تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
الجزيرة.نت -

يصحبنا المؤرخ السوري سامي مروان مبيض في كتاب "شكري القوتلي: أحداث وذكريات"، ذكريات الرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي (1891-1967م). وقد أودع القوتلي هذه المذكرات على شكل أوراق خاصة كأمانة عند أسرته قبل وفاته عام 1967م، وجاءت على شكل رسائل ومذكرات بدأ بكتابتها في أواخر أيامه، إضافة إلى تسجيل قسم منها صوتيا عام 1961م حتى انتهى منها عام 1963م.

اهتم مبيض بهذه التسجيلات، بمبادرة من "مؤسسة الرئيس شكري القوتلي"، فجمعها ودونها، مضيفا إليها بعض التعريفات بالأحداث والشخصيات الواردة فيها.

"كتاب في التاريخ للكاتب المصري محمد فريد وجدي (1878-1954م)، هذا الكتاب "غيّر مجرى حياتي كلها"

سيرة الصبا والبدايات

يسرد الكتاب محطات مهمة من حياة القوتلي الشخصية؛ حيث يتكلم عن طفولته، ونشأته في دمشق وتحديدا في حي الشاغور. وكان يذهب مع الأطفال إلى "الكتاب" أو "الخوجة" ليتعلم.

ويضيف أن "النحاس البغدادي" كان لقب الأسرة ثم غلب عليها لقب "القوتلي"، وقيل إن السبب يعود لأن "أحد أجدادنا أوتي ضخامة في الجسم والطول، وشدة في القوة، فسمي قوتلي". وكان سعيد باشا القوتلي، من كبار تجار دمشق، وهو الثري الكبير الذي عمل مع الأمير عبد القادر الجزائري (1808-1883م). وتنتمي أسرة القوتلي إلى أصول ارتحلت من شبه الجزيرة العربية إلى دمشق عبر العراق.

شكري القوتلي في شبابه (مواقع التواصل الاجتماعي)
كتاب غير حياتي

في عامه الحادي عشر، انتسب إلى مدرسة "مكتب عنبر"، وكانت في الأصل بيتا لرجل ثري اسمه "عنبر"، حيث أنهى فيها دراسته الثانوية. ويضيف أن معلم اللغة العربية كان "عجوزا تركيا اسمه إسماعيل حقي أفندي". ويقول شكري القوتلي إنه اطلع في مكتبة جده لوالدته عطا بك القدسي على كتاب في التاريخ للكاتب المصري محمد فريد وجدي (1878-1954م)، مبينا أن هذا الكتاب "غيّر مجرى حياتي كلها".

وعن أبرز المفاجآت التي كشفها الكتاب، يقول المؤرخ السوري سامي مبيض إن أهم ما فعله الكتاب هو إعطاء "لحم ودم" لأحد أبرز القادة الوطنيين في تاريخ سورية الحديث، إذ "أنسن" الرئيس القوتلي، وأظهر الجانب العائلي والخاص من شخصيته، وتحديدا فيما يتعلق بوالديه، وزوجته، وأولاده. ويوضح أن القوتلي أعطى شهادة مهمة للغاية عما حدث في سورية ليلة الانقلاب الأول، وعن قمته مع تشرشل، وعن علاقته ببقية الزعماء الوطنيين، ولا سيما الرئيس الراحل هاشم الأتاسي.

ما فعله الكتاب هو إعطاء "لحم ودم" لأحد أبرز القادة الوطنيين في تاريخ سورية الحديث

الآستانة.. المدرسة والسياسة

مزج القوتلي في أوراقه بين حياته الخاصة والعملية. سافر القوتلي إلى الآستانة (عاصمة السلطنة العثمانية) على إحدى بواخر شركة "مسّاجيري ماريتيم" (Messageries Maritimes) الفرنسية، ويؤكد أنه لم يجد صعوبة في إيجاد مسكن في الآستانة، حيث يقول: "نزلت عند زوجة جدي التركية". هناك انتسب إلى المدرسة الملكية للعلوم السياسية والإدارية، واستمرت دراسته فيها حتى عام 1912م.

