تفاؤل رغم التحديات.. توقيف "جزار التضامن" يعزز مرحلة المساءلة في سوريا
الجزيرة.نت -

دمشق- عاد ملف العدالة الانتقالية في سوريا إلى الواجهة مجددا، مع إعلان السلطات إلقاء القبض على المتهم الرئيسي في "مجزرة حي التضامن"، في خطوة وُصفت بأنها تحول مهم من مرحلة التوثيق إلى المساءلة الفعلية.

ويأتي هذا التطور في سياق جهود متصاعدة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتُكبت بحق السوريين في عهد النظام السابق، وسط تأكيدات رسمية على استمرار ملاحقة المتورطين واستكمال الإجراءات القانونية لضمان تحقيق العدالة.

وقالت وزارة الداخلية السورية إن إلقاء القبض على أمجد يوسف جاء نتيجة رصد وتتبع استمرا لعدة أيام في سهل الغاب بريف حماة، وتعهدت بملاحقة باقي مرتكبي مجزرة التضامن لإلقاء القبض عليهم وتقديمهم إلى العدالة.

وفي 16 أبريل/نيسان 2013، قتلت قوات النظام المخلوع بمجزرة حي التضامن بالعاصمة دمشق 41 مدنيا، وألقتهم في حفرة كبيرة، وعُثر لاحقا على عظام بشرية بالمنطقة.

حضور ذوي الصحايا جلسات محاكمات مرتكبي الانتهاكات في سوريا (الجزيرة)
"خطوة نوعية"

وقال رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف للجزيرة نت، إن توقيف المتهم الرئيسي في مجزرة التضامن يمثّل خطوة نوعية ومتقدّمة في مسار العدالة الانتقالية، لما يحمله هذا الحدث من دلالات واضحة على الانتقال من مرحلة التوثيق إلى مرحلة المساءلة الفعلية.

وأضاف أن هذه العملية تؤكّد أن الجرائم والانتهاكات الجسيمة لا يمكن أن تمر دون محاسبة، كما أنها تعكس تقدما ملموسا في التعامل مع القضايا الأكثر حساسية.

وأهمية هذه الخطوة تتجاوز البعد القانوني، بحسب عبد اللطيف، لتشمل كشف الحقيقة؛ إذ يمكن أن تساعد المعلومات المستخلصة على توسيع فهم ما حدث، وتحديد المسؤولين بشكل أدق، وربما الوصول إلى خيوط إضافية تتعلق بمصير الضحايا.

وفيما يخص الخطوات المقبلة، أوضح عبد اللطيف أنه سيتم استكمال الإجراءات القانونية وفق الأصول، لضمان تحقيق العدالة والمساءلة، مع متابعة الملف ضمن إطار منهجي يربط بين التوثيق والتحقيق وإعداد الملفات القضائية. كما سيتم البناء على هذا التطور لتعزيز العمل على باقي الملفات بشكل تدريجي ومنظم.

إعلان

وأكد أن هذا المسار مستمر، ويهدف إلى تحقيق العدالة للضحايا وذويهم، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب كركيزة أساسية لبناء المستقبل.

سجل دموي

وأمجد يوسف هو ضابط مخابرات في نظام الأسد بسوريا، كان مسؤولا عن العمليات الأمنية في جنوب دمشق إبان فترة الثورة السورية، ويُتهم بالمسؤولية عن اعتقال وتعذيب وقتل معارضين سياسيين ومدنيين من النساء والأطفال والشيوخ.

ويُتهم أمجد يوسف بارتكاب العديد من الجرائم بحق المدنيين، وهو المتهم بالمسؤولية الأولى عن ارتكاب مجزرة حي التضامن عام 2013 الملاصق لمخيم اليرموك، جنوب العاصمة دمشق.

ووثق المجزرة فيديو نشرته صحيفة الغارديان (The Guardian) (من أصل 27 تسجيلا مصورا) وأظهر مقتل ما لا يقل عن 41 مدنيا، في حين سجّل أهالي الحي أسماء 288 ضحية قُتلوا في الحي نفسه، كما اعترف عدد من المتورطين بارتكاب عدد من المجازر في الحي راح ضحيتها 500 رجل وامرأة.

وتوارى أمجد يوسف عن الأنظار بعد سقوط الأسد، حتى ألقت السلطات السورية القبض عليه في عملية أمنية بريف حماة يوم الجمعة 24 أبريل/نيسان 2026.

