فتح وحماس في مؤتمريهما القادمين ماذا ستقولان للشعب؟
الجزيرة.نت -

تزدحم المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي، بالمقالات والتحليلات التي تتناول المؤتمر الثامن لحركة فتح، كبرى فصائل منظمة التحرير وعمودها الفقري، والمقرر التئامه بعد طول انتظار، في أواسط الشهر المقبل.

فيما خبا الحديث عن مؤتمر آخر، مؤجل لظرف قاهر، يجريه عمود فقري آخر، حركة حماس، لأول مرة بعد طوفان الأقصى، وسط ترجيحات بأن الإرجاء لن يطول كثيرا (أشهرا وليس سنوات)، فحاجة الحركة لانعقاده، لا تُبقي لها ترف الانتظار طويلا.

فتح تعقد مؤتمرها، فيما مشروعها الإستراتيجي الأساس، أوسلو وسلطته، يقيم منذ زمن، في غرفة الإنعاش، ولكن من دون "عناية حثيثة"، بعد أن سُدت الآفاق في وجه انتقال السلطة إلى دولة، تحت وطأة الزحف الاستيطاني الذي لا يُبقي ولا يذر، وعلى وقع العدوانية المنفلتة من كل عقال لجيش الاحتلال وقطعان المستوطنين، وفي ظروف معيشية شديدة القسوة يعيشها "شعب السلطة" في جناحي الوطن المحتل: الضفة والقطاع، وحيث السماء فوق رام الله تبدو ملبدة بغيوم داكنة، مشبعة بانعدام اليقين حول مستقبل السلطة والمشروع والحامل السياسي.

أما حماس، فقد شرعت منذ اليوم، التحضير لأحد أهم وأخطر مؤتمراتها على الإطلاق، وإعداد العدة لمراجعات، تقييمات وتقويمات، لمسارها السياسي و"الجهادي"، بعد تطورات لم يشهد تاريخ القضية الفلسطينية مثيلا لها، وما زالت تداعياتها تضرب بقسوة في مختلف أرجاء الإقليم الممتد من قزوين حتى شرق المتوسط.

دع عنك حاجة الحركة لإسباغ الشرعية على من ملؤوا فراغات القيادة في عامي حرب التطهير والإبادة، والتي تكاد تكون شملت معظم قادة الصفين الأول والثاني في أجهزة الحركة السياسية والعسكرية والإدارية والتنظيمية، من دون إسقاط الحاجة لتجديد القيادة ارتباطا بنتائج  المحاسبة والمراجعة.

فتح ومؤتمرها الثامن

ليس صدفة أن تنحو أغلب التقديرات والتحليلات التي تناولت مؤتمر فتح القادم، منحى تشاؤميا حين يتعلق الأمر بقدرته على انتشال الحركة من براثن التآكل والموات.

إعلان

فالمقدمات تقود إلى النتائج، ومن مقدمات المؤتمر وإجراءاته التحضيرية يمكن الاستنتاج بأن النظام الفلسطيني القائم، لم ينج من داء "هندسة الأحزاب والانتخابات"، التي تجريها أنظمة وسلطات عربية، لضمان نتائج الحدث قبل وقوعه، ولإبقاء المنظومة السياسية والحزبية تحت السيطرة والتحكم.

فالمشرفون على ترتيبات انعقاد المؤتمر والتحضير له، لطالما كانوا جزءا من المشكلة، وليس من المتوقع أن يكونوا جزءا من الحل، حين يتعلق الأمر بفرص استنهاض الحركة وبعثها من تحت ركام أوسلو والسلطة.

وإذا كان استمهال حماس عقد مؤتمرها الأول بعد الحرب، قد قوبل بتفهم أوساط فلسطينية واسعة، بالنظر لحال غزة والحرب التي لم تضع أوزارها بعد، فإن استعجال فتح في عقد مؤتمر، من دون ترتيبات كافية في كل المناطق، قد قوبل بكثير من الشك والتشكيك.