إعلان

ويضيف أن طلبة الولايات العربية كانوا يأتون من دمشق، وحلب، وبيروت، والقدس، وبغداد. وكان من الطلبة: فوزي الغزي، وعبد الله الأسطواني، وسعد الله الجابري من حلب، ومن بغداد توفيق السويدي. ويذكر القوتلي أن عددا من أساتذته في الآستانة كانوا من كبار رجالات الدولة العثمانية، أو من كبار العلماء، مثل: ناظر المالية جاويد، وناظر المعارف عبد الرحمن شرف، وإسماعيل حقي بابان زاده (من أكراد العراق)، ومعروف الرصافي الشاعر العربي العراقي (1875-1945م)، وديكران كيليكيان (من كبار رجالات الأرمن).

انضم القوتلي في إسطنبول إلى "المنتدى الأدبي"، ثم إلى جمعية "العربية الفتاة" التي تأسست في باريس عام 1911م، ومن أعضائها: عبد الغني العريسي من لبنان، ورفيق التميمي من فلسطين، وتوفيق السويدي من العراق، وجميل مردم بك من دمشق. كان القوتلي يحضر اجتماعات "العربية الفتاة" إما في داره أو في دار نسيب البكري، وكان يخفي نشاطه السياسي عن والده، لأنه يكره السياسة، وكان والده يقول له عن بعض الأمور السياسية: "لا تهتم بهذا، ولا تضع وقتك. السياسة مثل السوس لا تزال تنخر الإنسان حتى تقتله".

لكن القوتلي يشير إلى أن أباه كان فخورا به عندما زاروا السياسي ورجل الدولة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، محمد فوزي باشا العظم (1858-1919م)، في داره؛ حيث راح القوتلي يشرح للحضور عن موقف الاتحاديين والموقف الدولي آنذاك، وعندها نظر الحاضرون كلهم إليه بإعجاب، وعندما خرجوا قال له والده: "كنت أريد أن يعرف العالم كله أن الذي كان يتكلم هو ابني".

السلطان عبد الحميد الثاني (الجزيرة)

وعندما عين القوتلي مأمور معية لدى الوالي عارف المارديني في دمشق، والذي كان يحب التبجيل والتعظيم، رفض تقبيل يد الوالي (وهي عادة كان يتبعها الموظفون لديه)، ويؤكد قائلا: "لذا قدمت استقالتي من الوظيفة، فليس من طبعي أن أقبل يد أحد إلا سيدي الوالد" وكان ذلك في عام 1917م.

كانت عبارة "سنرسل الحصان الأزرق حالا" هي "الشفرة" المتفق عليها مع الأمير فيصل لإعلان الثورة. وهكذا انطلقت الثورة في صيف 1916م.

الحصان الأزرق

يسلط الكتاب الضوء على مراحل مفصلية من تاريخ سورية والمنطقة. يقول القوتلي إن الأمير فيصل بن الحسين وصل إلى دمشق في عام 1915م، لمتابعة مشاركة قوات أبيه الشريف حسين بن علي (1853-1931م) في حملة السويس التي شنها الجيش العثماني ضد الإنجليز. وكان الأمير فيصل قد اجتمع بجمال باشا في السراي، ولكن، كما ينقل الكتاب عن القوتلي، فإن فيصلا كان يتصل ببعض "رجالات البلاد سرا ليسبر أعماق عواطفهم ويتأكد من شعورهم، وفي الوقت نفسه كان يتصل بجمال باشا لئلا يرتاب منه".

كانت الاجتماعات تعقد في منزل الزعيم فخري البارودي (1887-1966م) في الشابكلية بحي القنوات. ويضيف القوتلي أن "الأمير فيصل كان في الظاهر مع الأتراك، وفي الحقيقة، أنه جاء لحشد القبائل العربية، استعدادا للقيام بالثورة ضد الأتراك". وكانت عبارة "سنرسل الحصان الأزرق حالا" هي "الشفرة" المتفق عليها مع الأمير فيصل لإعلان الثورة. وهكذا انطلقت الثورة في صيف 1916م.

إعلان

ويرد في الكتاب على لسان القوتلي أن هناك من كان "يخطط لاغتيال والي دمشق جمال باشا (1873-1922م) أثناء تأديته الصلاة في الجامع الأموي برفقة فيصل بن الحسين"، حيث تم إخبار فيصل بذلك لكي يكون حذرا، ولكن لم يحدث ما كان يتأمله مناهضو جمال باشا. وقبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، وانكسار الدولة العثمانية وانهيار جمعية الاتحاد والترقي، رحل الباشا إلى القفقاس، فتتبعه أحد شباب الأرمن وقتله هناك.

