الجزيرة.نت - 4/29/2026 4:44:00 PM - GMT (+3 )
نابلس- "كانوا كخفافيش الظلام، ينسلون من التلة ويختبئون بين أشجار الزيتون، يهاجمون كمجموعات مدرّبة وموزعة على أكثر من منطقة في وقت واحد، ويرتدون لباسا موحدا باللون الأسود". هكذا وصف المواطن الفلسطيني وائل الطوباسي هجوم المستوطنين على منزله في قرية جالود جنوب نابلس شمال الضفة الغربية الأحد الماضي.
ومنذ مطلع الأسبوع الجاري يواصل المستوطنون اعتداءات وصفها سكان محليّون بأنها "الأخطر والأعنف" ضد القرية، محاولين فرض واقع جديد عبر سياسة ترهيب هدفها تهجير الأهالي قسرا، دون أن يعلن جيش الاحتلال عن اعتقال أي مستوطن.
ووقع الهجوم في منطقة الظهر حيث يسكن الطوباسي وشقيقه. واستطاع المستوطنون الوصول إلى مخزن المنزل في الطابق الأرضي وإشعال النار فيه، ما أدى إلى احتراق سيارة الطوباسي وتضرر منزله واحتراق أثاثه ومحتوياته.
هجوم وترهيبيصف الطوباسي -للجزيرة نت- ساعة رعب عاشها وهو داخل المنزل المشتعل، قائلا: "كنت مع والدتي وخالي حين هاجمنا المستوطنون بداية بالعصي والحجارة. حاولنا منعهم من الاقتراب، لكنهم اعتدوا على خالي بالضرب، فأصيب في رأسه، ما اضطرنا لاستدعاء الإسعاف".
في الأثناء، كان أهالي القرية يحاولون الوصول إلى منطقة الظهر، للدفاع عن عائلة الطوباسي ومنازلهم، لكن جيش الاحتلال منعهم من التقدم، فيما كانت مجموعة أخرى من العصابات الاستيطانية تهاجم القرية، مستغلة سهولة الاقتحام ووجود الجيش.
ولم يكن هذا الهجوم الأول على منازل عائلة الطوباسي، فمنذ 10 أيام نصب نحو 12 مستوطنا خيمة في محيط المنزل، وصاروا يستفزون العائلة باستمرار.
يقول الطوباسي: "قبل يومين أُصبت بانهيار عصبي نُقلت على إثره إلى المستشفى، لم أحتمل التصرفات التي كانت تحدث أمام عيني. في كل دقيقة يهددوننا بالحرق والقتل، ويرشقون الحجارة على النوافذ، ويحاولون خلع الأقفال. ومنذ 10 أيام أحاول تأمين حماية لنا ولعائلة شقيقي، واتصلت بالارتباط (جهة تنسيق فلسطينية مع جيش الاحتلال) عدة مرات، وتحدثت مع محافظ نابلس أكثر من مرة، ولم يتغير شيء".
بعد الهجوم، بدأت عائلة الطوباسي بتفكيك ما يمكن من مقتنيات المنزل استعدادا للرحيل عنه. وخلال محاولته نقل الأغراض من منازل أولاده التي أحدث فيها المستوطنون فتحات لتسهيل اقتحامهم لها، قال محمود الطوباسي -والد وائل- "قد يتحمَّل الإنسان أي أذى يتعرض له، لكن حين يصل الأذى إلى فلذة كبده فإنه لا يستطيع ذلك".
إعلان
وأضاف في حديثه -للجزيرة نت- "أنا أخلي المنزلين لأضمن حماية أولادي وأحفادي. اليوم شعرت أن حادثة حرق عائلة دوابشة في قرية دوما المجاورة قد تتكرر هنا معنا (…) الهدف ترحيلنا، وللأسف نجحوا في ذلك. لا يمكننا البقاء هنا مع هذا الخطر والتهديد الدائم".
ويسكن قرية جالود الواقعة على سفح جبل قرابة 950 نسمة، وتمتاز أراضيها بخصوبتها واتساعها، ما جعل السكان يعتمدون على الزراعة وتربية المواشي. لكن مساحات الأراضي الزراعية والرعوية في القرية آخذة في التراجع بفعل التوسُّع الاستيطاني الكبير حولها.
ويحيط بالقرية 10 تجمعات استيطانية. ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، زادت هجمات المستوطنين واعتداءاتهم بشكل لافت عليها وعلى القرى المجاورة. إذ تعرضت منذ مطلع العام الحالي إلى 5 هجمات كبيرة ممنهجة من المستوطنين، أبرزها الدخول إلى مدرسة القرية وكتابة شعارات عنصرية على جدرانها وإحراق إحدى الغرف الصفية فيها، إضافة إلى إحراق مزارع الدواجن وتضرر ممتلكات المواطنين.
تحت حماية الجيشبدوره، يتحدث رائد الحج محمد -رئيس مجلس قرية جالود- عن إقامة بؤرة استيطانية جديدة في المنطقة الشرقية من القرية قبل 10 أيام، بدأت بخيمة تمهيدا للتوسع كما يحدث في كل المستوطنات.
ويوضح في حديثه للجزيرة نت "الهجوم الذي حدث على منازل الطوباسي امتد إلى مناطق أخرى في القرية، أُصيب شبان خلال تصديهم للهجوم، وفي المنطقة القريبة من المدرسة تمكنت المجموعات الاستيطانية من إحراق دفيئة زراعية، وحاولوا إحراق منزل آخر، لكن الشبان استطاعوا صد الهجوم".
