حروب الرواية بين واشنطن وطهران.. من يكتب القصة يربح الحرب
الجزيرة.نت -

في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتعثر المسار الدبلوماسي، تكشف مقالات رأي وتحقيقات نشرتها صحف غربية وإسرائيلية عن صورة مركّبة للحرب بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع رهانات الاقتصاد العالمي.

وبينما تختلف زوايا التناول، يتفق الكُتّاب على أن المواجهة مع إيران تحولت إلى اختبار حقيقي لحدود النفوذ الأمريكي، ولمدى قدرة واشنطن على ترجمة تفوقها العسكري إلى مكاسب سياسية مستدامة.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
تاريخ يعيد نفسه

وفي تحليل إخباري بصحيفة وول ستريت جورنال، يرى كاتب عمود الرأي هولمان جنكينز أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يواجه مأزقا إستراتيجيا يشبه إلى حد كبير موقف الرئيس الأسبق جون كينيدي بعد فشل غزو خليج الخنازير عام 1961.

وكان الغزو قد حدث بين يومي 15 و19 أبريل/نيسان 1961 عندما نفذ نحو 1400 من المنفيين الكوبيين -دربتهم وكالة الاستخبارات الأمريكية ومولتهم- إنزالا في شواطئ خليج الخنازير على بعد 250 كيلومترا من العاصمة هافانا بهدف الإطاحة بالنظام الشيوعي بقيادة فيدل كاسترو، لكن العملية سرعان ما فشلت وقُتل أو أُسر معظم المقاتلين.

فكما فشل كينيدي في الإطاحة بالنظام الكوبي آنذاك، يجد ترمب نفسه اليوم أمام خطة لم تحقق أهدافها كاملة بعد تعثر "الخطة أ"، وفق جنكينز.

الأسواق العالمية، من النفط إلى الأسهم، باتت تراهن على أولوية إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما حوّل هذا الهدف من ورقة ضغط أمريكية إلى أداة نفوذ بيد إيران

بواسطة المحلل السياسي هولمان جنكينز

ويحذر المقال من أن إستراتيجية الحصار البحري للموانئ الإيرانية التي تنتهجها واشنطن تحمل في طياتها نقاط ضعف خطيرة، فقد تتحول إلى عبء يستنزف القوات البحرية الأمريكية، ويمنح طهران القدرة على التحكم في توقيت وشكل الخروج الأمريكي من الصراع.

كما أن الأسواق العالمية، من النفط إلى الأسهم، باتت تراهن على أولوية إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما حوّل هذا الهدف من ورقة ضغط أمريكية إلى أداة نفوذ بيد إيران.

ترمب أم نتنياهو: أيهما جر الآخر إلى الحرب؟ (غيتي إيميجز)
أيهما دفع الآخر للحرب؟

من جانب آخر، قدّمت صحيفة يسرائيل هيوم رواية مغايرة بشأن خلفيات الحرب على إيران، كاشفة عن كواليس اللقاءات الحاسمة التي جمعت ترمب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا أواخر عام 2025 وفبراير/شباط 2026.

إعلان

وتنفي الصحيفة أن يكون نتنياهو هو من "جرّ" ترمب إلى المواجهة مع طهران، وذلك استنادا إلى مصادر دبلوماسية وأمنية ذكرت أن القرار الأمريكي بضرب إيران كان نتاج رؤية إستراتيجية مستقلة لدى ترمب، تركز على إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، وليس استجابة لضغوط إسرائيلية.

ويشير التحقيق إلى وجود انقسام داخل الإدارة الأمريكية؛ فبينما رأى وزير الحرب بيت هيغسيث أن إسقاط النظام الإيراني هدف قابل للتحقيق عبر دعم الاحتجاجات والضربات العسكرية المكثفة، أبدى وزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جيه دي فانس شكوكا حيال إمكانية تحقيق ذلك سريعا، محذرين من مغبة تحديد "تغيير النظام" كهدف رسمي للحرب.

