الجزيرة.نت - 4/29/2026 7:28:00 PM - GMT (+3 )
في لحظة سياسية معقدة تعكس عمق الانقسام داخل الولايات المتحدة، تزداد المواجهات احتداما بين إدارة الرئيس دونالد ترمب وخصومها عبر مسارات متعددة تشمل القضاء والإعلام والسياسة الخارجية، وسط اتهامات متزايدة بتسييس مؤسسات الدولة واستخدام أدواتها لملاحقة المعارضين.
في خضم هذا المشهد، لم تكن إقالة وزيرة العدل السابقة بام بوندي مجرد تغيير روتيني في الحقائب الوزارية، بل كانت -حسب ما أوردته هيئة التحرير في صحيفة واشنطن بوست – فرصة ضائعة لوزارة العدل لإنهاء سلسلة من "الإحراجات القضائية" المتتالية التي طبعت الفترة الماضية.
وفي افتتاحيتها، قالت هيئة تحرير الصحيفة إن قرار الرئيس ترمب إقالة بوندي كان من الممكن أن يمثل فرصة لوزارة العدل لوضع حدّ لسلسلة إحراجاتها المتكررة داخل قاعات المحاكم، إلا أن هذا الاحتمال يبدو غير وارد على الإطلاق.
ففي يوم الثلاثاء، وُجهت لائحة اتهام إلى مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق (إف بي آي) جيمس كومي، بتهمة تهديد ترمب عبر منشور وصفته الصحيفة بـ"الغبي" على وسائل التواصل الاجتماعي في مايو/أيار من العام الماضي.
وزعمت الافتتاحية أن ترمب "يكنُّ كراهية شديدة" لجيمس كومي بسبب دوره في إطلاق التحقيقات المتعلقة بالتدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية لعام 2016، واصفة محاولات الإدارة المستمرة لتوظيف القانون الجنائي في مهاجمة الخصوم السياسيين بالفاشلة.
ووفقا للصحيفة، تم توجيه لائحة اتهام جديدة لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق، وهذه المرة في المنطقة الشرقية من ولاية كارولاينا الشمالية بعد فشل المحاولة الأولى في فرجينيا نتيجة تجاوزات إجرائية في تعيين المدعي العام.
وتستند التهمة الجديدة، التي تثير سخرية قانونية واسعة، إلى منشور لكومي على منصة إنستغرام في مايو/أيار 2025، تضمن صورة لأصداف بحرية على شاطئ رملي تُكوّن رقمي "86" و"47″.
إعلان
وبينما يرمز الرقم 47 بوضوح إلى ترمب الذي يُعد الرئيس الـ47 للولايات المتحدة، فإن الرقم 86 يُستخدم في اللغة الدارجة الأمريكية للدلالة على التخلص من شيء ما، كما يشير في قطاع الضيافة إلى الشخص غير المرغوب فيه.
إرضاء الرئيسغير أن الافتتاحية وصفت القضية بأنها "الأكثر سخفا" ضمن سلسلة محاولات قانونية استهدفت كومي، مشيرة إلى أن إثبات نية التهديد الجنائي وفق المعايير الدستورية الصارمة، خاصة تلك المرتبطة بالتعديل الأول، يبدو أمرا بالغ الصعوبة.
كما لفتت الصحيفة إلى أن كومي حذف المنشور سريعا بعد موجة انتقادات، وهو ما اعتبرته مؤشرا على غياب القصد الجنائي، مرجحة أن يكون المقصود من المنشور التعبير عن رغبة في إقصاء ترمب سياسيا لا جسديا.
وحسب الافتتاحية، فإن هذه الملاحقة، التي يشرف عليها القائم بأعمال وزير العدل تود بلانش، يراها المحللون محاولة مستميتة لإرضاء رئيس يسعى لرؤية خصومه يكابدون "المعاناة تحت طائلة القانون الإجرائي" نفسها التي ذاق الأمرين منها في سنواته السابقة.
وحذرت الصحيفة من أن هذه "المناورة" قد تساعد في تثبيت تود بلانش في منصبه، لكن أمريكا وحتى الحزب الجمهوري قد يدفعان الثمن.
لي ذراع الإعلاموفي مقال رأي آخر، أشارت هيئة تحرير واشنطن بوست إلى أن التوترات بين البيت الأبيض ووسائل الإعلام تأتي على خلفية حملة جديدة استهدفت الممثل الكوميدي جيمي كيميل.
وأوضحت الصحيفة أن لجنة الاتصالات الفيدرالية أعلنت يوم الثلاثاء بشكل مفاجئ، عن مراجعة تراخيص البث الممنوحة لشركة ديزني، المالكة لشبكة (إيه بي سي) الإعلامية قبل موعد استحقاقها بسنوات طويلة.
ويأتي هذا التحرك -حسب رصد الصحيفة- غداة مطالبة ترمب علنا بإلغاء برنامج الكوميدي جيمي كيميل ردا على نكتة وصف فيها السيدة الأولى ميلانيا ترمب بأنها تملك "توهج أرملة منتظرة"، خلال محاكاة ساخرة لعشاء مراسلي البيت الأبيض.
