من جدران المدرسة إلى قفص الاتهام.. محاكمة عاطف نجيب تعيد جراح درعا
الجزيرة.نت -

درعا- "لم أكن أتخيل يوما أن أراه خلف القضبان"، بهذه العبارة اختصر معاوية صياصنة، أحد أطفال درعا الذين اعتُقلوا عام 2011، مشاعره وهو يجلس داخل قاعة محاكمة عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في المدينة، في مشهد طال انتظاره من قبل كثير من الضحايا على مدى أكثر من عقد.

وقال صياصنة للجزيرة نت إنه كان ضمن الأطفال الذين تعرضوا للاعتقال والتعذيب مع بدايات الاحتجاجات، لافتا إلى أن هذه اللحظة "تشبه الحلم" بالنسبة له. وأضاف أنه غادر  درعا متجها إلى دمشق قبل يوم واحد من انعقاد الجلسة، قاطعا نحو 100 كيلومتر، خوفا من أن يفوته حضور محاكمة المسؤول المباشر عن معاناته.

واسترجع ملامح تلك المرحلة، التي بدأت بكتابات على جدران إحدى المدارس في المدينة، قبل أن تتحول إلى شرارة احتجاجات واسعة عقب اعتقال عدد من الأطفال وتعذيبهم، وهي الواقعة التي تركت أثرا عميقا في ذاكرة المدينة وسكانها.

معاوية صياصنة أثناء جلسة محاكمة عاطف نجيب في دمشق (الجزيرة)
بداية العدالة

بالتوازي مع ذلك، تعود قضية الطفل حمزة الخطيب لتحتل مكانا بارزا في وجدان السوريين، بوصفها إحدى أكثر القضايا رمزية في الذاكرة الجمعية.

وقال سراقة الخطيب، شقيق حمزة، في حديثه للجزيرة نت، إنه تابع مجريات المحاكمة، معبرا عن ارتياحه بالخطوة التي "تسر الخاطر"، مشيرا إلى حالة من التفاؤل تسود بين الأهالي بإمكانية تحقيق العدالة، وأن تمثل هذه المحاكمة بداية لمسار أوسع لمحاسبة جميع المتورطين في الانتهاكات.

وتابع أن عاطف نجيب يعد من أبرز المسؤولين عن تعذيب شقيقه، موضحا أن ممارسات الأجهزة الأمنية آنذاك، بما فيها تعذيب الأطفال، كانت من العوامل الرئيسية التي فجرت الاحتجاجات.

درعا تستعيد جراحها ببدء محاكمة عاطف نجيب (الجزيرة)
استحضار الألم

بالنسبة لأمينة أبازيد، لم تكن محاكمة عاطف نجيب حدثا عابرا، بل أعادت إلى الواجهة تفاصيل مؤلمة من مقتل ابن شقيقها مرشد، الذي فقد حياته خلال اقتحام درعا البلد في أبريل/نيسان 2011.

إعلان

وذكرت أبازيد أن مرشد، الذي لم يتجاوز الـ17 من عمره، كان يعاني منذ ولادته من شلل دماغي، ولم يكن عمره العقلي يتعدى 4 سنوات، قبل أن يُصاب برصاص خلال الاقتحام.

وبيّنت أنه نُقل إلى مشفى الصنمين في ظروف معقدة، حيث رافقته لمدة يومين، قبل أن تطلب منها عناصر أمنية مغادرة المكان، لتنقطع أخباره بعد ذلك بشكل كامل.

وأضافت أن العائلة تلقت صدمة قاسية في 24 مايو/أيار 2011، عندما عُثر على جثمانه داخل براد مشفى درعا الوطني، مشيرة إلى وجود آثار "غير طبيعية" على جسده، من بينها خياطة في منطقة البطن وغياب بعض الأعضاء الداخلية.

وأكدت أن العائلة تتابع اليوم مجريات محاكمة عاطف نجيب، وترى فيها بداية لاستعادة حق طفل "لم يكن له أي صلة بما جرى"، وأن معاناته كانت مضاعفة بين المرض والظروف القاسية التي أحاطت به.

