ساحر بدل كوميدي.. ترمب يواجه الصحافة في عشاء مراسلي البيت الأبيض
الجزيرة.نت -

Published On 25/4/2026

في حدث تتجه إليه أنظار الأوساط السياسية والإعلامية، يحضر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساء السبت عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض للمرة الأولى بصفته رئيسا، لينهي بذلك مقاطعة استمرت طوال ولايته الأولى وفي عام 2025.

وتأتي مشاركته وسط توقعات بأن يسود الحفل تشنج ملموس، نظرا لتاريخه العدائي والمعقد مع الصحافة.

غياب الكوميديا واستدعاء الساحر

وخلافا للتقليد العريق المتبع في هذا العشاء، والذي يتضمن وقوف ممثل فكاهي (كوميدي) لإلقاء نكات وتعليقات لاذعة تسخر من الرئيس والسياسيين، قررت الرابطة هذا العام الاستعاضة عن الكوميدي بـ"الساحر" أوز بيرلمان، المختص في قراءة الأفكار.

ويعزو المراقبون هذا التغيير إلى رغبة الرابطة في تجنب المواجهة المباشرة أو السخرية اللاذعة، خصوصا وأن ترمب، الذي لا يتوانى عن إذلال خصومه، "لا يحتمل أن يتعرض هو نفسه للسخرية".

ويُنظم هذا العشاء السنوي، الذي يجمع مئات الصحفيين ومديري المؤسسات الإعلامية مع شخصيات سياسية واقتصادية، في نهاية أبريل/نيسان، ويُخصص ريعه لتمويل منح وجوائز صحفية.

وبينما يشدد المدافعون عن الحدث على كونه احتفاء بحرية الصحافة، يواجه العشاء انتقادات متزايدة تصفه بأنه تعبير عن "ثقافة الدوائر المغلقة والتواطؤ". وقد وصفت مجلة "ذي أتلانتيك" العشاء بأنه "كان دائما مزعجا، لكنه هذه السنة محرج جدا"، في حين تستمر صحيفة "نيويورك تايمز" في تقليدها بتغطية الحدث إخباريا من دون المشاركة فيه.

ومن المقرر أن يبدأ توافد الضيوف على البساط الأحمر في فندق واشنطن هيلتون في الساعة الخامسة مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة، على أن يلقي ترمب خطابه -الذي سيستمر نحو 40 دقيقة- بعد الساعة العاشرة مساء.

لطالما كانت علاقة الرئيس الأمريكي بالصحافة متوترة (رويترز)
سياق التصعيد.. تهديدات واستحواذات

وتأتي هذه المشاركة في ذروة صدام ترامب مع وسائل الإعلام. فمنذ عودته للسلطة، دأب على مهاجمة الصحافة ووصف بعضها بـ"الأخبار الكاذبة" و"أعداء الشعب".

إعلان

ولم يقتصر الأمر على الخطابات، بل تعداه إلى الدعاوى القضائية ضد شبكات مثل (إيه بي سي) و(سي بي إس)، وضد صحيفة وول ستريت جورنال، بشأن مقال عن بطاقة عيد ميلاد تحمل توقيعه موجهة للمدان جيفري إبستين (وهي دعوى رفضها قاض اتحادي مؤخرا). واللافت أن الرابطة ستحتفي في العشاء بسلسلة القصص التي نشرتها الصحيفة ومن ضمنها قصة البطاقة.

وشهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدا إضافيا؛ إذ هدد رئيس لجنة الاتصالات الاتحادية، بريندان كار، بالتحقيق مع مقدم البرامج الليلية جيمي كيميل بسبب تصريحاته، وحث المحطات على عدم استضافته تحت طائلة الغرامة وسحب التراخيص. كما أفادت صحيفة نيويورك تايمز، بأن مكتب التحقيقات الاتحادي (إف بي آي) حقق مع إحدى مراسلاتها بعد تقرير انتقدت فيه مدير المكتب، وهو ما نفاه المكتب لاحقا.