"قررت الانتحار لئلا أكون سببا في الإضرار بزملائي"، لكن محاولته فشلت حيث تم إنقاذه في اللحظات الأخيرة

سجن "خان الباشا"

نتيجة لتدهور الأوضاع في الشام، حاول القوتلي التخفي عن الأنظار لأنه أصبح مستهدفا بسبب مواقفه الوطنية، فذهب مع عائلته إلى قرية معرة صيدنايا. وقد لحقته شرطة التحري برئاسة محمد الخربوطلي في يوم 20 أيار/مايو 1916، واصطحبوا القوتلي بحجة أن مدير الشرطة يريد مقابلته. كانت تلك حيلة للإيقاع به؛ حيث تم اقتياده إلى ساحة المرجة سوق علي باشا، ومن هناك إلى "خان الباشا" الذي اتخذه جمال باشا سجنا مؤقتا.

هناك قابل مدير الشرطة توفيق بك البستانلي، وهو من أهل عنتاب من أعمال ولاية ديار بكر. وبعد أيام من اعتقاله، وجهت للقوتلي تهمة الانتماء إلى جمعية "العربية الفتاة". أنكر القوتلي انتماءه إلى تلك الجمعية، ولكن مدير الشرطة فاجأه بمعلومات سرية لا يعرفها إلا أعضاء الجمعية، وذلك استنادا إلى إفادة شكري الأيوبي الذي اعتقل في "خان الباشا".

ويقول معلقا على تلك الحادثة المفصلية في حياته السياسية بعد أيام من الانتظار: "قررت الانتحار لئلا أكون سببا في الإضرار بزملائي"، حيث قطع شريان معصمه، لكن محاولته فشلت حيث تم إنقاذه في اللحظات الأخيرة. ونقل إلى مستشفى الغرباء، وبقي في المستشفى 25 يوما.

ويشير سامي مبيض في حديثه للجزيرة نت إلى أن أهم ما أثار اهتمامه في شخصية القوتلي هو: "سنوات الطفولة والشباب المبكر، قراءاته المبكرة، أساتذته، تجاربه الفتية قبل امتهان السياسة، وعلاقته بأمه حتى بعد أن أصبح زعيما، إضافة لكونه بشرا؛ فهو يغضب من بعض الأشخاص، وقد ظهر ذلك من خلال حديثه مع الدكتور عزيز مريدن في السجن، عندما حمل على صبري العسلي وعادل أرسلان".

المؤرخ سامي مبيّض القوتلي، أعطى شهادة مهمة للغاية عما حدث في سورية ليلة الانقلاب الأول (الجزيرة)

شاهدنا كيف صار الجندي التركي يبيع حصانه أو بندقيته وكل ما يملك من ذخيرة بمبلغ تافه من المال

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى في صيف 1914م، أخذت الدولة العثمانية تنحدر نحو الانهيار بسبب فساد بعض الولاة وتألب الدول الأوروبية ضدها. حيث شرعت القوات التركية بالجلاء عن سورية، وانسحبت معها القوات الألمانية الحليفة في منتصف أيلول/سبتمبر 1918م.

يقول القوتلي: "شاهدت القوات التركية والألمانية تنسحب وتمر أمام دارنا، وشاهدنا كيف صار الجندي التركي يبيع حصانه أو بندقيته وكل ما يملك من ذخيرة بمبلغ تافه من المال". وفيما كان الجنود الأتراك ينسحبون بالقطار، لاحقتهم الطائرات البريطانية بين دمر والهامة وقصفتهم بالقنابل وهم ينقلون الخزينة والأوراق الرسمية.

وفي 1 تشرين الأول/أكتوبر 1918م، دخلت دمشق قوات الشريف ناصر بن علي يرافقه الكولونيل البريطاني توماس إدوارد لورانس، المعروف بلورنس العرب (1888-1936م). وفي هذه الأثناء كان مصطفى كمال أتاتورك (1881-1938م) ينسحب من حلب على رأس القوات التركية نحو الشمال قبل يوم واحد من وصول القوات العربية.