المسجد العمري بدرعا الذي كان شاهدا على أولى المجازر  (الجزيرة)
بداية مسار طويل

من جهته، قال مازن أبو نبوت، أحد أهالي درعا البلد، للجزيرة نت، إنه تابع جلسة محاكمة عاطف نجيب عبر شاشة التلفاز، معتبرا أن الأخير "مسؤول عن أولى المجازر في الثورة السورية، لا سيما في درعا البلد، وعلى رأسها مجزرة المسجد العمري في مارس/آذار 2011″.

وأضاف أبو نبوت أنه كان يتوقع أن تسير المحاكمة بوتيرة أسرع، معبرا عن استغرابه من قرار التأجيل، ومؤكدا ضرورة تسريع الإجراءات القضائية.

كما شدد على أهمية أن تكشف المحاكمة عن الجهات التي أصدرت الأوامر بإطلاق النار على المدنيين، والتي أدت إلى مقتل المئات في بدايات الثورة.

وأكد ثقته بالحكومة السورية وقدرتها على ضمان محاكمة عادلة، لكنه في الوقت ذاته يدعو إلى عدم إطالة أمد الإجراءات، وتسريع مسار العدالة "بما يسهم في إشفاء صدور ذوي الضحايا الذين سقطوا برصاص عناصر الأمن التابعة لعاطف نجيب".

محاكمة عاطف نجيب تحولت إلى محور حديث يومي في الشوارع والمجالس (الجزيرة)
مزاج عام بين الأمل والقلق

لم تمر جلسة محاكمة عاطف نجيب كخبر عابر في درعا، بل تحولت إلى محور حديث يومي في الشوارع والمجالس وبين العائلات، حيث عبّر السكان عن مشاعر متباينة تجمع بين الارتياح لانطلاق مسار المحاسبة، والقلق من أن تطول الإجراءات دون الوصول إلى نتائج حاسمة.

وأعادت الجلسة إلى الأذهان ذكريات السنوات الأولى من الاحتجاجات، في ظل تداول واسع لتفاصيلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبين الأهالي.

وقال مؤيد أبو عون، أحد سكان مدينة درعا، للجزيرة نت، إن مشاعره خلال متابعة الجلسة "كانت متناقضة بين الفرح والحزن".

وأوضح أن شعور الفرح نابع من محاسبة أحد أبرز رموز نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، المسؤول عن مجازر عدة راح ضحيتها عشرات المدنيين مع بداية الثورة، غير أن هذه اللحظة أعادت في الوقت ذاته كل الذكريات المؤلمة، وكأنها وقعت من جديد.

من جانبه، يرى ميلاد زطيمة، في حديثه للجزيرة نت، أن محاكمة عاطف نجيب "خطوة مهمة لكنها غير كافية"، مطالبا بكشف كامل لسلسلة المسؤوليات، وعدم الاكتفاء بمحاكمة شخص واحد. ولفت أن الأهالي يتطلعون لمعرفة من أصدر الأوامر بقتل أبنائهم، ومن نفذها، ومن يجب أن يُحاسَب، معربا عن أمله في أن تشكل هذه المحاكمة بداية لمسار أوسع من العدالة لا يتوقف عند هذه القضية.

إعلان

من هو عاطف نجيب؟

عاطف نجيب هو ابن خالة الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، وقد تولى رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا حتى عام 2011، حيث لعب الجهاز الذي كان يقوده دورا بارزا في ملاحقة المتظاهرين، لا سيما خلال حادثة اعتقال الأطفال التي شكلت نقطة تحول مفصلية في مسار الأحداث في سوريا.

وأثارت تلك الحادثة موجة غضب شعبي واسعة آنذاك، وارتفعت المطالب بالإفراج عن الأطفال ومحاسبة المسؤولين عن تعذيبهم، قبل أن تتسع رقعة الاحتجاجات في درعا وتمتد لاحقا إلى مناطق أخرى.

وفي يناير/كانون الثاني 2025، تمكنت عناصر الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية السورية من إلقاء القبض على عاطف نجيب خلال حملة أمنية في محافظة اللاذقية، في خطوة عُدّت من أبرز التوقيفات التي طالت مسؤولين أمنيين سابقين.



إقرأ المزيد