الجزيرة.نت - 4/26/2026 2:36:51 PM - GMT (+3 )
لن تقاس صدمة الطاقة العالمية القادمة عند فوهة البئر، بل عند بوابة المطار. ففي حين يعيد الصراع في إيران، وما حولها، تشكيل المخاطر في منطقة الخليج، فإن النتيجة الأكثر إلحاحا والتي لم تنل حقها من الاهتمام ليست إمدادات النفط الخام، بل وقود الطائرات.
فهذا الوقود، الذي يعد شريان الحركة العالمية، يتحول بهدوء إلى أحد أكثر قطاعات منظومة الطاقة تقلبا وتأثيرا على الصعيد الاقتصادي.
وخلافا للنفط الخام، تظهر آثاره بشكل فوري تقريبا، ليس فقط على أسواق الطاقة، بل على أسعار التذاكر، وتدفقات التجارة، والتضخم، وفي نهاية المطاف، على النمو الاقتصادي.
ومنذ تفاقم حدة الصراع، قفزت أسعار وقود الطائرات من حوالي 85 إلى 90 دولارا للبرميل، لتتراوح بين 150 و200 دولار، مع تجاوز بعض الأسواق هذه المستويات لفترات وجيزة.
ومن حيث البيع بالتجزئة، يعادل ذلك ارتفاعا من نحو 2.40 دولار إلى 2.50 دولار للغالون قبل الصراع، إلى ما بين 4 و4.75 دولارات اليوم، مع طفرات أعلى في مناطق جغرافية بعينها.
ففي شيكاغو، على سبيل المثال، تجاوز سعر وقود الطائرات 5 دولارات للغالون، مما يبيِن إلى أي مدى يمكن للقيود المحلية على الإمدادات أن تفاقم الصدمات العالمية.
إن ما يحدث ليس مجرد ارتفاع بسيط، بل هو إعادة تسعير شاملة؛ فقد زاد سعر وقود الطائرات أكثر من الضعف في حالات كثيرة، متجاوزا بمراحل أسعار النفط الخام التي ارتفعت بمقدار نصف هذا المعدل تقريبا.
وتكمن الدلالة الحاسمة هنا في أن القيد لم يعد مقتصرا على الإمدادات، بقدر ما يتعلق بقدرة النظام على تكرير الوقود ونقله وتسليمه بحيث يكون صالحا للاستخدام.
وبالنسبة لشركات الطيران، حيث يمثل الوقود عادة ما بين 25% إلى 30% من تكاليف التشغيل، كان التأثير فوريا. فهذه الشركات تدفع حاليا نحو 4.30 دولارات للغالون في المتوسط، مع توقعات بارتفاع أكبر خلال العام.
إعلان
وقد جاء رد الفعل سريعا، حيث ارتفعت أسعار تذاكر الطيران بشكل حاد مما حدا بشركات الطيران إلى التحذير من زيادات أخرى تصل إلى 20%، فيما تضيف تكاليف الوقود وحدها أكثر من 100 دولار لكل راكب في الرحلات الطويلة في بعض الأسواق.
بيد أن هذه الزيادات لا تقتصر على قطاع الطيران وحده، بل تنتقل مباشرة إلى الاقتصاد الأوسع عبر ما يمكن وصفه بصدمة تكلفة الحركة. فقطاع الطيران والنشاط الاقتصادي المرتبط به يسهمان معا بنحو 4.1 تريليونات دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي؛ أي حوالي 4% من الاقتصاد العالمي. وعندما يصبح الطيران أكثر تكلفة، تظهر تداعياتها على الفور.
وتتجلى هذه التأثيرات بشكل خاص في منطقة الخليج، حيث يعد الطيران والسياحة عنصرين أساسيين في إستراتيجيات التنويع الاقتصادي.
ففي دولة الإمارات العربية المتحدة وحدها، يسهم الطيران والسياحة المرتبطة به بنحو 92 مليار دولار في الناتج المحلي؛ أي ما يقارب خُمس الاقتصاد، كما يدعمان قرابة مليون وظيفة.
ومن ثم، فإن أي اضطراب لفترات طويلة في تدفقات وقود الطائرات، أو أسعاره ينعكس مباشرة على النمو، والتوظيف، والاستقرار المالي في المنطقة.
ويبدأ التأثر بالعواقب الضارة لتلك الزيادات من مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تدفقات النفط والوقود العالمية، مما يجعله أحد أهم الممرات المائية الضيقة في نظام الطاقة العالمي.
وحتى بدون إغلاقه بالكامل، بدأت التوترات المتزايدة بالفعل في تعطيل اقتصاديات العبور؛ فارتفعت أقساط التأمين، وطالت طرق الشحن، وامتدت مواعيد التسليم، والنتيجة هي ارتفاع التكاليف حتى قبل أن تصبح الإمدادات محدودة فعليا.
وتجنح أسواق وقود الطائرات إلى تضخيم هذا التأثير. فخلافا للنفط الخام القابل للتداول عالميا بسهولة، يعتمد وقود الطائرات على عدد محدود من المصافي القادرة على إنتاجه وفق المواصفات المطلوبة.
