ما بعد فشل مفاوضات باكستان.. تصعيد أم تراجع؟
الجزيرة.نت -

أعاد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلغاء زيارة وفد بلاده إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد خلط الأوراق في ملف العلاقات المتوترة مع إيران، وكشف عن حجم التباين في الروايات والتقديرات بين الأطراف المعنية، في وقت تتداخل فيه مسارات الحرب والتفاوض، وتتصاعد فيه الشكوك حول جدوى أي مسار دبلوماسي في المرحلة الراهنة.

في مستهل النقاش، وضع مقدم برنامج "نقاش الساعة" حسن جمول صورة عامة تعكس حالة الجمود التي تحكم المشهد، واصفا إياها بحالة "اللاحرب واللاسلم واللامفاوضات واللااتفاق"، مشيرا إلى أن هذه الحالة تبدو النقطة الوحيدة التي يتفق عليها الجميع، إلى جانب استمرار مظاهر التصعيد غير المباشر مثل الاحتجاز المتبادل للسفن.

وتساءل جمول عن أسباب فشل الجولة الثانية من المباحثات، وكيف انتقلت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من إطار جولة دبلوماسية إلى محطة قدمت فيها ردود وصفتها واشنطن بأنها "لا شيء"، متسائلا أيضا عن مصدر الثقة التي تحدث بها ترمب سابقا بشأن توقعه عرضا إيرانيا يلبي المطالب الأمريكية، قبل أن يعود ويؤكد لاحقا أنه لا يعرف من هو المسؤول الحقيقي عن القرار داخل إيران.

في هذا السياق، قدم السفير جوي هود نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق تفسيرين محتملين لما حدث، مستندا إلى خبرته الدبلوماسية، إذ رأى أن أحد الأسباب قد يكون سوء فهم في الاتصالات، خاصة أن الجزء الأكبر من التواصل بين الولايات المتحدة وإيران يتم بعيدا عن الأضواء، ما يفتح الباب أمام تضارب الرسائل.

ولم يستبعد أيضا أن يكون ترمب تلقى إشارات تفيد بوجود استعداد إيراني للدخول في محادثات، قبل أن يتغير هذا الموقف لاحقا من الجانب الإيراني. كما طرح احتمالا آخر يتمثل في "حماس زائد" من الوسطاء الباكستانيين، الذين ربما بالغوا في نقل توقعات إيجابية إلى واشنطن بشأن استعداد طهران للتجاوب.

غياب الثقة

في المقابل، رفض حسن أحمديان أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة طهران هذا الطرح، مؤكدا أن زيارة عراقجي لم تكن مرتبطة بالتفاوض مع الولايات المتحدة، بل جاءت في إطار تفاعل مع الوساطة الباكستانية.

إعلان

وأرجع أحمديان فشل الجولة الثانية من المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في باكستان إلى عوامل بنيوية تتعلق برفض طهران للطروحات الأمريكية وغياب الثقة المتراكمة بين الطرفين، مؤكدا أن هذا الإخفاق لم يكن مفاجئا بل نتيجة طبيعية لمسار تفاوضي تعتبره إيران غير مجدٍ في ظل الشروط المطروحة.

ولفت إلى أن طهران نفت منذ البداية نيتها عقد لقاءات مباشرة، رغم إعلان الجانب الأمريكي إرسال مبعوثين. وأضاف أن إيران تعاملت مع الوساطة عبر تقديم ردود على مقترحات نُقلت إليها، استغرقت نحو عشرة أيام من النقاش الداخلي، ما يعكس جدلا داخل مؤسسات القرار حول جدوى الرد في ظل قناعة بأن المقترحات الأمريكية غير قابلة للقبول.

واعتبر أن واشنطن تحاول من خلال هذه الطروحات الظهور بمظهر الطرف الذي لم يفشل عسكريا، عبر طرح شروط تدرك مسبقا أن إيران سترفضها، وهو ما دفع طهران إلى التعامل بحذر مع أي مسار تفاوضي، والنظر إليه كامتداد للحرب بوسائل سياسية ودبلوماسية.

كما أشار إلى أن تجربة الاتفاق النووي عام 2015 شكلت تحولا مهما في نظرة إيران، إذ باتت ترى أن أي تنازل جديد قد يفتح الباب أمام مطالب إضافية تمس استقلالها، ما يفسر تمسكها بسقف تفاوضي مرتفع لا يقل عن اتفاق 2015.

وفيما يتعلق بالتصعيد الإقليمي، أكد أحمديان أن التهديدات باستخدام القوة، بما فيها الخيارات النووية، تبقى في إطار الردع المتبادل، محذرا من أن أي تصعيد قد يؤدي إلى ردود أوسع في المنطقة. كما لفت إلى تحول الصراع نحو أدوات أكثر تعقيدا تشمل الضغوط الاقتصادية والتحركات غير التقليدية، مثل محاولات التسلل عبر الحدود.

وأكد أن غياب الثقة وتباين الأهداف واستمرار الضغوط تجعل من الصعب استئناف مفاوضات فعالة قريبا، مرجحا استمرار الوضع ضمن معادلة "لا حرب ولا سلم" مع بقاء المواجهة مفتوحة دون حسم.

قراءة تفصيلية للمشهد

من جهته، قدم محجوب الزويري، الأكاديمي والخبير بسياسات الشرق الأوسط، قراءة تفصيلية للمشهد، معتبرا أن الوساطة الباكستانية حملت تصورات مكتوبة إلى طهران، تم نقلها لاحقا إلى واشنطن.