وفي موازاة ذلك، يتسع نفوذ حلفاء ترامب في المشهد الإعلامي، وهو ما يتجلى في صفقة استحواذ شركة "باراماونت سكايدانس" -المملوكة لعائلة إليسون المقربة منه- على "وارنر براذرز ديسكفري"، علما أن العائلة تملك أيضا قناة (سي بي إس).

كما عمد البيت الأبيض والبنتاغون إلى تقييد أو إلغاء تصاريح وسائل إعلام تقليدية، مع منح امتيازات لمعلقين مؤيدين لحركة "اجعلوا أمريكا عظيمة مجددا" (ماغا).

ورغم كل هذا التصعيد، يتيح ترمب للصحفيين وصولا أكبر بكثير مما كان عليه الحال مع أسلافه، حيث يتحدث بانتظام عبر هاتفه المحمول ويجيب على أسئلتهم خلال ظهوره المتكرر.

منح البيت الأبيض خلال العام الجاري امتيازات لمعلقين مؤيدين لحركة "اجعلوا أمريكا عظيمة مجددا" (ماغا) (غيتي)
دعوات للمقاطعة والاحتجاج

وأثار حضور ترمب استياء واسعا؛ فقرر رئيس تحرير "هافبوست"، ويتني سنايدر، مقاطعة العشاء، معتبرا في مقال توضيحي أن "رئاسة ترمب برمتها، بطبيعة الحال، إهانة للصحافة الحرة".

كما وقّع أكثر من 350 صحفيا (بينهم المذيع البارز دان راذر) وجمعيات مثل "جمعية الصحفيين المحترفين"، رسالة مفتوحة تدعو الرابطة إلى استغلال العشاء لـ "التعبير بقوة عن معارضة جهود الرئيس ترمب لانتهاك حرية الصحافة". وسيقوم بعض الصحفيين الحاضرين بارتداء مناديل جيب أو دبابيس تحمل نص التعديل الأول للدستور الأمريكي لحرية التعبير.

وردت رئيسة الرابطة، ويجيا جيانغ، على الانتقادات قائلة إن اجتماع الصحفيين والرئيس في القاعة نفسها هو تذكير بأهمية حرية الصحافة، "ليس من أجل وسائل الإعلام أو الرئيس، بل من أجل الأشخاص الذين يعتمدون عليها".

شبح أوباما ورمزية المكان

وبرر ترمب حضوره في منشور عبر "تروث سوشال"، قائلا إنه تغيب سابقا لأن الصحافة كانت "سيئة للغاية"، لكنه وافق الآن تكريما للذكرى الـ250 لتأسيس الأمة، ولأن المراسلين "يعترفون الآن بأنني حقا أحد أعظم الرؤساء… الأفضل على الإطلاق".

ووعدت المتحدثة باسمه، كارولاين ليفيت، بخطاب "مسلّ جدا"، بينما يرجح الأكاديمي روبرت رولاند أن يستغل الرئيس المنصة لسرد مآخذه، مما يدل على أنه "يشعر بأنه لا يُمَسّ".

ويرى كثيرون ممن تابعوا مسيرة ترامب أن هذا العشاء يحتل مكانة أسطورية في قصته، ففي عام 2011، حضر كضيف بصفته الشخصية، حيث وجه إليه الرئيس الديمقراطي آنذاك باراك أوباما سخرية لاذعة من على المنصة.

إعلان

يومها، استهزأ أوباما بنزعة ترمب للترويج لنفسه ولنظريات المؤامرة (ومنها التشكيك في مسقط رأس أوباما)، وقال: "قولوا ما تشاؤون عن السيد ترامب، لكنه سيأتي بالتغيير إلى البيت الأبيض"، عارضا صورة للمقر الرئاسي وقد تحول إلى فندق وكازينو مبهر يحمل علامة ترمب.

ورغم نفي ترامب المتكرر للرواية التي تتردد في واشنطن بأن الحدث ساعد في بلورة قراره بالترشح للرئاسة بدافع الانتقام، فإن عودته اليوم إلى القاعة نفسها، ليعتلي المنصة هذه المرة من موقع الرئاسة، تضفي على الحدث رمزية سياسية خاصة تتجاوز مجرد عشاء صحفي.



إقرأ المزيد