ممر صيني جديد نحو أفغانستان.. هل تتحول كابل إلى عقدة تجارة إقليمية؟
الجزيرة.نت -

في ساحة تجارية مزدحمة غرب العاصمة الأفغانية كابل، ينشغل تجار ومستوردون بمتابعة أخبار افتتاح ممر نقل جديد يربط الصين بأفغانستان عبر آسيا الوسطى، في خطوة يرى فيها كثيرون فرصة لتقليل تكاليف الشحن وتسريع وصول البضائع إلى الأسواق المحلية التي تعتمد بصورة كبيرة على الواردات.

ويتزامن ذلك مع إعلان أوزبكستان مؤخرا افتتاح ممر ترانزيت جديد لنقل البضائع من الصين إلى أفغانستان عبر شبكة سكك حديدية ومسارات برية تمر بدول آسيا الوسطى، بطول يقارب 7400 كيلومتر، وبمدة نقل تقدر بنحو 30 يوما، وفق ما نقلته وسائل إعلام إقليمية.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ويأتي هذا التطور في وقت تسعى فيه أفغانستان إلى تنويع طرقها التجارية وتقليل اعتمادها على المسارات التقليدية، خاصة تلك المرتبطة بالموانئ البحرية، وسط تحديات لوجستية ومالية تواجه حركة الاستيراد والتصدير.

الممر الصيني الجديد يعتمد على سلسلة نقل متعددة المراحل تبدأ من الموانئ الصينية وصلا للمدن الأفغانية (شينخوا)
بديل للمسارات التقليدية

على مدى السنوات الماضية، كانت نسبة كبيرة من البضائع الصينية المتجهة إلى أفغانستان تنقل بحرا إلى ميناء بندر عباس الإيراني، قبل أن تُحمّل على الشاحنات وتدخل الأراضي الأفغانية عبر المعابر الحدودية الغربية.

وكان هذا المسار يعتمد على سلسلة نقل متعددة المراحل تبدأ من الموانئ الصينية مثل شنغهاي ونينغبو، ثم تمر عبر الشحن البحري وصولا إلى إيران، قبل أن تُستكمل الرحلة برا نحو المدن الأفغانية، خصوصا في الغرب مثل ولاية هرات.

لكن الممر الجديد يطرح نموذجا مختلفا يعتمد بصورة أكبر على النقل السككي عبر آسيا الوسطى، إذ تنطلق البضائع من الصين بالقطارات مرورا بكازاخستان وأوزبكستان، قبل أن تُنقل بالشاحنات عبر تركمانستان إلى أفغانستان.

ويرى تجار وخبراء اقتصاديون أن هذا التحول قد يختصر زمن النقل ويقلل من تكاليف الشحن، عبر تقليص عدد مراحل التفريغ وإعادة التحميل، ما يمنح سلاسل الإمداد مرونة أكبر مقارنة بالمسارات البحرية التقليدية.

إعلان

ويقول التاجر الأفغاني عبدالحكيم أحمدي، وهو مستورد للمواد الكهربائية في كابل، إن تأخر وصول البضائع كان ينعكس بشكل مباشر على الأسعار في الأسواق المحلية.

وأضاف خلال حديثه للجزيرة نت، أن أي طريق يقلل مدة النقل ويمنح استقرارا أكبر في وصول البضائع سيكون مهما بالنسبة للتجار، لأن الأسواق تتأثر بسرعة بأي تأخير أو ارتفاع في تكاليف الشحن.

ويرى أحمدي أن تعدد المسارات التجارية يمنح المستوردين مرونة أكبر، خاصة في ظل التغيرات التي تشهدها حركة التجارة الإقليمية.

طموحات أوزبكية ودور إقليمي متصاعد

وخلال السنوات الأخيرة، عززت أوزبكستان حضورها في مشاريع النقل والربط الإقليمي، ساعية إلى التحول إلى مركز عبور تجاري بين الصين وآسيا الوسطى وأفغانستان.