فالمؤتمر الذي تأخر التئامه سنوات طوالا، كان بمقدوره أن ينتظر لأشهر أخريات، لضمان سلامة الإجراءات وحسن التمثيل، وحتى لا يتحول إلى "مهرجان" لتجديد البيعة، وإعادة تدوير القيادات والرموز ذاتها، وتكريس السير على الطريق المسدود ذاته.

وبعيدا عن ركام الأخبار والمعلومات التي يجري تداولها وتسريبها والمتصلة بـ "الهندسات" التي أحاطت وتحيط بالمؤتمر، والتي تضمن عدم خروج نتائجه السياسية والتنظيمية عن الإطار المعد والمرسوم مسبقا، فإن أسئلة جوهرية ما زالت تطرق أذهان الفلسطينيين ونخبهم وقواهم السياسية والاجتماعية: هل سيشكل المؤتمر رافعة استنهاض للحركة؟، وهل استنقاذ الحركة، وإعادتها إلى هويتها الأصلية كحركة تحرر وطني ما زال أمرا ممكنا؟

وهل مأزق الحركة من النوع القابل للعلاج، بمجرد تصعيد نفر من القيادات الجديدة، أو طي صفحة نفر آخر من القيادات القديمة؟ وكيف ستكون صورة فتح وموقعها ومكانتها بعد المؤتمر؟

في ظني، وليس كل الظن إثما، أن فتح تماهت كثيرا مع مشروعها الذي بدأ في أوسلو، وتماثلت مع أهم مخرجاته: السلطة، وإنها اليوم وغدا، تدفع وستدفع، أثمان انهيار هذا المشروع ومخرجاته.

ومن سوء تدبير الحركة، أنها قابلت فشل مسار التفاوض والتكيف مع مندرجاته، بالإصرار على المزيد من التفاوض والتكيف، في الوقت الذي كان فيه عدوها وعدو شعبها، ينتقل إلى تبني مقاربة "ما لا يتحقق بالقوة، يتحقق بالمزيد منها"، متكشفا عن أبشع ما في قاموس العنصرية والإبادة، من مفردات وممارسات.

لقد توفرت للحركة العديد من الفرص للتراجع عن مسارات "التكيف" مع مخرجات الحل الإسرائيلي، بيد أنها فوتتها جميعها، لعل آخرها وأهمها، ما حصل بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وما شهدته فلسطين والإقليم من تغيرات وتحولات.

هي أزمة بنيوية، لا تتصل بالحركة ذاتها فحسب، بل بمشروعها ومخرجاته ومؤسساته، هيهات أن يكون بمقدور مؤتمرها الثامن، أن ينتشلها منها، وأن يستحدث لحظة الانعطاف المُرتجاة.

وإذا كانت الآمال والرهانات، قد انعقدت على إمكانية تشكل "كتلة وازنة" من داخل الحركة تسعى في استنقاذها، بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وحرب التطهير والإبادة، وطوفان الاستيطان وعربدة المستوطنين، ومسلسل التهويد والأسرلة في القدس والأقصى والمقدسات، فقد بددت تجربة "الصمت" التي صاحبت سلوك السلطة والمنظمة، والحركة القائدة لهما، هذه الآمال والرهانات، وباتت الأنظار تتركز نحو تجديد الحركة الوطنية الفلسطينية من خارج صفوف "الحزب القائد" وليس من داخله وبالاعتماد عليه.

إعلان

لا يعني ذلك للحظة واحدة، أن ألوف المناضلين من أبناء الحركة وبناتها، لن يكون لهم مطرح في حركة وطنية جديدة ومتجددة، أظنها "قيد التشكل" بأشكال وصيغ ومناهج جديدة، لكن انتظار أن تأتي المبادرة بـ"تعليق الجرس" من هؤلاء، يبدو ضربا من "انتظار غودو" الذي لا يأتي أبدا.

