذكية” تشير إلى عكس ذلك تماما

فخلف شاشاتنا البراقة، تكمن ثغرات في بنية الاتصالات الدولية تتيح لشبكة الاتصالات الحكومية نفسها مراقبتنا، ما يحول إشارات هواتفنا الصامتة إلى سلع تُباع وتُشترى في "سوق سوداء" للتجسس العالمي.

ويركن المستخدم العادي إلى فكرة أن تعطيل خاصية الـ GPS يقطع صلة هاتفه بالأقمار الصناعية، وهذا صحيح تقنيا فيما يخص "التطبيقات". لكن ما يغفل عنه الكثيرون هو أن "الشبكة" التي تمنحك إشارة الاتصال هي ذاتها التي توفر ثغرة لاختراق خصوصيتك.

وتعتمد شركات الاتصال حول العالم على بروتوكولات قديمة تعود جذورها إلى سبعينيات القرن الماضي، مثل بروتوكول SS7 وبديله الأحدث Diameter.

ووفق ما ورد في حلقة (12 مايو/أيار 2026) من برنامج "حياة ذكية" فإن هذه الأنظمة صُممت في زمن "الثقة المتبادلة" بين المشغلين لتسهيل ميزة التجوال الدولي، بحيث يتمكن البرج في أي دولة من تحديد موقعك الجغرافي تقريبيا لضمان إيصال المكالمات والرسائل إليك.

كيف تتم العملية؟

تتم عملية التجسس عبر آلية تقنية معقدة تُعرف بتأجير "العناوين العالمية" (Global Titles)، حيث تتقمص شركات التجسس هوية مشغل اتصالات شرعي لإرسال أوامر تتبع صامتة لا تظهر على شاشة الهاتف ولا تتطلب تفاعلا من المستخدم.

وبحسب تقرير المختبر البحثي "سيتيزن لاب" (Citizen Lab) في جامعة تورونتو بعنوان (اتصال سيء)، تم توثيق أكثر من 15,700 محاولة تتبع جغرافي استهدفت شخصيات بعينها في حملات منظمة تعود لأكتوبر/تشرين الأول 2022.

وفي هذا السياق، كشف تحقيق لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن ملف "المشغلين الأشباح"، مبينا كيف طورت شركة "فيرنت" (Verint) نظام "سكاي لوك" (SkyLock) الذي يعتمد كليا على ثغرات الشبكة الدولية، كما فضحت الصحيفة تورط شركات إسرائيلية مثل "ريزون" (Rayzone) في انتحال هويات مشغلي اتصالات معروفين لتتبع ضحايا عبر شبكات دولية، في صفقات مراقبة مشبوهة بلغت قيمتها ملايين الدولارات.

الخصوصية كسلعة

الخطورة تكمن في تحول هذه الميزة التقنية إلى منتج تجاري. وبحسب تقرير مختبر "سيتيزن لاب" (Citizen Lab) الكندي، فإن هناك شركات اتصالات "شبحية" تقوم بتأجير ما يُعرف بـ "العناوين العالمية" (Global Titles) لشركات تجسس خاصة، غالبا ما تكون مرتبطة بجهات استخباراتية إسرائيلية أو دولية.

هذا التأجير يمنح المهاجم غطاء شرعيا داخل شبكة الاتصال الدولية، مما يتيح له إرسال أوامر تتبع صامتة لهاتفك. وبمجرد استجابة البرج لهذه الأوامر، يتم تحديد موقعك الجغرافي بدقة، بل واعتراض رسائل التحقق النصية (OTP) التي تؤمن حساباتك البنكية ومنصات التواصل الاجتماعي، وكل ذلك يحدث دون أن يظهر لك أي تنبيه، وحتى لو كان نظام الـ GPS في هاتفك معطلا تماما.

ولا يتوقف الخطر عند ملاحقة الأفراد، بل يمتد ليصبح أداة في صراعات الحروب الرقمية وتوجيه الرأي العام. وتكشف الوقائع الأخيرة في المنطقة كيف يتقاطع التجسس الرقمي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصة مع تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما تخللها وسبقها من حملة اغتيالات لقادة ومسؤولين في الحرس الثوري وحزب الله.

فالبيانات التي تُجمع عبر هذه الثغرات تفتح الباب أمام عمليات "الزيف العميق" (Deepfake)، حيث تُستخدم المعلومات المسربة لصناعة روايات مضللة وفيديوهات مفبركة تهدف إلى زعزعة الاستقرار السياسي أو التأثير على نتائج الانتخابات، كما جرى رصده مؤخرا في رومانيا وباكستان.

غياب الرقابة في المنطقة العربية

بينما بدأت هيئات دولية في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بفرض ضوابط صارمة على مشغلي الاتصالات لسد هذه الثغرات ومنع تأجير العناوين الدولية لأطراف مشبوهة، تظل المنطقة العربية تعاني من فراغ تنظيمي في هذا الجانب.

ويرى خبراء التقنية أن المستخدم يظل الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ لا توجد أداة برمجية يمكن للمواطن تحميلها لمنع هذه الهجمات التي تتم على مستوى الشبكة وليس الجهاز.

Published On 12/5/2026

شارِكْ



إقرأ المزيد