الجزيرة.نت - 4/28/2026 2:52:44 AM - GMT (+3 )
تعيش هوليود على صفيح ساخن لأسباب كثيرة، تبدأ من الانخفاض النسبي لإيرادات دور العرض، وتمر بالاندماج الهائل الذي جمع شركتي باراماونت (Paramount) ووارنر براذرز (Warner Bros) بقيمة تفوق مئة مليار دولار، وصولا إلى الرعب الأكبر القادم من الشرق الأقصى، والذي يهدد بالقضاء على الإنتاج السينمائي كما عرفته هوليود والعالم في الأعوام المئة الماضية.
أدرك المنتج الأمريكي أن ما يحدث في الصين قد لا يكون مجرد خطوة متقدمة في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل هو بداية إعادة تشكيل كاملة للصناعة السينمائية، إذ ظهر نموذج جديد طورته شركة صينية تقف خلف تطبيق "تيك توك" (TikTok) نجح في إحداث صدمة داخل الأوساط السينمائية.
فقد أثبت النموذج المعروف باسم "سيدانس 2.0" (Seedance 2.0) قدرته على إنتاج فيديو بجودة سينمائية كاملة، تشمل المؤثرات الصوتية والحوار، انطلاقا من أوامر نصية قصيرة، في مستوى من التكامل يجعل النتيجة أقرب إلى ما يُنتج داخل خطوط الإنتاج السينمائي التقليدية.
ظهرت النسخة الأولى من هذا النظام في يونيو/حزيران 2025، لكن النسخة الثانية التي جاءت بعد ثمانية أشهر أثارت ضجة واسعة، بعدما بدت النتائج وكأنها خرجت من استوديوهات حقيقية، وليس من خوارزمية.
لم يقتصر التطوير على تحسين جودة الصورة، بل شمل القدرة على دمج النص والصوت والمشهد في منظومة واحدة، وهو ما لم تصل إليه النماذج الغربية بالدرجة نفسها.
وسرعان ما انتشرت مقاطع قيل إنها صُنعت باستخدام هذا النظام، تضمنت شخصيات شهيرة مثل "سبايدرمان" و"ديدبول"، وحققت انتشارا واسعا، بينما أصبح معيار تقييم هذه التقنية يرتبط بقدرتها على إنتاج مشاهد شبه واقعية إلى حد لافت، مثل مقطع يظهر الممثل ويل سميث وهو يتناول طبقا من المعكرونة أو يواجه مخلوقا خياليا في مشهد يبدو أقرب إلى تلك المألوفة في أفلام تصرف عليها ميزانيات ضخمة.
إعلان
حقوق الملكية الفكرية
هذا التطور لم يمر دون رد فعل، إذ سارعت استوديوهات كبرى مثل "والت ديزني" و"باراماونت" إلى اتهام شركة "بايتدانس" (ByteDance) بانتهاك حقوق الملكية الفكرية، خصوصا بعد استخدام شخصيات محمية بحقوق النشر، فيما بدأت جهات في دول أخرى تحقيقات حول استخدام محتوى مشابه، في وقت تؤكد فيه الشركة أنها تعمل على تعزيز الضوابط المتعلقة بالاستخدام.
وبحسب تقرير لوكالة رويترز، فقد أرسلت هذه الاستوديوهات خطابات قانونية رسمية تطالب فيها بوقف استخدام شخصياتها داخل المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، معتبرة أن هذه الممارسات تمثل تعديا مباشرا على حقوقها التجارية والفنية.
وبدأت جهات تنظيمية في اليابان تحقيقات في استخدام شخصيات "الأنيمي" داخل مقاطع مماثلة انتشرت على الإنترنت، وسط مخاوف من أن تكون هذه النماذج قد تم تدريبها على مواد محمية دون ترخيص مسبق.
وتأتي هذه التطورات ضمن سياق أوسع من النزاعات القانونية المتصاعدة حول الذكاء الاصطناعي، إذ رفعت جريدة نيويورك تايمز دعوى قضائية ضد شركتي "أوبن إيه آي" و"مايكروسوفت"، متهمة إياهما باستخدام محتواها الصحفي في تدريب النماذج دون إذن، كما رفعت منصة "ريديت" دعوى ضد شركة "بيربليكسيتي إي آي"، متهمة إياها بجمع بيانات المستخدمين بشكل غير قانوني، بحسب ما ذكرت وكالة رويترز.
وفي المقابل، بدأت بعض الشركات الكبرى في البحث عن حلول قانونية وتجارية لهذه الإشكالات، إذ أبرمت ديزني صفقة ضخمة للاستفادة من تقنيات توليد الفيديو مع الحفاظ على حقوق استخدام شخصياتها، في محاولة لتحقيق توازن بين الابتكار وحماية الملكية الفكرية.
لكن جوهر القلق داخل هوليود يتجاوز مسألة الحقوق، ليصل إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الصناعة نفسها، إذ تطرح هذه التكنولوجيا احتمال إنتاج أفلام كاملة دون الحاجة إلى مواقع تصوير أو فرق عمل تقليدية، في تحول قد يعيد تعريف دور الإنسان في العملية الإبداعية.
تجربة أكثر خطورةظهرت منصة صينية أخرى تقود التجربة بشكل أكثر شمولا، إذ أطلق "آي كيو آي واي آي" أداة تحمل اسم نادو برو (Nadou Pro)، صُممت لتكون نظاما متكاملا لإنتاج الأفلام والتلفزيون باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتجمع بين مراحل الكتابة والتصميم والتنفيذ داخل بيئة واحدة، مع قدرة على تحويل الأفكار المجردة إلى توجيهات سينمائية جاهزة.