فقد دللت تجربة السنوات الثلاث الفائتة بالتحديد، أن آليات الضبط والتحكم والسيطرة، متعددة المصادر والأدوات، التي تعرضت لها الحركة خلال ثلث القرن الأخير، قد أجهزت على فرضية كهذه.

فتح ليست أول حركة كفاحية، لا تشبه نهاياتها بداياتها في شيء، فتجارب حركات التحرر الوطني في عالمنا العربي ودول أخرى عديدة، قبل الاستقلالات الوطنية وبعدها، تكشفت عن مسارات اندماج خطر تعرضت لها فصائل تحررية بسلطات محلية متماهية مع المستعمر، مما لا يسمح المقام بتفصيله.

بيد أن الخيبة في الحالة الفلسطينية تبدو مركبة، فلا استقلال ناجزا (أو شكليا) تحقق، فيما التماهي والتماثل مع سلطة لا سلطة لها، بلغ شأوا عظيما.

حماس بانتظار مؤتمرها
لسنا في موقع إطلاق التقديرات والنبوءات بما سيؤول إليه أخطر مؤتمر تنتظره حماس في تاريخها، وإن كنا سنحكم عليه وفقا لمعايير عدة، أهمها: قدرة الحركة على إجراء المراجعة المطلوبة، وتحديدا لما حدث في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ما قبله وما بعده، وكيف ستجيب الحركة عن أسئلة من نوع: مستقبل حماس كحركة مقاومة في ظل الأطروحات والمطالبات بتحولها إلى حزب سياسي في المرحلة المقبلة؟، مصير السلاح ومستقبل أشكال المقاومة المختلفة، وموقع الحركة فيها؟

والأهم من ذلك، وقبل ذلك، هل ثمة حاجة تستشعرها الحركة لإعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني، وما هو تعريفها الجديد لهذا المشروع؟ ما هي الروافع الجديدة لهذا المشروع، وكيف تنظر الحركة لتحالفاتها وأدوات عملها على المستويين الوطني والخارجي (الإقليمي والدولي)؟

كيف يمكن مواجهة مشاريع تصفية القضية الفلسطينية النشطة في بيئة إقليمية ودولية شديدة التغير والتبدل، وكيف يمكنها الاتكاء على الظاهرات الجديدة التي تأتي بها أجيال جديدة من الفلسطينيين في الوطن المحتل والشتات، وأين موقع الحركة منها، وكيف تنظر إليها، وهل هي مهيأة لفعل ذلك؟، والأهم، هل هي قادرة على فعل ذلك، بعد سنوات وعقود من العمل بموجبات "نظرية التمكين"؟

لا خيارات سهلة تنتظر مؤتمر حماس المقبل، فالمؤتمر ينعقد في ظل هجمة شعواء تزداد موجاتها العاتية ارتفاعا وتهديدا لكل حركات الإسلام السياسي في الإقليم والعالم، وبما ينذر بتجفيف البيئات الحاضنة لها.

وما الذي سيتبقى من حماس إن هي فقدت جيناتها الوراثية "DNA": الحركة والمقاومة والسلاح؟ هل ستفعل ذلك، وهل تدرك ما الذي يعنيه أن تصبح مجرد حركة سياسية بمرجعية إسلامية على شاكلة وطراز حركات مماثلة في عدد من الدول العربية؟

كيف ستوفق بين سياق خارجي ضاغط ودافع بهذا الاتجاه، ومقتضيات الخصوصية الفلسطينية، حيث كل الأرض تحت الاحتلال والحصار، وكل الشعب عرضة لمخططات التشتيت والتهجير؟

أسئلة وتساؤلات، لا قيمة لمؤتمر حماس، إن لم يخرج بإجابات واضحة وصريحة عنها، ولا قيمة له إن لم يتمخض عن أطر وآليات عمل ومواقع قيادية جديدة ومتجددة، قمينة بولوج عتبات مرحلة إستراتيجية جديدة، تطل على الحركة والشعب ومختلف القوى الوطنية الفلسطينية، وكفيلة بالتصدي لاستحقاقاتها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد