هدنة الرافعات.. كيف استثمرت إيران وقف إطلاق النار لترميم ما دمرته الحرب؟
الجزيرة.نت -

Published On 28/4/2026

|

آخر تحديث: 01:42 (توقيت مكة)

لم تتعامل طهران مع الهدنة بوصفها استراحة عسكرية فحسب، بل تعاملت معها كنافذة عملياتية لإصلاح ما يمكن إصلاحه بسرعة، وإعادة تشغيل ما تعطل من البنى التحتية للنقل والطيران، واحتواء الأضرار المدنية، وبناء رواية داخلية عن قدرة الدولة والمجتمع على التعافي بعد أسابيع من الحرب.

فمنذ دخول وقف إطلاق النار المؤقت حيز التنفيذ في 8 أبريل/نيسان الجاري، بدأت في إيران ملامح سباق موازٍ للمعركة العسكرية، متمثلة في ورش لإعادة فتح مسارات جوية، وفرق فنية على خطوط السكك الحديدية والجسور، ولجان لتقييم آلاف الوحدات السكنية المدمَّرة أو المتضررة، وخطاب رسمي يربط بين إعادة الإعمار والصمود الوطني.

ترميم عسكري بعيد عن الأضواء

في الملف العسكري، ظلّت التفاصيل المباشرة محدودة، كما هي العادة في التعامل الإيراني مع القواعد والمنشآت الحساسة. غير أن صور الأقمار الاصطناعية -التي حللتها الجزيرة خلال الحرب- كشفت حجم الاستهداف الذي طال مواقع عسكرية وصناعية وبنى مرتبطة بالبرنامج الصاروخي في مدن عدة، بينها طهران وكرمانشاه وتبريز وشيراز وخرم آباد ويزد.

وأظهرت تلك الصور أضرارا في منشآت فوق الأرض، ومداخل أنفاق، ومرافق لوجستية، وطرق داخلية. وفي طهران وحدها، برزت مجمعات مثل بارشين وخوجير ضمن خريطة الاستهداف، وهو ما يفسر أن جزءا أساسيا من استثمار الهدنة جرى بعيدا عن الكاميرات، في إعادة تأمين القواعد، وترميم المداخل، واستعادة الحد الأدنى من الجاهزية.

ولدى طهران تجربة حديثة في هذا النوع من الترميم، إذ وثقت صور أقمار اصطناعية -حللتها الجزيرة قبل الهدنة الأخيرة- أعمال إصلاح جزئية في منشآت نووية وعسكرية ومطار مدني، بينها نطنز وفوردو وأصفهان، فضلا عن مرافق عسكرية في تبريز وكرمانشاه، وإصلاحات في مدرج مطار تبريز.

لذلك، بدت الهدنة الأخيرة امتدادا لهذا السلوك، الذي يهدف إلى تقليل الأثر المرئي للضربات، وإعادة تشغيل ما يمكن تشغيله، من دون إعلان تفصيلي عن أضرار كل موقع.

مشهد من الدمار في أحد مباني السلطة القضائية وسط طهران (الجزيرة)
المطارات.. عودة تدريجية لا قفزة كاملة

في قطاع الطيران، اختارت إيران مسارا حذرا، حيث أعلنت منظمة الطيران المدني الإيراني إعادة فتح المجال الجوي على 4 مراحل، تبدأ بالرحلات العابرة، ثم الرحلات القادمة من مطارات شرق البلاد، فمطارَي مهر آباد والإمام الخميني في طهران، وصولا إلى مطارات غرب البلاد.

إعلان

لم يكن القرار فنيا فقط، حيث إن استئناف الطيران بعد الحرب يحتاج إلى أكثر من سلامة المدرجات، أي جاهزية أنظمة الملاحة، وتأمين المجال الجوي، وطمأنة شركات الطيران بأن العبور فوق إيران لم يعد مغامرة.

السكك والجسور.. سرعة الترميم كرسالة

كان ملف السكك الحديدية والجسور هو الأكثر حضورا في الرواية الإيرانية عن الهدنة. فالسكك ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي شريان داخلي للبضائع والركاب، وتعطلها يعني أن آثار الحرب انتقلت من الجبهة إلى الحياة اليومية.

في قم، قدمت السلطات نموذجا لسرعة الاستجابة، إذ أعلنت وكالة "إرنا" للأنباء أن جسرا حديديا من 7 فتحات -تضرر في الهجمات- أعيد بناؤه وأُدخل الخدمة خلال أقل من 40 ساعة. ووفق الرواية الإيرانية، فإن الجسر يقع على محور حيوي يربط قم بجنوب البلاد، ويخدم حركة الركاب والبضائع.

بهذا المعنى، لم يكن ترميم الجسر مجرد عمل هندسي، بل جزءا من معركة الصورة، فكل قطار يعبر من جديد يصبح دليلا على أن البنية التحتية لم تخرج من الخدمة طويلا، وأن الدولة قادرة على احتواء الأضرار بسرعة.