ورغم محاولات رئيس اللجنة برندان كار تصوير التوقيت بأنه "مصادفة" ناتجة عن تحقيقات في مبادرات التنوع والشمول، فإن واشنطن بوست تعتبر استخدام أجهزة الدولة للانتقام من حرية التعبير عملا "غير دستوري بشكل صارخ".
وفي إشارة لا تخلو من تهكم، ذكّرت الصحيفة بأن محاولات ترمب "لي ذراع" الشركات الكبرى غالبا ما تنعكس إيجابا على الضحايا، حيث ارتفعت معدلات مشاهدة كيميل وحقق انتشارا بمليارات المشاهدات على يوتيوب نتيجة هذا الاستهداف الرسمي، مما يثبت فشل الأداة الرقابية في تحقيق مآربها السياسية.
جانب من متظاهرين يحملون شعار "لا ملوك" في احتجاجات بولايات أمريكية العام الماضي ضد سياسات ترامب (الجزيرة)
ترمب ليس ملكافي سياق موازٍ، سلط تقرير نشره موقع "ذا ديلي بيست" الأمريكي الضوء على جدل أثارته منشورات رسمية للبيت الأبيض، بعد نشر صورة لترمب إلى جانب ملك بريطانيا تشارلز الثالث مرفقة بعبارة "ملكان".
واعتبر التقرير الذي أعده الصحفي فيك فيربالايتيس، أن هذه الرسالة تعكس تناقضا مع نفي ترمب المتكرر لأي تشبيه له بالملوك، في وقت تتصاعد فيه احتجاجات داخلية تحت شعار "لا ملوك".
إعلان
ورغم تأكيد الرئيس في مقابلات مع وسائل إعلام أمريكية -مثل برنامج (60 دقيقة) على قناة (سي بي إس) وفوكس نيوز- أنه "ليس ملكا"، فقد واجه انتقادات بسبب قرارات اعتُبرت تجاوزا للصلاحيات.
ويسرد تقرير ذا ديلي بيست قائمة من التصرفات التي تعزز هذا الانطباع، بدءا من فرض تعريفات جمركية عالمية بقرار أحادي في ما سماه "يوم التحرير"، مرورا بنشر مقاطع فيديو أُنتجت بالذكاء الاصطناعي تصوره متوجا فوق طائرة حربية، وصولا إلى الخطوات الأخيرة التي اتخذتها وزارة الخارجية لإصدار جوازات سفر تحمل وجهه وتوقيعه الشخصي.
كما أشار التقرير إلى تحطيمه الجناح الشرقي الملحق بالبيت الأبيض لبناء قاعة احتفالات ضخمة بقيمة 400 مليون دولار دون انتظار الضوء الأخضر من المشرعين، مما يكرس صورة الزعيم الذي يسعى لتجاوز "حواجز الحماية" الدستورية التي تضمن توازن القوى بين السلطات.
سياسة خارجية قوامها التواضعاستعادة التوازن في السياسة الخارجية تتطلب نهجا أكثر تواضعا وتعاونا، قائما على احترام المؤسسات الديمقراطية وبناء توافق داخلي، وهو ما من شأنه أن يبعث برسالة قوية إلى الخصوم بأن أمريكا لا تزال قادرة على التماسك والقيادة
بواسطة الكاتب جوزيف بوسكو
على صعيد السياسة الخارجية، تناول جوزيف بوسكو، المسؤول السابق في وزارة الدفاع -في مقال نشره موقع ذا هيل – التحديات التي تواجهها إدارة ترمب في التعامل مع ما وصفه بـ"محور استبدادي" يضم روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية.
وأبان الكاتب أن هذا التحالف يعمل بشكل منسق لتقويض النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة، مستشهدا بالدعم المتبادل بين هذه الدول في النزاعات الجارية، من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات في الشرق الأوسط.
وانتقد بوسكو ما اعتبره نهجا أحاديا من جانب الإدارة، خاصة في اتخاذ قرارات عسكرية دون تنسيق كاف مع الكونغرس والحلفاء، داعيا إلى إعادة بناء الثقة الداخلية والخارجية، وتعزيز التعاون الدولي لمواجهة التحديات المشتركة.
كما حذر الكاتب من أن استمرار الانقسام السياسي الداخلي قد يضعف قدرة الولايات المتحدة على الردع، ويمنح خصومها فرصة لتوسيع نفوذهم.
وفي ختام مقاله، شدد بوسكو على أن استعادة التوازن في السياسة الخارجية تتطلب نهجا أكثر تواضعا وتعاونا، قائما على احترام المؤسسات الديمقراطية وبناء توافق داخلي، معتبرا أن ذلك من شأنه إرسال رسالة قوية إلى الخصوم بأن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على التماسك والقيادة.
إقرأ المزيد