وتنظر طشقند إلى أفغانستان باعتبارها ممرا مهما نحو أسواق جنوب آسيا، كما تسعى إلى توسيع مشاريع السكك الحديدية والبنية اللوجستية المرتبطة بالتجارة العابرة للحدود، في إطار تنافس إقليمي متزايد على طرق النقل والطاقة والتجارة.

ويقول الخبير الاقتصادي الأفغاني سيد مسعود إن الممر الجديد يعكس تزايد أهمية البعد الاقتصادي في علاقات دول المنطقة مع أفغانستان.

وأضاف خلال حديثه للجزيرة نت، أن دول آسيا الوسطى باتت تنظر إلى أفغانستان كسوق وممر تجاري في الوقت نفسه، وليس فقط كملف أمني أو سياسي.

ويرى مسعود أن تنويع طرق التجارة يمنح الاقتصاد الأفغاني هامشا أكبر من الاستقرار، خصوصا في ظل اعتماد الأسواق المحلية بشكل واسع على السلع المستوردة.

أوزبكستان تسعى إلى توسيع البنية اللوجستية المرتبطة بالتجارة العابرة للحدود (الأوروبية)
تجربة سككية تعود إلى 2016

ورغم أن المشروع الحالي يعكس تطورا جديدا، فإن فكرة الربط السككي بين الصين وأفغانستان ليست حديثة بالكامل.

ففي عام 2016، وصل أول قطار شحن تجاري من الصين إلى ميناء حيرتان شمال أفغانستان، بعد رحلة استغرقت نحو 12 يوما عبر كازاخستان وأوزبكستان، في خطوة اعتُبرت آنذاك بداية لتجربة الربط التجاري السككي بين البلدين.

لكن هذه التجربة بقيت محدودة ولم تتحول إلى شبكة نقل واسعة، بسبب ضعف البنية التحتية للسكك الحديدية داخل أفغانستان، إضافة إلى محدودية خطوط النقل الداخلية وعدم اكتمال الربط بين المدن والمراكز التجارية.

تحديات قائمة

ورغم التفاؤل الذي يرافق الإعلان عن الممر الجديد، فإن تحديات عديدة ما تزال قائمة، أبرزها ضعف البنية التحتية داخل أفغانستان، ومحدودية شبكات النقل الداخلية، إضافة إلى التعقيدات المرتبطة بالتحويلات المالية والتبادل التجاري.

كما يشير بعض التجار إلى أن نجاح أي ممر تجاري لا يعتمد فقط على تقليل المسافة أو الوقت، بل أيضا على استقرار الإجراءات الجمركية وتوفر خدمات النقل والتخزين.

ويقول الباحث الاقتصادي خان جان عزيزي إن نجاح الممرات التجارية يرتبط بوجود “بيئة تجارية متكاملة”، تشمل الخدمات المالية والنقل والإجراءات الجمركية.

واعتبر خلال حديثه للجزيرة نت، أن الممرات التجارية وحدها لا تكفي، لأن التجارة تحتاج أيضا إلى نظام مالي مرن، وإجراءات جمركية سريعة، واستقرار في حركة النقل داخل البلاد.

ويقول تاجر المواد الغذائية محمد نبي همدرد للجزيرة نت إن الأسواق الأفغانية تحتاج إلى "الاستمرارية" أكثر من حاجتها إلى مبادرات مؤقتة.

إعلان

وأضاف همدرد أن استمرار هذه المسارات بشكل منتظم قد ينعكس على الأسعار ويوفر السلع، لكن التجار ينتظرون رؤية نتائج عملية على الأرض.

أفغانستان تعتمد منذ سنوات على تصدير مجموعة من المنتجات التقليدية رغم التحديات المستمرة (الأناضول)
فرص تصدير محتملة.. هل تستفيد المنتجات الأفغانية؟

ولا تقتصر أهمية الممر الجديد على تسهيل دخول البضائع إلى أفغانستان، بل يرى خبراء اقتصاديون أنه قد يفتح مستقبلا نافذة جديدة أمام الصادرات الأفغانية، إذا نجحت البلاد في تطوير بنيتها اللوجستية وربط مراكز الإنتاج المحلية بالممرات الإقليمية الجديدة.