وقد أدى نقص الاستثمار على مدى سنوات، وإغلاق المصافي إبان فترة الجائحة، إلى جعل القدرة الإنتاجية للنظام محدودة، مما يعزز النجاعة في الظروف العادية، لكنه يولِد هشاشة تحت وطأة الضغوط.
وهذه الهشاشة باتت واضحة للعيان الآن؛ ففي أوروبا التي تعتمد بشكل كبير على وقود الطائرات المستورد، ومعظمه من الشرق الأوسط، حذر المسؤولون من احتمال حدوث نقص فعلي خلال أسابيع إذا استمر تعطل الإمدادات. كما حذرت وكالة الطاقة الدولية من احتمال ظهور فجوات في الإمدادات إذا لم تتحقق التدفقات البديلة.
وبالنسبة لشركات الطيران، تتحول التداعيات من ضغوط التكلفة إلى إجهاد هيكلي. ففي المرحلة الأولى من الصدمة، يمكن للشركات الاعتماد على إستراتيجيات التحوط وتعديل الأسعار واستخدام مخزونات الطوارئ بشكل محدود. لكن تظل هذه المخزونات مؤقتة.
ومع استمرار الصراع، بدأت الشركات بالفعل في تقليص المسارات، وخفض عدد الرحلات، وإعادة النظر في خطط النمو. وقد ألغيت آلاف الرحلات من الجداول عالميا في محاولة لضبط تكاليف الوقود وتوافره.. وهنا يتعمق الأثر الاقتصادي؛ إذ يعمل الطيران كآلية لنقل التضخم.
وقد وصف صندوق النقد الدولي صدمات الطاقة بأنها "ضريبة على الدخل"، لا سيما بالنسبة للاقتصادات المستورِدة للوقود. ويسرِع الطيران من وتيرة هذا التأثير، حيث تؤدي الأسعار المرتفعة إلى تقليل السفر الاختياري، ويضعف الطلب على السياحة خاصة في الأسواق الناشئة، وترتفع تكاليف الشحن الجوي، مما يزيد أسعار السلع ويضغط على سلاسل الإمداد.
إعلان
وكلما طال أمد الصراع، تفاقمت هذه الآثار، فما يبدأ كمشكلة أسعار يتحول إلى معضلة شبكات؛ فتتراجع مستويات الاتصال، الخطوط الأقل ربحية، وتنكمش الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها، من السياحة إلى التجارة.
كما تبرز مخاطر تجاوز الحدود الحرجة؛ فإذا ظلت أسعار الوقود مرتفعة واستمرت في الصعود، يصبح تدمير الطلب أمرا مرجحا، خاصة إذا تجاوزت زيادات الأسعار نسبة 15% إلى 20% المسجلة حاليا.
وفي الوقت ذاته، تواجه شركات الطيران الأضعف ماليا، والتي تعمل بالفعل بهوامش ربح ضئيلة، ضغوطا تهدد ملاءتها المالية، وهناك مؤشرات في بعض الأسواق على أن الشركات قد تعلق عملياتها إذا استمرت تكاليف الوقود عند المستويات الحالية.
ومع ذلك، فإن الخطر الأشد لا يتعلق بسعر النفط، بل بتوفره؛ فإذا بدأت الاضطرابات في الخليج في عرقلة الإمدادات الفعلية لوقود الطائرات بشكل ملموس، فقد تضطر الشركات إلى وقف تحليق طائراتها بغض النظر عن حجم الطلب. وعند هذه النقطة، لا تعود المسألة اقتصادية، بل ستصبح قضية نظامية شاملة.
عناصر تستوجب المراقبة:
- مخاطر العبور عبر مضيق هرمز: حتى الاضطراب الجزئي يزيد التكاليف، ويضغط على الإمدادات.
- هوامش تكرير وقود الطائرات: اتساع الفجوات يشير إلى اختناقات في التكرير والتوزيع.
- تضخم أسعار التذاكر: استمرار الزيادات فوق 15% إلى 20% ينذر بتراجع الطلب.
- خفض سعة شركات الطيران: تقليص الخطوط يعكس ضغوطا هيكلية لا مجرد ارتفاع التكاليف.
- قيود الإمدادات الفعلية: النقص- وليس الأسعار- هو نقطة الانهيار الحقيقية.
غالبا ما تقاس تكلفة الحرب بالبراميل والعناوين الرئيسية، لكنها باتت تقاس بشكل متزايد بشيء أكثر مباشرة وواقعية، وهو ارتفاع نفقات التنقل.
قد يمثل وقود الطائرات حصة أصغر من نظام الطاقة العالمي، لكن دوره يفوق حجمه بكثير. فهو يمكن الاتصال، ويدعم التجارة، ويسند قطاعات كاملة من الاقتصاد العالمي. وعندما يتعطل، لا تكون الآثار تدريجية، بل فورية وواسعة النطاق.
وإذا استمرت الظروف الحالية، فإن الخطر الحقيقي لا يقتصر على ارتفاع أسعار التذاكر، بل يتمثل في تآكل تدريجي لقدرة الحركة العالمية، مع تداعيات تمتد إلى ما هو أبعد من قطاع الطيران، لتصل إلى صميم الاقتصاد العالمي نفسه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


