بعد 40 عاما.. تشرنوبل لا يزال يهدد العالم
الجزيرة.نت -

Published On 27/4/2026

في فجر السادس والعشرين من أبريل/نيسان 1986، دوى انفجار هائل في المفاعل الرابع بمحطة تشرنوبل، ليسجل العالم واحدة من أسوأ الكوارث النووية في تاريخه. فخلال لحظات، تحولت مساحات واسعة إلى مناطق ملوثة، فيما حملت الرياح الغبار النووي إلى دول أوروبية بعيدة مثل فرنسا وإيطاليا، في كارثة تجاوزت حدود الجغرافيا والسياسة.

يرسم التقرير الذي أعده مراسل شبكة الجزيرة أسد الله الصاوي صورة متكاملة للمأساة التي لم تنته فصولها بعد. فبعد الانفجار، استمرت جهود احتواء المفاعل المنكوب لنحو 200 يوم، انتهت ببناء هيكل ضخم من الحديد والخرسانة عرف باسم "الساركوفاجوس" أو "التابوت"، لعزل الإشعاع عن العالم.

لكن المشهد اليوم لا يقل خطورة. فذلك التابوت، الذي كان يفترض استبداله عام 2006، جرى تدعيمه ليمتد عمره عقدين إضافيين، قبل أن تشيد فوقه عام 2016 قبة حديدية عازلة، في محاولة لاحتواء الخطر تمهيدا لتفكيك المفاعل. غير أن أجهزة الإنذار في الموقع لا تزال تسجل مستويات إشعاع تفوق الطبيعي بنحو 160 مرة.

من قلب الموقع، ينقل الصاوي صورة أكثر قتامة، إذ يؤكد مسؤولون أن المفاعل الرابع لا يزال أخطر نقطة في المحطة، وربما في العالم، حيث تصل مستويات الإشعاع بالقرب منه إلى ما يفوق 200 ألف ضعف المعدل الطبيعي، ما يجعل بقاء الإنسان هناك لأكثر من خمس دقائق أمرا محفوفا بالمخاطر.

ولم تقف التهديدات عند إرث الكارثة، بل امتدت بفعل الحرب الدائرة. فالقبة الحديدية التي كلف بناؤها نحو 1.5 مليار يورو تعرضت لأضرار نتيجة إصابة بطائرة مسيرة روسية، ما استدعى أعمال إصلاح تقدر بنحو ثلث كلفتها الأصلية، وأوقف خطط تفكيك المفاعل مؤقتا.

ويؤكد خبراء أن سلامة القبة قد تعرضت لانتهاك، ما يثير قلق الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رغم عدم تسجيل تسرب إشعاعي حتى الآن، مع الإشارة إلى مخاطر إضافية تتعلق بهياكل معدنية غير مستقرة داخلها.

محطة زابوريجيا

ولا تزال آثار الانفجار حاضرة أيضا في غرفة التحكم، حيث لا تهدأ أجهزة الإنذار، في تذكير دائم بأن الكارثة لم تطوَ بعد. وفي ظل الحرب، تتفاقم المخاطر في مواقع نووية أخرى، أبرزها محطة زابوريجيا، التي تسيطر عليها روسيا بينما تعتمد على إمدادات كهربائية تتحكم بها أوكرانيا.

إعلان

ورغم إطفاء مفاعلاتها منذ سبتمبر/أيلول 2022، ما يقلل حاجتها للتبريد، فإن استمرار انقطاع الكهرباء لفترات طويلة قد يعيد شبح الكارثة، خصوصا مع تعرض شبكة الطاقة الأوكرانية للاستهداف.

أما المحطات النووية الأخرى العاملة في البلاد، فتواجه خطرا أكبر، إذ إن أي انقطاع في الكهرباء قد يهدد أنظمة التبريد الحيوية فيها، ما يجعلها عرضة لحوادث خطيرة.

وفي محيط العاصمة كييف، تتجدد الذكرى كل عام، حيث يجتمع مهجرو مدينة بريبيات، الأقرب إلى المفاعل المنكوب، لإحياء مأساة أجبرتهم على مغادرة منازلهم قبل أربعة عقود، ضمن موجة نزوح شملت أكثر من مئة ألف شخص من عشرات المدن والبلدات، تاركين خلفهم أماكن تحولت إلى شواهد صامتة على كارثة غيرت حياتهم إلى الأبد.

وبين ماض لم يندثر وحاضر مثقل بالمخاطر، تبقى تشرنوبل جرحا مفتوحا في ذاكرة العالم، ودليلا على أن الكوارث النووية لا تنتهي بانطفاء الانفجار، بل تمتد آثارها لعقود، تتوارثها الأجيال وتعيد تذكير البشرية بثمن الأخطاء الكبرى.



إقرأ المزيد