زلزال الذكاء الاصطناعي.. تسريحات جماعية تعيد تشكيل وادي السيليكون
الجزيرة.نت -

Published On 26/4/2026

في ظرف أسبوع واحد وفي حدث لم يتوقع العالم أن يكون بهذا الحجم ولا أن تقوم به هذه الشركات بالذات، صدمت "ميتا" و"مايكروسوفت" الأسواق بحملة تسريحات ضخمة شملت أكثر من 20 ألف موظف.

ووفقا للتقارير المنشورة حول موجة التسريحات، فقد تبين أن إجمالي الوظائف المفقودة في قطاع التقنية تجاوز 50 ألف وظيفة منذ مطلع هذا العام، مع ارتباط وثيق بين هذه القرارات والاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي.

ويشهد قطاع التقنية العالمي حاليا تحولا جذريا يوصف بأنه "زلزال هيكلي"، فبينما كانت الشركات تتسابق لزيادة عدد موظفيها كدليل على النمو، تشير الأحداث المتلاحقة إلى بزوغ فجر عصر جديد، وهو عصر الشركات الرشيقة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي كعمود فقري، مما يطرح تساؤلا وجوديا بشأن هذا الأمر، وهو هل سيعيد الذكاء الاصطناعي توزيع الوظائف في كبرى الشركات العالمية؟

الاستغناء لم يعد عشوائيا، بل استهدف وظائف البرمجة الروتينية والإدارة الوسطى التي بات الذكاء الاصطناعي يتقنها (شترستوك)
إعادة هيكلة شاملة أم انتصار الذكاء الاصطناعي؟

في ظل موجة التسريحات، ظهرت أصوات كثيرة تتهم الذكاء الاصطناعي بأخذ مكان الموظفين الذين تم تسريحهم، في حين أن بعض الشركات أشارت إلى أنها تعمل على إعادة هيكلة لبيئتها التوظيفية، خاصة بعد موجة التوظيف الكبيرة التي رافقت جائحة كورونا والحاجة التي كانت ملحة في ذلك الوقت لوظائف مستحدثة وتقنيات التعامل مع التطبيقات والبرامج التي اعتمد عليها الموظفون من منازلهم لإتمام مهامهم الوظيفية.

وقد أسهم ذلك الأمر في زيادة فاتورة الإنفاق على الرواتب في تلك الشركات، في ظل عدم قدرتها على استرداد المبالغ المنفقة من الخدمات المطروحة التي يعمل عليها الموظفون المسرحون من وظائفهم.

لكن من ناحية أخرى يرى كثير من المراقبين والخبراء أن الشركات تقلص من عدد موظفيها لا لتخفف من الإنفاق المالي، وإنما لتقوم بضخه واستثماره في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ففي سوق العمل الحالي أصبحت النفقات الإجمالية هي المرتفعة وليس فاتورة الرواتب وحدها.

إعلان

ففي دراسة أجرتها شركة موشن ريكروتمنت (Motion Recruitment) الأمريكية هذا العام والتي تعد واحدة من أكبر الشركات المتخصصة في حلول التوظيف والبحث عن المواهب في قطاع تكنولوجيا المعلومات، وجدت أن اعتماد الذكاء الاصطناعي في الشركات الكبرى يبطئ التوظيف، وتحديدا في وظائف المستوى الابتدائي وأدوار تقنية المعلومات العامة، أي الوظائف الأكثر إتاحة لمن لا يملكون شهادات متخصصة، بينما يخلق طلبا حادا لا يشبع على متخصصي الذكاء الاصطناعي.

وفي السياق ذاته أكد عدد من الخبراء الذين سبق لهم العمل في مجال الذكاء الاصطناعي، أن هذا التحول هو تحول هيكلي لا جوهري، وبالتالي لا يمكن اعتباره تصحيحا ولو مؤقتا لسوق العمل، حيث أصبح العالم يشهد فعليا بداية تحول دائم في كيفية تنظيم العمل وتنفيذه.

هذه التحولات تسببت في "فجوة مهارات" حادة، حيث ارتفعت قيمة الخبراء المتخصصين في تطوير النماذج الذكية بشكل فلكي (غيتي)

كما وجد استطلاع رأي أجراه موقع ريزوم (Resume) الأمريكي على ألف مدير توظيف أمريكي، أن 55% يتوقعون تسريحات في شركاتهم خلال هذا العام، وأن 44% يحددون الذكاء الاصطناعي بوصفه المحرك الرئيسي لهذا التسريح.

