عندما يصبح القتل "ترندا".. أين تنتهي الإنسانية؟
الجزيرة.نت -

Published On 9/5/2026

في زمن تتسارع فيه الخوارزميات بوتيرة تفوق قدرة الإنسان على الاستيعاب، يعود إلى الواجهة نقاش قديم بصيغة جديدة: هل ما زال ينظر إلى العنف باعتباره مأساة إنسانية تستوجب الصدمة والتأمل، أم أنه يتحول تدريجيا إلى محتوى قابل للاستهلاك والترفيه؟

هذا السؤال يشكل جوهر مقال رأي نشر في صحيفة ذا تايمز، ويحذر مما يصفه الكاتب بعودة ظاهرة "الموت كوسيلة للترفيه"، ولكن هذه المرة عبر الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، لا في الساحات العامة كما كان الحال في القرون الماضية.

من الإعدام العلني إلى التفاعل الرقمي

يستعيد المقال مقارنة تاريخية تعود إلى القرن التاسع عشر، حين كانت الإعدامات العلنية تشكل أحداثا جماهيرية يتجمع حولها الناس للمشاهدة، في مشهد كان ينظر إليه لاحقا باعتباره تجسيدا لانحدار أخلاقي واجتماعي قبل أن يتم التخلي عنه تدريجيا مع تطور القوانين والقيم الإنسانية.

ويرى أن الفكرة الأساسية لم تختفِ، بل تغيرت أدواتها فقط. فبدل الساحات العامة، أصبحت الشاشات هي المسرح الجديد، وبدل الجمهور المباشر، أصبح الجمهور عالميا ومتصلا على مدار الساعة.

هل تلعب المنصات دورا في إعادة تشكيل استهلاك المحتوى العنيف؟ (الجزيرة)
مشاهد الموت عبر المنصات

يشير المقال إلى أن منصات مثل "تيك توك" و"إكس" تلعب دورا محوريا في إعادة تشكيل طريقة استهلاك المحتوى العنيف، من خلال خوارزميات لا تميز بين خبر إنساني صادم ومقطع ترفيهي، بل تركز على معيار واحد وهو مدى جذب الانتباه.

وهذا المنطق الخوارزمي، يؤدي إلى تضخيم المحتوى الأكثر إثارة، وغالبا ما يكون المحتوى العنيف أو الصادم في مقدمة هذا النوع من المواد، لأنه يحقق أعلى نسب مشاهدة وتفاعل ومشاركة.

العنف أصبح منتج رقمي

لم تعد الحوادث العنيفة تستهلك بوصفها أخبارا بحتة أو أحداثا سياسية معقدة، بل تتحول بسرعة إلى مقاطع قصيرة ومشاهد مجتزأة، وأحيانا إلى مواد ساخرة أو "ميمز" تنتشر عبر الشبكات الاجتماعية خلال دقائق.

إعلان

ويشير الكاتب إلى حادثة اغتيال تشارلي كيرك ضمن سياق حديثه عن كيفية تحول الأحداث الصادمة إلى محتوى رقمي قابل لإعادة الإنتاج والاستهلاك، بعيدا عن سياقها الإنساني أو السياسي، وقريبا من منطق الترفيه السريع.

دور الخوارزميات

يربط هذا التحول بما يعرف بـ"اقتصاد الانتباه"، إذ تصبح قيمة المحتوى مرتبطة بقدرته على جذب المستخدم وإبقائه أطول فترة ممكنة داخل المنصة.

في هذا الإطار، تعمل الخوارزميات على تعزيز المحتوى الذي يثير ردود فعل قوية، سواء كانت صدمة أو غضبا أو فضولا، ما يؤدي إلى إعادة تدوير المحتوى العنيف بشكل مستمر داخل المنصات.

وبحسب الكاتب، لا تكمن المشكلة فقط في وجود هذا المحتوى، بل في البنية التي تكافئ انتشاره وتدفعه إلى واجهة المنصات الرقمية.

التعرض المتكرر لمشاهد العنف قد يؤدي إلى نوع من التبلد العاطفي (الجزيرة)
تبلد المشاعر

التأثير الأخطر لا يظهر فورا، بل يتراكم مع الوقت. فالتعرض المتكرر لمشاهد العنف، ضمن سياقات غير جادة أو ممزوجة بالسخرية والتسلية، قد يؤدي إلى نوع من التبلد العاطفي، ويفقد المستخدم تدريجيا حساسية التفاعل مع هذه الأحداث.

وهذا التبلد،لا يقتصر على الأفراد، بل قد يمتد إلى مستوى اجتماعي أوسع، ويتراجع التعاطف العام مع الضحايا، ويصبح العنف مجرد جزء من التدفق اليومي للمحتوى الرقمي.

وفي الماضي، كانت صدمة المشاهد العنيفة تدفع المجتمعات إلى إعادة التفكير في حدود ما يمكن عرضه في المجال العام.

أما اليوم، فإن التكرار السريع والمكثف لمثل هذه المشاهد على المنصات الرقمية قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة، وهي تحويل الاستثناء إلى اعتياد.

ومع الوقت، لا يعود سؤال "ما الذي حدث؟" هو الأهم، بل "كم عدد المشاهدات التي حققها؟"، وهو ما يعكس تحولا في طريقة إدراك الأحداث نفسها.

وفي المحصلة، يطرح المقال تحذيرا واضحا من أن العالم الرقمي لا يعيد فقط إنتاج المحتوى، بل يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والموت والعنف.

وبينما نجحت المجتمعات الحديثة في الماضي في إخراج الموت من فضاء الترفيه العلني، يبدو أن الفضاء الرقمي أعاده بشكل غير مباشر، ولكن عبر أدوات أكثر تعقيدا وانتشارا.



إقرأ المزيد