غالبية الأطلال الصامتة في طهران لم تقترب منها يد الإعمار بعدُ (الجزيرة)
السكن.. العبء الأثقل

لكن ما يسهل ترميمه في جسر أو مدرج لا ينطبق على البيوت. فإعادة بناء المساكن قد تكون أكثر كلفة وتعقيدا، لأنها ترتبط بعائلات فقدت مأواها، وتعويضات، وتقييم أضرار، وتأمين مواد بناء، ومقاولين، وتمويل.

وأعلنت مؤسسة الإسكان الإيرانية أن فرقها قيّمت 99 ألفا و878 وحدة سكنية متضررة، بالتعاون مع خبراء من الجهاز القضائي ومنظمة الهندسة.

كما قالت إن البلديات تتولى إعادة بناء الوحدات المتضررة في المدن الكبيرة، بينما تعمل مؤسسة الإسكان في مئات المدن والقرى.

يكشف هذا الرقم الجانب الأقل ظهورا في الهدنة. فوقف إطلاق النار لا يعني فقط صمت الطائرات والصواريخ، بل بداية مواجهة يومية مع الأنقاض: أين تسكن الأسر؟ من يعوضها؟ ما الذي يُرمَّم أولا؟ وما الذي يحتاج إلى هدم وإعادة بناء كاملة؟

جسر لسكة حديدية في إيران تعرض للقصف في الحرب (تسنيم)
الجامعات والتراث.. إعادة بناء المعنى

لم تقتصر أضرار الحرب -وفق الرواية الإيرانية- على الحجر والبنية التحتية، بل شملت أيضا مؤسسات علمية وثقافية. فقد أعلن وزير العلوم الإيراني تضرر 32 مركزا علميا وجامعيا، بينها جامعات شريف الصناعية، وأصفهان الصناعية، وعلم وصنعت، وشهيد بهشتي.

ولهذا شدد محمد رضا عارف -النائب الأول للرئيس الإيراني- على إعطاء الجامعات أولوية في إعادة الإعمار، باعتبارها جزءا من قدرة البلاد العلمية والتكنولوجية.

كما ربطت الحكومة بين إعادة البناء ومعايير السلامة والاستدامة، وتسجيل الأضرار البيئية، وتخفيف الضغط الاقتصادي عن السكان والشركات.

وفي ملف التراث، اتخذت الهدنة بعدا رمزيا أوضح. فقد أعلنت وزارة التراث الثقافي الإيرانية التحضير لحملة وطنية ودولية لإشراك خبراء الترميم والإيرانيين في الخارج في إعادة تأهيل المباني التاريخية المتضررة. كما تحدثت مصادر إيرانية عن تضرر 149 أثرا تاريخيا ومتحفا في 20 محافظة، بينها مواقع مسجلة تراثا عالميا ومتاحف وبنى تاريخية.

هنا لا يعود الإعمار مجرد إعادة جدار إلى مكانه. إنه محاولة لإصلاح ما أصاب الذاكرة العامة، وإعادة تثبيت رموز الهوية في بلد يقدم تاريخه بوصفه جزءا من صلابته السياسية.

ميناء جاسك المطل على بحر عُمان في جنوبي إيران (إرنا)
الموانئ.. بين الترميم والحصار

أما الموانئ، فبدت أكثر تعقيدا. ففي جانب منها، أظهرت صور الأقمار الاصطناعية خلال الحرب تعرض البنية الساحلية في جاسك للقصف، بما شمل دمارا ملحوظا في رصيف ميناء جاسك واختفاء عدد من السفن التي كانت راسية هناك قبل الهجوم.

إعلان

لكن في مرحلة الهدنة، لم يظهر ملف الموانئ كورشة ترميم فقط، بل كورقة ضغط اقتصادي وسياسي. فالحصار البحري الأمريكي للموانئ الإيرانية وضع صادرات النفط وقدرات التخزين تحت ضغط مباشر، وأعاد مضيق هرمز إلى قلب الحسابات بين طهران وواشنطن.

ولذلك، كان استثمار إيران للهدنة عند الموانئ مختلفا عن الجسور والمطارات. في السكك يمكن إرسال فرق فنية، وفي المطارات يمكن اختبار المدرجات والملاحة، أما في الموانئ فالمشكلة ليست هندسية فقط، بل مرتبطة بحرية الحركة والتصدير والضغط التفاوضي.

مساحة بين حربين

استثمرت إيران الهدنة على 3 مستويات متداخلة: أولا، ترميم سريع للبنى القابلة للتشغيل، مثل الجسور والسكك الحديدية والمطارات. ثانيا، إعادة ترتيب صامتة للمواقع العسكرية والحساسة التي يصعب الإعلان عن تفاصيلها. وثالثا، تحويل الإعمار المدني والأهلي إلى رواية سياسية عن الصمود والتعافي.

غير أن الهدنة لم تُنهِ آثار الحرب. فقد كشفت أن ما يمكن إصلاحه بالإسفلت والحديد أسرع بكثير مما يمكن إصلاحه في السكن والجامعات والتراث والموانئ.

ولذلك، تبدو الهدنة في الحالة الإيرانية مساحة بين حربين: حرب توقفت فيها الصواريخ مؤقتا، وحرب أخرى يبدأ فيها الوسطاء والفرق الهندسية والرافعات أعمالهم في وقت واحد.



إقرأ المزيد