كيف تعيد تركيا تشكيل موقعها داخل الناتو ومنظومة الأمن الأوروبي؟
الجزيرة.نت -

تشهد مكانة تركيا داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومنظومة الأمن الأوروبي تحولات متسارعة، في ظل بيئة دولية متقلبة وتباين في الرؤى داخل الناتو.

وتبرز أنقرة كفاعل يعيد تموضعه، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي وتطور قدراتها العسكرية، في حين تتكشف في المقابل فجوة أوروبية بين الإقرار بأهمية دورها والاستمرار في مقاربة متحفظة معها، حسبما أوردت وسائل إعلام تركية.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وتحمل زيارة الأمين العام للناتو مارك روته لتركيا دلالات إستراتيجية متعددة في سياق تغير بنية الأمن داخل الحلف وقمته المرتقبة في أنقرة في يوليو/تموز القادم.

ويرى الباحث التركي المستقل إرمان تاتلي أوغلو -في مقاله بوكالة الأناضول- أن هذه الزيارة تأتي بالتزامن مع تباينات داخل الناتو بين الولايات المتحدة وأوروبا، وتزايد الدور الإقليمي لتركيا، مما يجعلها مؤشرا على توجهات الحلف المستقبلية وليس فقط مجالات التعاون الحالي.

وفي وقت تدفع فيه أوروبا نفسها نحو بناء منظومة دفاعية مستقلة، يتخذ الجيش التركي -ثاني أكبر جيوش الحلف- قرارات ذات طابع إستراتيجي بالغ الأهمية، وفق مقال للكاتب الصحفي فاتح تشيكيرجي بصحيفة حرييت التركية.

ومن جانبه، يعتبر الأكاديمي التركي نبي ميش أن التصريحات الأوروبية المنتقدة لتركيا تعكس "خللا" في الرؤية الإستراتيجية، وامتدادا لتوترات داخلية، وعقلية تُوصف بـ"العمى الإستراتيجي"، على حد تعبيره في مقال نشرته صحيفة "صباح" التركية.

تاتلي أوغلو: زيارة روته لتركيا تحمل دلالات إستراتيجية متعددة في سياق تغير بنيته الأمنية (الفرنسية)
ثقل إستراتيجي

وتكشف زيارة روته لتركيا -حسب تاتلي أوغلو- عن ثلاث حقائق أساسية:

  1. تركيا لم تعد مجرد دولة حدودية، بل أصبحت فاعلا مركزيا مؤثرا في التوجهات الإستراتيجية للحلف.
  2. الجهود الأوروبية لتعزيز قدراتها الدفاعية ستظل محدودة دون حلفاء يمتلكون قدرات إنتاجية وعملياتية عالية مثل تركيا.
  3. أنقرة غدت أحد أهم الفاعلين متعددي المجالات في الناتو، بفضل قدراتها العسكرية والدبلوماسية الممتدة عبر جغرافيا واسعة.

إعلان

وبذلك يشير المشهد المتبلور في ظل تحضيرات قمة أنقرة إلى أن تركيا ليست مجرد دولة مستضيفة للقمة، بل أحد الفاعلين الحاسمين في تشكيل البنية الأمنية الجديدة للحلف.

لكن ذلك يتطلب إدارة دقيقة للمخاطر، فإذا حدثت أزمة محتملة بين الناتو وروسيا أو إيران، فإن حاجة أنقرة لموازنة التزاماتها تجاه الحلف مع مراعاة التوازنات الإقليمية -كما يوضح الباحث- ستفرض توازنا إستراتيجيا أكثر تعقيدا.

تشيكيرجي: وزارة الدفاع التركية تتجه لتشكيل وحدات هجومية متنقلة برا وجوا وبحرا وزيادة ألوية الكوماندوز (الأناضول)
نموذج عسكري يُحتذى

وعلى المستوى العسكري، يؤكد تشيكيرجي أن استجابة القوات المسلحة التركية لمفاهيم حروب الجيل الجديد تمثل تحولا إستراتيجيا، مشيرا إلى أن هذا النوع من التطور قد يُسجل للمرة الأولى داخل الحلف.

ويستعرض الكاتب أبرز ملامح هذا التحول على النحو التالي:

  • ينظر الجيش التركي إلى ساحات الحروب في مناطق مختلفة من العالم باعتبارها مختبرات يستخلص منها الدروس العملياتية.
  • وزارة الدفاع تتجه لتشكيل وحدات هجومية متنقلة في البر والجو والبحر، وزيادة عدد ألوية الكوماندوز.
  • بدأ تدريب الكوماندوز على استخدام الدراجات النارية والطيران المظلي بمحرك، لتكون قادرة على التحرك بسرعة أكبر عند الضرورة.
  • الحروب الأخيرة أظهرت أن المسيّرات البحرية ذات التكلفة المنخفضة جدا يمكنها ضرب السفن الضخمة والمكلفة.
  •  بدلا من البنية الثقيلة لوحدات الناتو، يتجه الجيش التركي إلى بناء وحداته الهجومية الخاصة منذ الآن.

ويعتقد تشيكيرجي أن حلف الناتو أيضا قد يتخذ هذه الخطوات الإستراتيجية، كما تظهر مناوراته الأخيرة.

وفي ظل السيناريو المحتمل لتراجع الدور الأمريكي داخل الحلف، وتوجه الناتو نحو بنية أمنية مركزها أوروبا، تزداد أهمية تركيا لسد الفجوات الحالية في القدرات الأوروبية، وفقا لتاتلي أوغلو.

وفي هذا السياق، يُتوقع أن تضطلع أنقرة بدور أكثر فاعلية في عمليات صنع القرار وأن تسهم بشكل أكبر في الدفاع المشترك داخل الحلف.

" ينتقد ميش تصريح فون دير لاين بأنه لا ينبغي ترك أوروبا تحت نفوذ روسيا أو الصين أو تركيا (أسوشيتد برس)
"عمى إستراتيجي"

وانتقد ميش، المنسق العام لمركز سيتا للأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تصريح رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين بأنه لا ينبغي ترك أوروبا تحت نفوذ روسيا أو الصين أو تركيا، معتبرا أنه يعكس نمط تفكير يقود إلى ما يُوصف بـ"العمى الإستراتيجي".

وبينما يأتي ذلك في ظل تزايد ثقل تركيا داخل الناتو والبنية الدفاعية الأوروبية، يوضح الأكاديمي أن هناك رؤيتين أوروبيتين متناقضتين بدأتا في التباعد في السنوات الأخيرة، معتبرا تصريح فون دير لاين نتاجا لرد فعل المؤسسة الأوروبية التقليدية.

وعسكريا وإستراتيجيا، يؤكد الأكاديمي أن بناء بنية دفاعية أوروبية قائمة على استبعاد تركيا غير ممكن تقنيا، إذ لا يمكن الدفاع عن أمن البحر الأسود أو توازن البحر الأبيض المتوسط أو الجناح الجنوبي للناتو من دون أنقرة، وهو ما تدركه العديد من العواصم الأوروبية.

إعلان

ويدعو ميش الفاعلين الأوروبيين إلى مواجهة متطلبات النظام العالمي والواقع الأوروبي الجديد، لأن رؤية تركيا كمنطقة نفوذ يجب إدارتها بدلا من كونها قوة إستراتيجية يجب العمل معها، يُضعف أوروبا أكثر مما يُضعف تركيا.



إقرأ المزيد