وتعتمد أفغانستان منذ سنوات على تصدير عدد من المنتجات التقليدية، أبرزها الفواكه الطازجة والمجففة، والسجاد اليدوي، والأعشاب الطبية، وبعض المنتجات الزراعية، إلا أن ضعف شبكات النقل وارتفاع تكاليف الشحن كانا من أبرز العقبات التي تواجه وصول هذه المنتجات إلى الأسواق الخارجية.

ويقول الخبير الاقتصادي الأفغاني سيد مسعود إن أي ممر تجاري جديد لا يقتصر تأثيره على الاستيراد فقط، بل يمكن أن يتحول إلى "نافذة تصدير مهمة" إذا توفرت البنية المناسبة.

وأضاف أن أفغانستان تمتلك منتجات مطلوبة في أسواق المنطقة، لكن المشكلة الأساسية كانت دائما في النقل والتخزين والوصول إلى الأسواق في الوقت المناسب.

ويرى مسعود أن تقليل زمن النقل عبر آسيا الوسطى قد يمنح بعض السلع الأفغانية، خصوصا الزراعية منها، قدرة أكبر على المنافسة في الأسواق الإقليمية، لاسيما أن جزءا كبيرا من الصادرات الأفغانية يتأثر بسرعة التلف أو ارتفاع تكاليف الشحن الطويل.

كما يشير عاملون في قطاع التجارة إلى أن الممر الجديد قد يخلق فرصا أوسع أمام المنتجات الأفغانية للوصول إلى أسواق آسيا الوسطى والصين، خاصة مع تنامي الطلب الإقليمي على بعض السلع الزراعية والمنتجات التقليدية.

ويقول تاجر الفواكه المجففة في كابل، عبدالواسع صديقي: "كلما أصبحت طرق النقل أسرع وأكثر استقراراً، ازدادت قدرة التجار على تصدير المنتجات الأفغانية، لأن التأخير في الشحن يسبب خسائر كبيرة خصوصاً للمواد الغذائية".

لكن خبراء يؤكدون أن استفادة أفغانستان من هذه الفرص تبقى مرتبطة بعدة عوامل، من بينها تطوير مراكز التخزين والتبريد، وتحسين المعايير الجمركية، وتسهيل عمليات التصدير والتحويلات المالية، إضافة إلى توسيع شبكات النقل الداخلية التي تربط مناطق الإنتاج بالمنافذ التجارية.

ويرى مراقبون أن تحول أفغانستان من مجرد "دولة عبور" إلى طرف مستفيد اقتصاديا من هذه الممرات سيعتمد على قدرتها على دمج الإنتاج المحلي في شبكات التجارة الإقليمية، وليس الاكتفاء بدور الممر الجغرافي للبضائع القادمة من الخارج.

انعكاسات محتملة

ويرى مراقبون أن الممر الجديد قد يسهم مستقبلا في تعزيز دور أفغانستان ضمن شبكات التجارة الإقليمية، خاصة إذا ترافق مع تطوير البنية التحتية وفتح مزيد من خطوط النقل.

كما قد يمنح الأسواق الأفغانية خيارات أوسع للاستيراد، ويخفف من الاعتماد على مسار واحد، في وقت تواجه فيه التجارة العالمية تغيرات متسارعة في طرق الإمداد والنقل.

ويقول خبراء إن تقليل عدد مراحل الشحن والنقل قد ينعكس تدريجيا على تكاليف البضائع داخل الأسواق المحلية، خصوصا بالنسبة للسلع الأساسية والمواد الاستهلاكية.

لكنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى أن التأثير الفعلي سيظل مرتبطا بقدرة أفغانستان على تطوير بنيتها اللوجستية الداخلية وربطها بالممرات الإقليمية الجديدة.

وفي منطقة تتغير فيها خرائط التجارة بسرعة، تبدو أفغانستان أمام اختبار جديد: هل تكتفي بدور الممر الجغرافي، أم تنجح في تحويل موقعها إلى فرصة اقتصادية طويلة الأمد؟.



إقرأ المزيد