تمثال مصطفى كمال أتاتورك (الجزيرة)

بدأ الأمير فيصل ينظم أعماله، وطلب من شكري القوتلي أن يكون رئيسا للديوان، ولكنه اعتذر

فيصل ملكا

وصل الأمير فيصل إلى دمشق ونظم له استقبال مهيب في ساحة المرجة، وقام بتعيين الفريق علي رضا باشا الركابي (1868-1942م) حاكما عسكريا على سورية، والأمير عادل أرسلان (1887-1954م) معاونا له. بدأ الأمير فيصل ينظم أعماله، وطلب من شكري القوتلي أن يكون رئيسا للديوان، ولكنه اعتذر.

إعلان

توج فيصل في ظهيرة يوم 8 آذار/مارس 1920م. ويشير القوتلي إلى أن التعديات الفرنسية على سورية في هذه المرحلة "كثرت وكانت ممنهجة"، ويقول عن التداعيات السياسية في بدايات العهد الفيصلي: "كان في ظننا أن فيصلا سيعمل على تحقيق أماني البلاد وقرارات المؤتمر السوري العام، لكنه مضى يتصرف على نحو مخالف لذلك".

الملك فيصل الأول في مؤتمر السلام بباريس عام 1919 (غيتي إيميجز)

في هذه الأثناء أخذ العاملون في الحقل الوطني آنئذ "يشكون من تصرفات الأمير فيصل، ويشكون في رحلاته إلى أوروبا لما يرافق ذلك من انتقاص لحقوق البلاد". وبعد قرارات مؤتمر سان ريمو 1920م، أخذ العرب يضغطون على فيصل ليعلن الحرب على فرنسا، ولكن فيصل رفض ذلك.

يقول القوتلي إن "فيصل أراد أن يحكم البلاد حكما ديكتاتوريا". لذلك اتفق أعضاء جمعية "العربية الفتاة" على "الحد من سلطانه". وفي 5 أيار/مايو 1920م، ونتيجة للضغوط العارمة تم تعيين هاشم بك الأتاسي (1873-1960م) رئيسا لحكومة جديدة.

كان نشاط القوتلي في أيام الثورة سريا، إلا أن عيون الفرنسيين تفتحت عليه وصدر بحقه حكم بالإعدام للمرة الثالثة في حياته

يرصد الكتاب التحولات العميقة التي شهدتها الساحة السورية، حيث بدأت مرحلة تاريخية مهمة وبالغة التعقيد بالنسبة للفرنسيين متمثلة بالثورة السورية التي انطلقت في 21 تموز/يوليو 1925م، بقيادة سلطان باشا الأطرش (1891-1982م)، انطلاقا من السويداء، عاصمة جبل الدروز ومركز إدارته. حيث هزم الثوار القوات الفرنسية في أكثر من موقع، وأصدر الأطرش بلاغا يدعو فيه "عامة الشعب السوري إلى حمل السلاح"، وامتدت الثورة سريعا إلى أجزاء مهمة من الجغرافية السورية، إذ تخطت الجبال والوديان وتجاوزت الحدود الجغرافية والدينية.

مبنى محافظة السويداء، ويظهر تمثال سلطان باشا الأطرش أمامه (الجزيرة)

بمقابل ذلك مورست أشد الهجمات عنفا ضد السكان المدنيين، حيث أمر المفوض السامي على سورية الجنرال الفرنسي موريس بول سراي (1877-1929م) بقصف مدينة دمشق القديمة وأماكن أخرى منها: الشاغور، مئذنة الشحم، باب الجابية، وحارة اليهود، وتدمير أبرز معالم مدينة دمشق التاريخية والأثرية.

كان القوتلي المنسق العام بين ثوار سورية وفلسطين. وعندما اشتكى البعض بسبب قلة الإمدادات للثوار وقالوا بأن الثورة أصبحت درزية، خاطبهم القوتلي بحسه الوطني والإنساني قائلا: "لا، فهي سورية تمثل كل المشارب والأديان والطبقات الاجتماعية".