ووفقا للبيانات والتقارير المنشورة، فإن موجة التسريحات لم تكن فقط حكرا على الشركات الكبرى، بل ظهرت في شركات أخرى منها:

  • أوراكل (Oracle): سجلت الرقم الأضخم بتسريح 30 ألف موظف أي ما يشكل 18% من قوتها العاملة، تزامنا مع ضخ استثمارات بمليارات الدولارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
  • بلوك (Block Inc): قلصت الشركة ما مقداره 4 آلاف موظف، بهدف الوصول إلى نموذج "الشركة المسطحة" التي تقاد بالخوارزميات.
  • وايز تك غلوبال (WiseTech): استغنت عن ألفي موظف أي ما يشكل 30% من قوتها العاملة، معلنة صراحة أن زمن "كتابة الكود يدويا" قد ولى.
  • أتلاسيان (Atlassian): سرحت 1600 موظف، معظمهم في قطاعات الأبحاث والتطوير، نتيجة تغير المهارات المطلوبة في عصر الذكاء الاصطناعي.
أبرز الوظائف المتأثرة بموجة التسريحات

وقد أثار الرقم الذي نشرته التقارير عن حجم التسريحات الفضول حول طبيعة الوظائف، حيث إن الاستغناء لم يكن عشوائيا، بل استهدف فئات وظيفية محددة أصبحت خوارزميات الذكاء الاصطناعي قادرة على تعويضها، وهي:

  • البرمجة وصغار المهندسين: وفقا للتقارير المنشورة، قامت شركة "سناب" بتسريح ألف موظف أي ما يشكل 16% من قوتها العاملة، وذلك تزامنا مع إعلانها أن الذكاء الاصطناعي بات ينتج أكثر من 65% من الكود الجديد للشركة. وهذا التوجه طال شركات كثيرة، حيث تضاءلت الحاجة للمبرمجين المبتدئين لصالح "الوكلاء الأذكياء".
  • الكوادر ذات الأقدمية: في خطوة غير مسبوقة، قدمت مايكروسوفت عروض "شراء خدمة طوعية" (Voluntary Buyouts) للموظفين في الولايات المتحدة ممن مجموع عمرهم وسنوات خبرتهم يساوي 70 عاما أو أكثر، وذلك بهدف تقليص الأدوار الإدارية العليا والمكلفة.
  • التسويق والإبداع: بدأت شركة ديزني الأمريكية منتصف الشهر الحالي، حملة تسريحات شملت ألف وظيفة عبر قطاعات التسويق، والتلفزيون، واستوديوهات مثل بيكسار ومارفل. وصرح المدير التنفيذي لها "جوش دامارو" بأن الهدف هو خلق "قوة عاملة مرنة وممكنة تقنيا" قادرة على مواكبة سرعة الصناعة.

إعلان

  • خدمة العملاء والعمليات: أشارت تقارير شركة سيلز فورس (Salesforce) الأمريكية، إلى استبدال وظائف الدعم الفني بأنظمة معتمدة على الوكلاء الرقميين، مما أدى إلى تقليص آلاف الوظائف في هذا القطاع.
الإنتاجية لكل موظف أصبحت هي المعيار الذهبي الجديد، بدلا من التباهي بضخامة المقار وعدد المكاتب (شترستوك)
الرؤى السابقة.. هل تتحقق؟

تداول رواد القطاع التقني على منصات التواصل الاجتماعي، ومنها نقاشات الخبراء على فيسبوك، أن العالم اقترب  من "نقطة التحول"، حيث بات من الممكن لشخص واحد، مسلح بنماذج لغوية ضخمة ووكلاء أذكياء، إدارة شركة قيمتها مليارية، وبالتالي فإن نظام الشركات الكبرى وعدد الموظفين المهول، لن يكون ممكنا بعد اليوم.

وترجح التقديرات أن يستطيع موظف واحد مع أدوات متعددة من الذكاء الاصطناعي إتمام وظائف عدة موظفين آخرين، وبالتالي فإن الشركات لن تكون بحاجة إلى القلق على فاتورة الرواتب الشهرية أو فاتورة نهاية الخدمة، أو حتى على فاتورة التعويضات التي قد تُطالَب بها عند تسريح موظف ما.

فجوة المهارات وتكاليف المواهب

وبالتوازي مع موجات التسريح، يبرز تناقض حاد في ميزانيات شركات التقنية، فبينما يُستغنى عن آلاف الموظفين التقليديين، تشتعل حرب مواهب شرسة لجذب نخبة مهندسي وباحثي الذكاء الاصطناعي. وهذا التحول خلق فجوة مهارات هائلة، حيث أصبحت الخبرة في "هندسة الوكلاء الأذكياء" وتطوير النماذج السيادية أغلى سلعة في السوق.

ووفقا لتقارير المالية والتقنية الحديثة، فقد رفعت شركات مثل ميتا توقعات إنفاقها لهذا العام إلى قرابة 169 مليار دولار، ليس لزيادة عدد الموظفين، بل لتغطية التعويضات الفلكية التي تتطلبها هذه المواهب النادرة، مما يؤكد الانتقال من عصر "العمالة الكثيفة" إلى عصر "النخبة التقنية فائقة التكلفة".

وبذلك يرى الخبراء أن العالم اليوم لا يعيش نهاية العمل، بل نهاية العمل التقليدي، فالزلزال الذي يضرب وادي السيليكون اليوم يخبرنا بأن القوة لم تعد لمن يملك أكبر عدد من الموظفين، بل لمن يمتلك "أذكى" نظام تشغيل بشري رقمي.



إقرأ المزيد