الجزيرة.نت - 5/2/2026 5:32:17 PM - GMT (+3 )
لسنوات طويلة، عاشت "المعكرونة" في قفص الاتهام، نُظر إليها كقنبلة موقوتة من النشويات، وصُنفت كعدو لدود لكل من يطمح في خصر نحيف. اضطر الملايين حول العالم لحذفها من قوائم طعامهم بقلب مكسور، معتقدين أن صحن "الباستا" هو تذكرة ذهاب بلا عودة نحو زيادة الوزن. لكن، يبدو أن الوقت قد حان لتقديم اعتذار رسمي لهذا الطبق الإيطالي العريق.
تكشف الدراسات الحديثة، من قلب إيطاليا إلى مختبرات كندا، عن مفاجأة مدوية: المعكرونة بريئة من تهمة السمنة! بل إنها، وبخلاف الاعتقاد السائد، قد تكون شريكا سريا في رحلة الرشاقة إذا ما طُهيت وقُدمت بذكاء. فكيف تحول هذا الطبق من "عدو" إلى "صديق" في أعين العلماء؟
كانت البداية من معهد "نيوروميد" الإيطالي للبحوث والرعاية الصحية، حيث قرر العلماء حسم الجدل العلمي عبر دراسة ضخمة شملت أكثر من 23 ألف شخص من مختلف مناطق إيطاليا. كانت الدراسة تهدف للتحقق من علاقة تناول المعكرونة بمؤشر كتلة الجسم ومحيط الخصر.
وبحسب ما نشرته دورية "نيوتريشن آند ديابيتس" الصادرة عن مؤسسة "نيتشر" المرموقة، جاءت النتائج صادمة للكثيرين من مروجي حميات "صفر نشويات". إذ لم يكتشف الباحثون فقط أن تناول المعكرونة لا يسبب السمنة، بل وجدوا أن استهلاكها بانتظام كجزء من "حمية البحر المتوسط" ارتبط بانخفاض مؤشر كتلة الجسم (BMI) وتراجع في تراكم الدهون حول منطقة البطن (الخصر).
وتوضح الدكتورة ليشيا ياكوفيلو، إحدى كبار الباحثين في الدراسة، أن الرسالة الأساسية هي "الاعتدال". فالمعكرونة في إيطاليا تُعامل كجزء من نسيج غذائي غني، وليست وجبة منفصلة تعتمد على العجين فقط. ووفقا لموقع "ساينس ديلي"، أكد الباحثون أن تجنب المعكرونة تماما قد يكون قرارا خاطئا لمن يسعون لفقدان الوزن بشكل صحي ومستدام.
المعكرونة ليست كالخبز الأبيضوفي الضفة الأخرى من الأطلسي، قام باحثون في جامعة تورنتو الكندية بإجراء مراجعة شاملة ومنهجية لأكثر من 30 تجربة سريرية شارك فيها نحو 2500 شخص، بهدف معرفة تأثير المعكرونة على الوزن عند تناولها ضمن نظام غذائي ذي مؤشر "غلايسيمي" منخفض، وهو نظام لتصنيف المواد النشوية حسب سرعة رفعها لمستوى السكر في الدم.
النتائج التي نشرت في موقع "ببمد" التابع للمكتبة الوطنية للطب كانت حاسمة؛ فالأشخاص الذين تناولوا المعكرونة كجزء من نظام غذائي صحي فقدوا حوالي 0.5 كيلوغرام من وزنهم خلال فترة المتابعة، ولم يسجلوا أي زيادة في دهون الجسم.
إعلان
والسر الذي اكتشفه العلماء يكمن في "البناء الفيزيائي" للمعكرونة. فبينما يعد الخبز الأبيض والبطاطس من الأغذية ذات المؤشر "الغلايسيمي" المرتفع، تعد المعكرونة من الأطعمة ذات المؤشر "الغلايسيمي" المنخفض. هذا يعني أن الجسم يحتاج لوقت أطول لهضمها، مما يوفر تدفقا مستمرا للطاقة دون أن يفرز البنكرياس كميات هائلة من الأنسولين، وهو الهرمون المسؤول عن مساعدة الجسم على استخدام سكر الدم (الغلوكوز) للحصول على الطاقة.
آل دينتي.. الكيمياء الإيطالية خلف الرشاقةإذا ذهبت إلى إيطاليا، ستجد أن طهي المعكرونة حتى تصبح طرية جدا يُعد "خطيئة" في عالم الطبخ. الإيطاليون يفضلونها آل دينتي (Al Dente)، أي صلبة قليلا، وخلف هذا التفضيل الثقافي يكمن سر كيميائي وحيوي مذهل يغير طريقة تعامل أجسامنا مع الطاقة.
من الناحية العلمية، عندما تُطهى المعكرونة لفترة قصيرة وتظل متماسكة، تظل جزيئات النشا داخلها محاصرة في شبكة من الغلوتين (Gluten). هذا البناء يجعل الإنزيمات الهاضمة تجد صعوبة في الوصول إلى النشا بسرعة. والنتيجة:
- إبطاء امتصاص الغلوكوز: مما يحافظ على استقرار مستويات الطاقة.
- تحسين الشعور بالشبع: بفضل هذا الهضم البطيء، يرسل الجسم إشارات الشبع للدماغ لفترات أطول.
- تقليل السعرات الممتصة: جزء من النشا في المعكرونة "الصلبة" يتحول إلى ما يشبه الألياف، فلا يُمتص بالكامل.
تؤكد بعض المنصات الصحية مثل "بي بي سي غود فود" أن المعكرونة ليست "جريمة"، بل هي "لوحة بيضاء" تعتمد صحتها على ما ترسمينه فوقها. في الغرب، غالبا ما تُغرق المعكرونة بالكريمة والأجبان الدسمة، وهذا هو العدو الحقيقي، وليس العجين.
لتحويل المعكرونة إلى وجبة رشاقة، يوصي الخبراء باتباع إستراتيجية "الإضافات الذكية":
- الخضروات: اجعلي كمية الخضروات (مثل البروكلي، السبانخ، الكوسة، أو الفلفل الملون) تعادل حجم المعكرونة في الطبق.
- الألياف الموجودة في الخضروات تعمل كـ "فرامل" إضافية تمنع ارتفاع السكر.
- البروتين هو المفتاح: إضافة الدجاج المشوي، الروبيان، أو التونة، وحتى البقوليات مثل الحمص، يرفع من القيمة الغذائية للوجبة ويحفز عملية الأيض (حرق الدهون).
- الدهون الصحية: استخدام زيت الزيتون البكر الممتاز بدلا من الزبدة أو الصلصات الجاهزة. فزيت الزيتون يحتوي على أحماض دهنية تساعد على تقليل الالتهابات وتزيد من شعور الشبع.
- الصلصات الطبيعية: استبدال الصلصات المليئة بالسكر المضاف بصلصة طماطم منزلية الصنع، مع الثوم والأعشاب مثل الريحان والأوريغانو.
وفقا للدراسات المنشورة في دورية "نيوتريشن بوليتين" وأبحاث جامعة "ساري" البريطانية، فإن تبريد المعكرونة يمنحها خصائص حيوية فريدة. هذه العملية الفيزيائية تُحفز ما يعرف بـ "ارتداد النشا"، حيث يتغير هيكله الجزيئي ليتحول إلى "نشا مقاوم".
هذا النوع من النشا مثل الألياف الغذائية، لا يُهضم في الأمعاء الدقيقة، مما يعني سعرات حرارية أقل. وبدلا من ذلك، يذهب للأمعاء الغليظة ليصبح غذاء للبكتيريا النافعة "البروبيوتيك"، مما يحسن صحة القولون ويقوي المناعة. إنها عملية بسيطة تحول طبق النشويات إلى "طعام رائع!" للأمعاء.
لا يمكن الحديث عن براءة المعكرونة دون التطرق لـ "حجم الطبق". في دراسة معهد "نيوروميد"، لاحظ العلماء أن الإيطاليين يتناولون المعكرونة كجزء من وجبة، وليس كوجبة وحيدة ضخمة. فالحصة المثالية التي توصي بها تقارير "هيلث لاين" هي حوالي كوب واحد من المعكرونة المطبوخة (أو نصف كوب جافة قبل الطهي).
إعلان
والمشكلة الحقيقية في المطاعم السريعة هي تقديم حصص تعادل 3 أو 4 أضعاف الحاجة اليومية. لذا، الرشاقة تكمن في الاستمتاع بالنكهة وليس في "التخمة".
عودة الابن الضال للمائدةالمعكرونة ليست عدوا، بل هي مصدر ممتاز للطاقة المعقدة، والوقود المفضل للدماغ والعضلات. إذا طُهيت بأسلوب "آل دينتي"، وغُمرت بزيت الزيتون والخضروات الملونة، وقُدمت بحصص معقولة، فإنها تصبح حليفا قويا في الحفاظ على الصحة والرشاقة.
لذا، في المرة القادمة التي تشتهي فيها طبق "بيني" أو "سباغيتي" شهيا، لا تشعر بالذنب. تذكر أن سر الرشاقة الإيطالية ليس في المنع، بل في التوازن واحترام جودة المكونات. استمتع بطبقك، وامضغ ببطء، واعلم أن الطريق إلى الرشاقة لا يمر عبر حرمان النفس.
إقرأ المزيد