كان نشاط القوتلي في أيام الثورة سريا، إلا أن عيون الفرنسيين تفتحت عليه وصدر بحقه حكم بالإعدام للمرة الثالثة في حياته. في هذه الأثناء غادر سورية متنقلا بين حيفا والحجاز. وعندما كان في فلسطين وقد ضاقت عليه الأحوال المادية، فوجئ بزيارة من قبل والدته وشقيقه عادل. ويروي القوتلي: "أعطوني مبلغا من المال"، وقالوا: "أمس انتهينا من بيع محصول المشمش، وهذه حصتك 600 ليرة عثمانية (نحو 2700 دولار)". يؤكد القوتلي: "كم فرحت بهذا المبلغ لكوني بأشد الحاجة إليه لكي أنفق على الثورة والثوار".

الثورة السورية الكبرى.. يوم الخلاص من المُستعمِر الفرنسي (الجزيرة الوثائقية)
ولادة الجمهورية السورية

تعتبر أوراق القوتلي وما تحتويه من معلومات (ينشر بعضها لأول مرة) عملا سرديا تضاء فيه حياة اجتماعية وسياسية في دمشق وفلسطين والمنطقة العربية منذ بدايات القرن الماضي. ففي نهاية عام 1931م، تم انتخاب السيد صبحي بركات رئيسا للدولة السورية، ولكنه بحسب القوتلي "حكم البلاد بسلطان المفوض السامي، ولم يستمد شرعيته من الشعب".

ويلفت القوتلي إلى أنه في عام 1934م، كانت المفاجأة الثالثة بتعيين الشيخ تاج الدين الحسيني رئيسا للحكومة، خلفا للسيد حقي العظم (1864-1955م). يقول القوتلي: "آلمني هذا التعيين وجرح شعوري وشعور كل مواطن سوري شريف". ويضيف: "اعترضنا على هذا التكليف نظرا لماضي الشيخ تاج الدين السياسي الأسود والمرتبط بالفرنسيين".

ومع حلول يوم 9 أيلول/سبتمبر 1936م، كان الموقف الداخلي في سورية يحتاج إلى التعاون والأناة، والموقف الدولي معقدا، وما زاد الأمور تعقيدا، بحسب القوتلي، "رفض الدروز التعاون مع المحافظ الذي عينه جميل بك في منطقتهم، كانوا يريدون أن يكون المحافظ درزيا". أما العلويون، "فقد عارض الكثير منهم الانضمام إلى الوطن السوري"، ويتابع القوتلي "طالبوا بالعودة إلى الحكم الذاتي الذي كانوا يتمتعون به في سنوات الاحتلال الأولى". جرى التوقيع على معاهدة مع فرنسا اعتبرت بداية لتحقيق المطالب الوطنية السورية، لكن كانت هناك معارضة فرنسية للتصديق على بنود المعاهدة بسبب "تعارضها مع مصالح الشركات الفرنسية في الشرق الأوسط".

إعلان

وفي عام 1943م، بدأ القوتلي يفكر جديا بالمشاركة في الانتخابات لاختيار رئيس للبلاد. يقول القوتلي: "توكلت على الله"، وقد ذهب إلى حمص لاستشارة هاشم الأتاسي الذي بارك خطوته، حيث أصبح شكري القوتلي رئيسا للبلاد.

في مصيف بلودان.. زيارة الوفد الصهيوني لدمشق

في مصيف بلودان الواقع في ريف دمشق الشمالي الغربي، وتحديدا يوم 25 آب/أغسطس 1936م، حيث كان يقيم شكري القوتلي، زاره رجل يهودي يدعى الدكتور فينتو، يرافقه السياسي السوري رئيف خوري (1895-1959م). وقبل الاجتماع قال القوتلي للخوري: "هؤلاء أعداؤنا، ولا أريد أن أقابلهم"، لكن فائز الخوري ألح عليه وقال: "لنستمع لهم، وإن كان عندهم ما يفيد نأخذه، وإن لا، نصرفهم".

وبناء على ذلك، قبل القوتلي الاجتماع بهم. يقول القوتلي: "لم يكن هذا الاجتماع هو الأول بيننا وبين الوكالة اليهودية، ولكنه كان الأول والأخير بالنسبة لي".