وأوضح أن الإيرانيين احتاجوا إلى نحو عشرة أيام لإعداد ردهم، وهو ما أثار استياء الوسيط الباكستاني. ورجح أن الرد الإيراني الذي حمله عراقجي لم يلبِّ التوقعات الأمريكية، خاصة في ملفين أساسيين:

  • مسألة نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران.
  • مستويات التخصيب النووي. وهما نقطتان اعتبرتهما واشنطن أساسيتين لأي تقدم. وخلص إلى أن هذا التعثر أدى إلى انهيار الجولة الثانية وإعطاء انطباع واضح بفشلها.

وفي تقييم لطبيعة المرحلة، رأى هشام الغنام، زميل باحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أن ما يجري لا يمكن وصفه بالمفاوضات الحقيقية، بل هو أقرب إلى مرحلة تمهيدية تسبق التفاوض، في ظل غياب الثقة العميق بين الطرفين.

وأشار إلى وجود "ريبة وشك وسوء فهم ثقافي وسياسي"، لدرجة أن اللغة المستخدمة في التواصل بين الجانبين تبدو غير مشتركة، ما يعقد أي تقدم. كما لفت إلى أن كلا الطرفين لا يبدو مستعجلا للوصول إلى اتفاق، إذ يعتقد كل منهما أن بإمكانه تحقيق مكاسب أكبر عبر الميدان.

تنازلات سريعة

بدوره، اعتبر لقاء مكي الباحث الأول بمركز الجزيرة للدراسات، أن ما حدث أعاد الأمور إلى المربع الأول، مشيرا إلى أن التوقعات الأمريكية كانت تميل إلى أن إيران ستقدم تنازلات سريعة، وهو ما لم يحدث.

إعلان

وأكد أن الرد الإيراني كان متوقعا، ويعكس تمسك طهران بقدرتها على رفض الشروط الأمريكية. كما طرح احتمال أن تكون إيران تسعى لتحسين شروطها التفاوضية عبر استمرار الضغط الميداني، معتبرا أن المرحلة المقبلة قد تتجه نحو أحد خيارين:

  • إما تصعيد جديد بصيغة مختلفة.
  • أو استمرار حالة الجمود بين الحرب واللاحرب.

وفي السياق ذاته، ذهب صالح المطيري رئيس مركز المدار للدراسات السياسية، إلى أن ما يحدث لا يعكس غياب الحرب، بل استمرارها بأدوات مختلفة، مشيرا إلى أن الطرفين يسعيان لتحقيق مكاسب دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

ورجح أن تلجأ الولايات المتحدة إلى عمليات عسكرية محدودة زمنيا وأهدافا، شبيهة بما وصفه بنموذج الحرب القصيرة، لتحقيق أهداف سياسية دون تصعيد واسع.

من جانبها، قدمت نيغار مرتضوي كبيرة الباحثين بمركز السياسة الدولية في واشنطن، تحليلا أوسع، معتبرة أن الأزمة بين واشنطن وطهران تقوم على مشكلتين أساسيتين:

  • الأولى تتعلق بأسلوب التفاوض، حيث ترفض إيران اللقاء المباشر دون تفاهم مسبق على النتائج، بينما يفضل ترمب المفاوضات العلنية التي توفر مكاسب سياسية وإعلامية.
  • أما المشكلة الثانية فتتعلق بجوهر الخلاف، حيث توجد فجوة كبيرة بين أهداف الطرفين.

وأشارت إلى أن الحرب الحالية لا تحظى بشعبية داخل الولايات المتحدة أو على المستوى الدولي، وأن استمرارها قد يؤدي إلى استنزاف طويل، خاصة مع إمكانية تصعيد إيران بطرق غير تقليدية.

انسداد الخيارات

وفي قراءة استراتيجية، وصف علي مراد الأكاديمي والباحث السياسي، المرحلة الحالية بأنها إدارة انسداد الخيارات، حيث لا الحرب تمثل حلا، ولا التفاوض يبدو ممكنا في الوقت الراهن.

وأشار إلى أن ما يجري يعكس تداخلا مستمرا بين الحرب والتفاوض، قد يستمر لفترة طويلة، مع تأثيرات محتملة على دول المنطقة التي قد تجد نفسها الخاسر الأكبر في هذا الصراع.

أما فيما يتعلق بالملف النووي، فقد برز كأحد أبرز نقاط الخلاف، حيث أكد أحمديان أن تمسك إيران بمكتسبات اتفاق 2015 لا يعود فقط إلى كونه سابقة، بل إلى فقدان الثقة بالولايات المتحدة، التي قد تنسحب من أي اتفاق مستقبلي.

في المقابل، حذر لقاء مكي من أن العودة إلى صيغة 2015 قد لا تكون مقبولة إقليميا، وقد تدفع نحو سباق تسلح في المنطقة.

وفي الشق العسكري، اعتبر جوي هود أن الحرب لم تتوقف فعليا، بل مستمرة بمستويات مختلفة، سواء عبر التحركات البحرية أو التوترات الإقليمية، محذرا من أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك خيارات تصعيد إضافية، رغم المخاطر المرتبطة بذلك، خاصة في ظل حساسية ملف الطاقة ومضيق هرمز. كما أثيرت مخاوف من استخدام أدوات أكثر خطورة، بما في ذلك سيناريوهات تتعلق بالتصعيد النووي، وإن كانت مستبعدة حاليا.



إقرأ المزيد