ملفات مترابطة

وقال مدير دائرة الإعلام بالهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية إبراهيم برهان، للجزيرة نت، إن الملف الخاص بأمجد يوسف "انتقل عمليا إلى مرحلة أكثر تقدما، حيث يجري العمل على استكمال التحقيقات وفق الأصول القانونية، بما يشمل توثيق الإفادات، وتدقيق الأدلة، وربطها بباقي المعطيات المتوفرة ضمن ملف مجزرة التضامن".

وأضاف برهان أن الخطوة التالية هي "استكمال إعداد الملف القضائي بشكل متكامل تمهيدا لإحالته إلى الجهات المختصة بالمحاكمة".

وتابع برهان أن "الجدول الزمني مرتبط باستكمال الإجراءات القانونية وضمان جاهزية الملف بشكل يحقق معايير المحاكمة العادلة، لذلك لا يمكن تحديد موعد دقيق لمحاكمته، لكن العمل يجري بوتيرة متقدمة".

أما بخصوص ملف فادي صقر، وهو أحد المتهمين أيضا بارتكاب مجزرة التضامن، فأوضح برهان أن "ملف الملاحقة لا يقتصر على شخص واحد، بل يشمل كل من يشتبه بتورطه في الجرائم والانتهاكات الجسيمة".

وأشار إلى وجود "تنسيق قائم مع الجهات المختصة لمتابعة هذا الملف، سواء على صعيد جمع الأدلة أو الإجراءات التنفيذية المتعلقة بإلقاء القبض"، مؤكدا أن "هذه الملفات مفتوحة وتُتابع ضمن مسار قانوني مستمر".

وفيما يتعلق بمحاكمة المعتقلين عاطف نجيب وبقية المتهمين، أعلن برهان أنه "تم تحديد موعد بدء المحاكمة العلنية لنجيب يوم الأحد 26 أبريل/نيسان في القصر العدلي بدمشق، عبر قاعة محكمة الجنايات، وهو ما يشكّل خطوة مهمة في مسار المساءلة".

وأضاف أن "بقية الملفات تسير وفق مراحل إجرائية تبدأ بالتحقيق، مرورا بإعداد الملفات القضائية، وصولا إلى الإحالة للمحاكمة".

وعن مستوى التنسيق في ملف العدالة الانتقالية ككل، شدد برهان على أن "الهيئة تعمل على إدارة هذه الملفات ضمن إطار مؤسسي متكامل، يربط بين التوثيق، والتحقيق، وإعداد الملفات القضائية، بالتنسيق مع الجهات المعنية". وأوضح أن "كل قضية تُعامل بشكل منفصل من حيث التفاصيل، لكن ضمن رؤية شاملة تضمن توحيد المعايير والإجراءات".

إعلان

وتركز الأولويات في المرحلة القادمة -حسب برهان- على "التقدم في الملفات، وتعزيز العمل على كشف الحقيقة، وتأمين الأدلة، بما يهيّئ الأرضية لمزيد من الإحالات إلى المحاكمة".

تحديات كبيرة

بدوره، قال الخبير القانوني علي الحمدي للجزيرة نت، إن توقيف أمجد يوسف يمثل "خطوة قانونية مهمة في مسار العدالة الانتقالية، إذ يرسخ مبدأ أن المسؤولية الجنائية لا تسقط بمرور الزمن أو بتغير الأنظمة"، مضيفا أن "استكمال التحقيقات بدقة وتوثيق الأدلة سيعزز مصداقية المحاكمات ويضمن تحقيق العدالة للضحايا، ويشكل رسالة قوية حول جدية النظام في ملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة".

وأكد الحمدي أن "هذه الخطوة ليست مجرد إجراء رمزي، بل جزء من مسار قانوني طويل الأمد يهدف إلى منع الإفلات من العقاب، وترسيخ القوانين الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية".

وأوضح علي الحمدي للجزيرة نت أن "العدالة الانتقالية في سوريا تواجه تحديات كبيرة نتيجة طول فترة النزاع وتعدد الأطراف المتورطة، لكنها تظل أداة أساسية لمساءلة المسؤولين عن الانتهاكات. ويتطلب نجاحها توحيد الجهود بين التوثيق، والتحقيق، والمحاكمات، فضلا عن الشفافية والمصداقية في إدارة الملفات. كما أن العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمة لأشخاص محددين، بل تتعلق بإرساء أسس لمجتمع يحترم حقوق الإنسان ويمنع الإفلات من العقاب مستقبلا".



إقرأ المزيد