في هذه الأثناء كانت الثورة الفلسطينية مشتعلة ضد اليهود في فلسطين بقيادة المفتي الحاج أمين الحسيني (1895-1974م). عمل القوتلي، اجتماعيا وسياسيا، من أجل فلسطين وفي صد الدعاية الإسرائيلية، ويبين أنه "كان يزود الثورة بما تحتاج من مال وسلاح ومؤن"، ويقود حملة مقاطعة "البضائع اليهودية في دمشق".

بمقابل ذلك يذكر القوتلي أن الملك عبد الله بن الحسين (1882-1951م)، ملك الأردن، كان قد التقى سرا مبعوثة "الصهيونية" غولدا مائير (1898-1978م، لاحقا رئيسة وزراء إسرائيل 1969م) مرتين: الأولى في تشرين الثاني/نوفمبر 1947م، والثانية في عمّان 11 أيار/مايو 1948م". ويتابع: "اقترح عليها أن تُوضع فلسطين ضمن حدود دولته مع إيجاد كانتون يهودي فيها، وعندما لم تقبل هذا المقترح، اتفق معها ألا يشتبك جيشه مع اليهود". كان القوتلي من أشد المدافعين عن عروبة فلسطين، وتؤكد أوراقه ذلك، مما دفعه إلى أن يشتري أراض في بيسان الفلسطينية لحماية الأرض من الانتقال إلى اليهود، وليس لجمع الثروة.

دخل مع جنوده شاهرين أسلحتهم، وقال لي ببرود، بعد أخذ التحية العسكرية: فخامة الرئيس، لدي أمر باعتقالك

من القصر إلى السجن.. فالمنفى

كان القوتلي أول حاكم عربي وقع ضحية الانقلابات العسكرية التي عصفت بسورية. ففي ساعة متأخرة من ليلة 29 آذار/مارس 1949م، تحركت دبابات حسني الزعيم (1897-1949م) لقطع أوصال مدينة دمشق النائمة بسلام، والإطاحة بحكمها الشرعي والديمقراطي. في هذه الأثناء سيطرت مجموعات مسلحة على مفاصل العاصمة دمشق: المجلس النيابي، القصر الجمهوري، مركز الهاتف، قيادة الدرك، وإذاعة دمشق.

يقول الرئيس القوتلي: "وصل المقدم إبراهيم الحسيني إلى داري في بستان الرئيس، وكان قائدا للشرطة العسكرية في حينها. دخل مع جنوده شاهرين أسلحتهم، وقال لي ببرود، بعد أخذ التحية العسكرية: فخامة الرئيس، لدي أمر باعتقالك".

كان الأمر صادرا من حسني الزعيم. يصف القوتلي الزعيم بقوله: "رجل فاسد بكل المقاييس"، وكان القوتلي قد توسط لدى الفرنسيين لإطلاق سراح الزعيم المعتقل هو وزوجته في سجن الرمل في بيروت. يذكر القوتلي: "طلبت من الجنرال كاترو إطلاق سراحه، وهكذا كان، تم إطلاق سراحه وتعيينه بطلب من محسن البرازي في دير الزور".

ويتابع: "نقلوني في سيارة عسكرية إلى سجن المزة"، ويذكر إن حسني الزعيم جاءه إلى المكتب "ورمى بنفسه على قدمي، دهشت من هذا التصرف المشين، وقلت له: ماذا تفعل يا رجل؟ قال: أريد أن أقبل قدميك".

حسني الزعيم (مواقع التواصل الاجتماعي)

عاش القوتلي في بيئة سورية وعربية شهدت تحولات عميقة على المستويين الاجتماعي والسياسي. ولا يزال تأثير القوتلي على الأجيال اللاحقة في سورية قائما بسبب مواقفه الوطنية، حيث يقول: "لي جذور في هذا البلد عمرها 7 قرون ونيف، أنا وأبي وأجدادي. لقد جاهدت 40 سنة من أجل استقلال سورية ورفعتها ووحدة أراضيها، وصرفت من مالي، ومن صحتي، ومن شبابي في سبيل هذا الوطن. لماذا؟ لأطرد منه في نهاية المطاف".

وعند سماع الرئيس القوتلي نبأ سقوط الجولان واحتلال شبه جزيرة سيناء والضفة الغربية، أصيب بنوبة قلبية، سرعان ما أدت إلى وفاته، بعيدا عن وطنه، في مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت في 30 حزيران/يونيو 1967م."



إقرأ المزيد