يؤكد الحج محمد أن الجيش كان موجودا خلال الهجوم الذي استمر أكثر من 3 ساعات، لكنه لم يمنعه، بل شكّل حماية للمجموعات التي كانت تنتقل من مستوطنتي إيش كودش وإحيا القريبتين. مضيفا "ما يزيد على 100 مستوطن انقسموا إلى مجموعات يغلب عليها طابع التنظيم والهجوم المشترك، إضافة إلى ارتداء زي موحد أسود اللون وتغطية الوجه".
وإضافة إلى حرق المنزل والسيارة لعائلة الطوباسي والأضرار المادية في ممتلكات الأهالي، أُصيب في الهجوم 6 مواطنين باعتداءات بالضرب بالعصي والحجارة، بينهم طفل (14 عاما).
بعد مهاجمة جالود، انتقلت العصابات الملثمة إلى قرية القصرة المجاورة، حيث وثّقت مقاطع فيديو لناشطين من القرية مشاهد لأعداد كبيرة من المستوطنين بالزي الأسود ولثام الوجه، يهاجمون الأهالي ويطلقون الرصاص الحي، قبل اقتحام جيش الاحتلال القرية وتفريق السكان لمنع الاحتكاك بهم.
ويتخلل اعتداءات المستوطنين ضرب المواطنين وتكسير المنازل وعمليات الحرق وتخريب الأشجار والمحاصيل الزراعية، حسب الحج محمد. ومنذ مطلع 2026، تعرضت القرية للهجوم خمس مرات من قبل "مجموعات استيطانية منظمة وملثمة تتبع عصابات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير" وفقا لقول رئيس مجلس القرية.
وأمام تطرف المستوطنين وعنفهم، يسعى أهالي جالود إلى تشكيل مجموعات حماية ليلية من شباب القرية لصد الهجمات الاستيطانية، ولمنع نزوح السكان، خاصة في المناطق القريبة من المستوطنات.
إعلان
وأوضح الحاج محمد أن "الاحتلال اقتطع قرابة 17 ألف دونم (الدونم=1000 متر مربع) من أراضي القرية منذ عام 1975 وحتى اليوم، حيث بدأ بإقامة معسكر للجيش، بينما تحيط مستوطنات شيلو وشفوت راحيل وعميحاي وإحيا بالقرية بشكل أساسي".
دولة في خدمة عصاباتوبحسب الصحفي المختص في الشأن الإسرائيلي محمد دراغمة، فإن عمليات المجموعات "الإرهابية" من المستوطنين ارتفعت وتيرتها بشكل ملحوظ منذ تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية.
وأكد دراغمة للجزيرة نت أن ظهور هذه المجموعات بلباس موحد وبطابع الفرق الموزعة، وهو ما يُطلق عليه "جيش المستوطنين"، هو نتاج لمجموعات "فتية التلال" التي تنشط منذ فترة في البلدات والقرى الفلسطينية، وتعتبر هذه المناطق مجالا للتوسع والنفوذ.
وأوضح أنه ورغم استخدام اللثام من قبل هذه المجموعات سابقا، فإن ارتداء اللباس الأسود واللثام معا يدل على تكريس هوية بصرية لهم، وإبراز شكل مختلف عن الماضي، مع تكثيف الاعتداءات وإعطائها طابعا منظما ومدروسا، إذ يعملون ضمن خطط وبرامج.
وأشار إلى أن مجموعات "فتية التلال" تنشط في عموم الضفة، ويمكن القول إنها بدأت تأخذ طابعا رسميا، وأصبحت مكونا أو ضلعا ثالثا من مكونات دولة الاحتلال العاملة على الأرض في الضفة.
وهذه الدولة- واصل دراغمة- تسهّل لهم عملهم في السيطرة على الأراضي وبناء بؤر استيطانية، تكون في البداية غير شرعية، لكنها تُرخّص لاحقا وتصبح مستوطنات معترفا بها. مثلما حدث عند اعتداء جنود الاحتلال على طاقم الصحافة الأجنبية قبل أسابيع في قرية تياسير قرب مدينة طوباس، حين قالوا لهم: نحن هنا للدفاع عن هذه البؤرة وحمايتها، والتي ستصبح مستوطنة خلال الأيام اللاحقة.
وخلال الأسبوع الماضي قتل المستوطنون طفلا وشابا في بلدة المغير شمال رام الله بعد هجوم بالسلاح على مدرسة القرية، كما قتلوا شابا آخر في قرية دير دبوان شرق رام الله.
ومنذ بداية عام 2026، قتل المستوطنون 15 فلسطينيا بالضفة الغربية، بينما استشهد برصاص الجيش والمستوطنين 51 فلسطينيا آخر.
ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن المستوطنين نفذوا 497 اعتداء بالضفة خلال مارس/آذار الفائت، تخللها 256 عملية تخريب للممتلكات، و51 عملية مصادرة وسرقة، واقتلاع وتخريب وتسميم 2286 شجرة، من ضمنها 2121 شجرة زيتون.
وحتى نهاية عام 2025 بلغ عدد المستوطنين بالضفة الغربية نحو 750 ألف مستوطن، بينهم 250 ألفا في مدينة القدس، وفق المصدر ذاته.
إقرأ المزيد