ولا تقتصر الأداة الجديدة على إنتاج مقاطع قصيرة، بل تستهدف معالجة أحد أكبر التحديات في هذا المجال، وهو إنتاج أعمال طويلة بجودة احترافية، عبر دمج قواعد الإنتاج السينمائي داخل الخوارزميات نفسها، مما يسمح ببناء سرد متماسك يقترب من مستوى الأعمال الحية.
وقد دخلت هذه التقنية بالفعل مرحلة الاختبار العملي، واستُخدمت في إنتاج عدد من الأعمال عبر فرق داخل المنصة وشركائها، شملت مجالات متعددة مثل الخيال العلمي والدراما التاريخية، وهو ما يشير إلى أن الأمر لم يعد مجرد تجربة، بل بداية تحول فعلي في طريقة إنتاج المحتوى.
وفي ظل هذه التطورات، تسعى المنصة إلى إنتاج فيلم كامل باستخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحقق نجاحا تجاريا، في خطوة تعكس طموحا يتجاوز حدود التجريب إلى إعادة تعريف السوق نفسه، خاصة مع توقعات تشير إلى إمكانية اعتماد واسع على هذه التكنولوجيا في إنتاج الأفلام والمسلسلات خلال السنوات المقبلة.
إعلان
ويأتي التطوير الجديد ضمن سياق أوسع يشير إلى تقدم الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ تمكنت نماذج أخرى من تحقيق انتشار عالمي سريع، في ظل استثمارات كبيرة تضع هذه التكنولوجيا في قلب الإستراتيجية الاقتصادية، مما يعزز المخاوف من أن تكون المنافسة قد انتقلت من مستوى الأدوات إلى مستوى الهيمنة على مستقبل الصناعة.
الوظائف الإبداعية في دائرة الخطروفي الوقت الذي تبدو فيه هذه الأدوات فرصة للشركات الصغيرة لإنتاج أعمال لم تكن ممكنة سابقا بسبب التكلفة، فإنها في المقابل تثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الوظائف الإبداعية، خاصة مع قدرتها على محاكاة مهام متقدمة كانت تتطلب فرقا كاملة من المتخصصين، من التصوير إلى الإخراج والمؤثرات.
وقد حذر عدد من كبار صناع السينما في هوليوود من مخاوفهم، إذ أكد المخرج والمنتج الأمريكي تيلور بيري لمجلة هوليود ريبورتر أنه أوقف خطط توسعة استوديوهاته بعد الاطلاع على قدرات أدوات الذكاء الاصطناعي، محذرا من تأثيرها المحتمل على الوظائف داخل صناعة السينما.
كما حذر المخرج كريستوفر نولان في مقابلات صحفية من التوسع غير المنضبط في استخدام الذكاء الاصطناعي، معتبرا أن النقاش لا يتعلق فقط بالتكنولوجيا، بل بمستقبل الإبداع والملكية الفكرية.
وقال الكاتب والمنتج نوح هاولي -في تصريحات نقلتها موقع "إندي واير"- إن الذكاء الاصطناعي قد يكون أداة مفيدة، لكنه لا يمكن أن يحل محل التجربة الإنسانية التي تشكل أساس السرد الدرامي.
وفي تقييم تقني يعكس عمق التحول، قال جان ويليم بلوم من استوديو "فيديو ستيت" (Videostate) لموقع "بي بي سي" إن النماذج الجديدة "تبدو أقرب إلى خط إنتاج سينمائي حقيقي"، وهو ما يعزز المخاوف من تقليص الحاجة إلى فرق الإنتاج التقليدية.
كما رأى ديفيد كوك، مدير استوديو "تيني آيلاند برودكشنز" (Tiny Island Productions) للموقع نفسه، أن هذه الأدوات تمنح صناع المحتوى قدرات إنتاجية كانت تتطلب سابقا ميزانيات ضخمة، مما قد يغير طبيعة الصناعة.
وفي المقابل، توقع الرئيس التنفيذي لتلفزيون روكو (Roku) أنتوني وود أن يشهد العالم في السنوات المقبلة أول فيلم ناجح تجاريا مصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي، في مؤشر على أن بعض المنتجين ينظرون إلى هذه التكنولوجيا بوصفها فرصة بقدر ما تمثل تهديدا.
لم يقتصر الجدل على هوليود، بل امتد إلى داخل الصين نفسها، حيث أثارت فكرة استخدام صور الممثلين في أنظمة الذكاء الاصطناعي موجة من الاعتراضات، مع مخاوف من فقدان السيطرة على الهوية الرقمية وإمكانية إعادة استخدام البيانات خارج نطاق التحكم، في وقت يحذر فيه خبراء من مخاطر تقنية وقانونية يصعب احتواؤها.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي نجح في الانتشار على نطاق واسع في منصات الفيديو القصير، فإن انتقاله إلى السينما الطويلة لا يزال يواجه تحديات تتعلق بالجودة والاستمرارية، فضلا عن سؤال أكثر تعقيدا يتعلق بمدى استعداد الجمهور لدفع ثمن مشاهدة أعمال تنتجها الخوارزميات بدلا من البشر.
إقرأ المزيد


