تأخير التشخيص ومنع العلاج.. فلسطيني يروي معاناة الإصابة بالسرطان في الأسر الإسرائيلي
الجزيرة.نت -

Published On 2/5/2026

الخليل- من شاب في مقتبل العمر، يتمتع بصحة جيدة وبحيوية مفعمة بحب الحياة والإقبال عليها كباقي أقرانه من هذا الجيل، إلى أسير في سجون الاحتلال الإسرائيلي، التي حوّلته عذاباتها وزنازينها المعتمة إلى مصاب بمرض سرطاني نهش جسده وتركه يصارع الأوجاع وحده داخل المعتقل وخارجه، هكذا غدا حال الأسير الفلسطيني إبراهيم جعفر القاضي.

حين اعتُقل إبراهيم (23 عاما) من منزله في مدينة الخليل في يوليو/تموز 2024، لم يكن يشكو من شيء، وكل ما يذكره عدد الجنود الهائل الذين اقتحموا منزله في الثانية فجرا بعد خلع الأبواب والعبث بمحتوياته، ثم اقتادوه على وقع التنكيل والتعذيب إلى مستوطنة كريات أربع، الجاثمة على أراضي المدينة.

ومن كريات أربع توالت عمليات النقل للأسير إبراهيم، بدءا بمركز اعتقال وتحقيق عتصيون جنوبي مدينة بيت لحم، حيث مكث 55 يوما ومن ثم سجن عوفر الإسرائيلي قرب مدينة رام الله، وهناك وبعد 4 أيام فقط اكتُشف مرضه، بعد أن لاحظ أحد الأسرى تضخما في رقبته، ليبدأ بعدها مسلسل الإهمال الطبي بحقه.

والد إبراهيم القاضي ووالدته يحاولان التخفيف من معاناته بعد الإفراج عنه ونقله إلى المشفى (الجزيرة)
بين السجون والأوجاع

يقول إبراهيم، الذي أُفرج عنه قبل أيام بعد 22 شهرا من الاعتقال وقد خرج بوضع صحي صعب، إنه وبعد ظهور "كتلة ضخمة" في رقبته، طلب من سلطات السجن إحضار الطبيب وفحصه، فرفضوا طلبه بحجة أنها قد تكون كتلة حميدة أو دهنيات، دون أن يجروا له الفحوصات الطبية اللازمة.

وأضاف: خلال إحضاري للمحكمة طلبت طبيبا ليقوم بفحصي، وبعد 6 أشهر وافقوا على إجراء صورة لرقبتي، وبعدها بـ5 أشهر زارني طبيب خاص لأخذ خزعة لمعرفة طبيعة المرض. لكن تضاعفت حالتي سوءا وتوجهت للمحكمة مرة أخرى كحالة طارئة، بعد أن أخّروا أخذ الخزعة.

ومع تصاعد هذا الإهمال الطبي، رغم تشخيص إصابته بسرطان الغدد الليمفاوية، كانت حالة إبراهيم تتفاقم، وبدأت التضخمات تظهر في جسمه وتضغط على أعضائه الداخلية كالكلى والحالب والأعصاب، ومعها تزداد أوجاعه، ولم يقدّّم له سوى المسكنات وخاصة حبة (الأكامول)، وغالبا يرسلها الطبيب مع السجّان.

إعلان

ومن عوفر إلى ما يُسمى مستشفى سجن الرملة، نُقل إبراهيم ليواصل الأسر والعلاج معا، فكان يعامَل كسجين لا كمريض، دون أية حقوق، من حيث قلة الطعام ومعاناة العدّ اليومي مع ما يرافقه من انتهاكات جسيمة.

وخلال عملية عد الأسرى التي تتم 5 مرات يوميا، نجثو على ركبنا لنحو الساعة، ونأخذ العلاج والفحص بشكل مجتزأ، ولا نعود للغرف إلا بعد إنهاء العدّ.

ويقول إبراهيم إن هذا السجن مكتظ بأسرى مرضى، بينهم حالات شلل ومصابون بالرصاص ومرضى الفشل الكلوي، وكل حين نرى وجوها جديدة، وكلما تحسّنت حالة أسير يأتون بآخر مريض. ويضيف "ما نسمعه خارج السجن عنهم ليس كمن يعيش الوضع، إنهم يعانون الإهمال كأسرى وكمرضى أيضا. ورغم تنازلهم عن حقوق كثيرة في الطعام والملابس مقابل أخذ العلاج اللازم، إلا أنهم لم يحصلوا عليه".

محاولات فاشلة

وأمام مشهد الأسر والمرض، عاشت عائلة الأسير المحرر إبراهيم القاضي رعبا وخوفا على حياته، خاصة أنها عرفت بمرضه وهو معتقل، إذ كانت كبقية عائلات الأسرى تتلقف الأخبار من الأسرى المحررين، وسط تكتم سلطات الاحتلال على أوضاع الأسرى الصحية، ولا سيما المرضى منهم.

وحاولت العائلة -يقول والده جعفر القاضي للجزيرة- تسخير كل إمكاناتها لمتابعة وضعه، والضغط حقوقيا وإنسانيا لتقديم العلاج له، لكنها كانت تفشل أمام تعنُّت الاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته القمعية، وخاصة منع زيارة المحامين أو إدخال أطباء لعلاجه أو الضغط للإفراج عنه وإكمال العلاج خارج السجن.

وأضاف الوالد الذي يجلس قرب ابنه بالمستشفى الاستشاري في رام الله حيث يتلقى العلاج "بعد 3 أشهر تمكنّت المحامية من زيارته وأخبرتنا بسوء حالته وتساقط شعره وهزال جسمه". موضحا أن الأطباء هناك بدؤوا يُقيِّمون حالته الصحية من جديد كونه أُطلق سراحه من داخل جلسة طارئة في المحكمة الإسرائيلية دون ملفه الطبي.

ويتهم الوالد سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالتسبب في مرض نجله، ويحمّلها مسؤولية ذلك، وبصيغة الجزم قال "السجن طبعا. إبني لم يكن يعاني من أي شيء قبل اعتقاله، لكن أي شخص يتم سجنه دون تقديم الطعام والشراب يفقد مناعته".

إبراهيم القاضي يصارع السرطان بعد تحرره وعائلته تتهم الاحتلال بالتسبب بإصابته بالمرض (الجزيرة)
آلية تعذيب وإبادة منظمة

من جهته، قال نادي الأسير الفلسطيني (مؤسسة شبه حكومية) في بيان، إنّ الأسير المحرر إبراهيم القاضي واحد من بين آلاف الأسرى المرضى في سجون الاحتلال، الذين يواجهون عمليات تدمير جسدية ونفسية ضمن منظومة تعذيب بنيوية، تُشكّل إحدى أدوات الإبادة الممنهجة والمستمرة بحق الأسرى.

وتُشكّل صور الأسرى وهيئاتهم عقب الإفراج عنهم -حسب النادي- شهادات حيّة على مستوى الجريمة المنظمة وطبيعة الإبادة القائمة داخل السجون، إلى جانب مئات الإفادات والشهادات التي وثّقت عمليات التعذيب والتجويع والجرائم الطبية والاعتداءات الجنسية، والتي أدت إلى استشهاد أكثر من 100 أسير ومعتقل، أُعلن عن هويات 89 منهم، فيما لا يزال العشرات من معتقلي غزة الشهداء رهن الإخفاء القسري.

وتجاوز عدد الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي حتى بداية أبريل/نيسان الماضي 9600 أسير، وهو ما يعكس ارتفاعا بنسبة 83% مقارنة بعددهم قبل حرب الإبادة على غزة، والذي كان 5250 أسيرا.

إعلان



إقرأ المزيد