كما تكشف المعطيات أن ترمب تأثر بشكل خاص بتجارب سابقة، منها فشل التفاوض مع كوريا الشمالية، مما عزز قناعته بضرورة التحرك قبل أن تمتلك إيران سلاحا نوويا يمنحها حصانة مشابهة.

وإلى جانب ذلك، لعب البعد الجيوسياسي أيضا دورا مهما، إذ يُنظر إلى إيران كحلقة مركزية في شبكة تضم الصين وروسيا، الأمر الذي يجعل إضعافها خطوة تتجاوز الشرق الأوسط إلى موازين القوى العالمية.

رهان واشنطن وثبات طهران

في المقابل، طرح دانيال دي بيتريس الباحث بمركز "أولويات الدفاع" الأمريكي في مقاله بصحيفة تلغراف البريطانية رؤية أكثر تشاؤما، معتبرا أن إيران نجحت في محاصرة ترمب إستراتيجيا عبر الجمع بين الضغط العسكري غير المتكافئ والقدرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.

وكتب في تحليل إخباري بصحيفة تلغراف البريطانية أنه بينما يتباهى ترمب بنجاح الحصار البحري وتدمير آلاف الأهداف داخل إيران، فإن الأخيرة تمكنت من إلحاق ضرر اقتصادي عالمي كبير عبر تقليص تدفقات النفط بنسبة 95%.

ويؤكد التحليل أن الطرفين يخوضان حرب استنزاف غير تقليدية، حيث تراهن واشنطن على خنق الاقتصاد الإيراني، بينما تُعوِّل طهران على رفع كلفة الصراع سياسيا واقتصاديا على الولايات المتحدة وحلفائها.

وفي تقدير دي بيتريس أن تدمير آلاف الأهداف العسكرية وقتل قادة كبار، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي، لم يغير حتى الآن من "المنطق الإستراتيجي" للنظام الإيراني الذي لا يزال ثابتا في مواقفه التفاوضية.

والحالة هذه، يجد ترمب نفسه الآن -بحسب الكاتب- عالقا بين خيارين أحلاهما مر: إما العودة لشن حملة عسكرية واسعة يفضل تجنبها، أو قبول شروط سلام تؤجل الملف النووي إلى أجل غير مسمى.

صحفيون يتحلقون حول مسيّرة شاهد-136 إيرانية الصنع معروضة داخل البرلمان البريطاني (غيتي إيميجز)
ضيق الخيارات وتمدد التداعيات

أما الكاتب توماس فريدمان، فيرى في مقاله بصحيفة نيويورك تايمز أن العالم يمر بلحظة فارقة قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط بالكامل، لكنه يحذر من الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة لا يمكن التنبؤ بنهايتها.

وقال إن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تكشف خللا عميقا في فهم إدارة الرئيس دونالد ترمب لطبيعة الصراعات الحديثة والتحولات التي طرأت على الجغرافيا السياسية بفعل "الحروب غير المتكافئة".

وأضاف أن ثمة تحولا حدث في "الحروب غير المتكافئة"، حيث تستخدم إيران الطائرات المسيّرة لضرب بنى تحتية رقمية في الخليج، فضلا عن اعتماد جماعات مسلحة على وسائل بدائية لصناعة صواريخ منخفضة الكلفة، مقابل أنظمة دفاعية باهظة الثمن.

إعلان

في المحصلة، تعكس هذه القراءات تباينا في تفسير مسار الحرب، لكنها تتفق على نقطة جوهرية وهي أن الصراع دخل مرحلة معقدة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، حيث تتداخل اعتبارات الاقتصاد العالمي، والتوازنات الجيوسياسية، والتطورات التكنولوجية.

وفي حين لا تزال نهاية المواجهة غير واضحة، يبدو أن الخيارات المتاحة أمام واشنطن باتت أكثر ضيقا، وأن أي قرار مقبل سيحمل تداعيات تتجاوز حدود المنطقة إلى النظام الدولي بأسره.

المصدر: تلغراف + نيويورك تايمز + وول ستريت جورنال + يسرائيل هيوم



إقرأ المزيد