الجزيرة.نت - 4/25/2026 9:36:57 PM - GMT (+3 )
لم تعد كلفة الحرب في إسرائيل تُقاس بعدد القتلى والجرحى أو بحجم الإنفاق العسكري فقط، إذ يكشف مقال جدعون ليف، مراسل العلوم في صحيفة هآرتس، أن الحرب أشعلت اضطرابات نفسية واسعة وصلت إلى مستوى سريري لدى قطاعات كبيرة من الإسرائيليين.
يفتتح الكاتب مقاله بإشارة لافتة: ففي كل ما يسميه الإسرائيليون "عيد استقلال" (النكبة) ينشر المكتب المركزي للإحصاء عدد السكان، لكن الرقم الغائب هو عدد الإسرائيليين الذين يعانون اضطرابات نفسية حادة، مرجحا أن الحديث يدور عن "ملايين"، ثم يحدد خلاصة المشهد بعبارة مباشرة: "منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصبحت إسرائيل دولة مضطربة".
صدمة جماعيةفي كل ما يسميه الإسرائيليون "عيد استقلال" (النكبة) ينشر المكتب المركزي للإحصاء عدد السكان، لكن الرقم الغائب هو عدد الإسرائيليين الذين يعانون اضطرابات نفسية حادة
يعتمد المقال على سلسلة دراسات ومقابلات مع باحثين من جامعات ومراكز إسرائيلية وأمريكية، ويقول البروفيسور إيال كالانتروف -عالم النفس في الجامعة العبرية والمتخصص في اضطراب الوسواس القهري- إن إسرائيل تقترب من وضع باتت فيه أغلبية السكان تقف إلى جانب المتضررين لا إلى جانب الأقوياء.
وتبرز خطورة الرقم في دراسته على سكان غلاف غزة، حيث تبيّن أن نحو ثلثهم معرضون لخطر كبير للإصابة بالوسواس القهري، بينما بلغت النسبة في مجموعة ضابطة لم تتعرض مباشرة للصدمة 7%، وهي نسبة وصفها كالانتروف بأنها مذهلة، مقارنة بمعدل عالمي يقل عادة عن 2%.
جسد متوتر
القيمة الخاصة في المقال أنه لا يكتفي بالاستبيانات، بل يذهب إلى مؤشرات فزيولوجية تقيس أثر الحرب في الجسم نفسه.
فالبروفيسور أرييل كوشمارو، من قسم هندسة التكنولوجيا الحيوية في جامعة بن غوريون، راقب مياه الصرف الصحي بحثا عن هرمونات التوتر والكافيين والنيكوتين وأدوية القلق.
إعلان
وبالمقارنة مع خط الأساس في سبتمبر/أيلول 2023، ارتفعت مستويات الكافيين في مياه الصرف الصحي بنحو 425%، وتضاعف استهلاك السجائر، فيما ارتفعت مستويات الكورتيزول، وهو هرمون يرتبط بالتوتر وضغط الدم وتلف القلب، بنحو 50%.
لذلك يقول كوشمارو إن "الاستجابة للأحداث كانت عميقة وفزيولوجية، وليست مجرد تغيير في العادات".
هذه الأرقام مهمة لأنها تنقل الأزمة من مستوى الشعور العام إلى مستوى القياس الحيوي، فالمجتمع لا يقول فقط إنه متوتر، إنما تترك الحرب أثرها في النوم والاستهلاك والهرمونات.
وقد دعمت الاستبيانات هذه المؤشرات، إذ أظهرت أن ما بين 20% و30% من المستجيبين ظهرت عليهم أعراض ما بعد الصدمة، بما يربط بين مستوى الاضطراب النفسي ومؤشرات التوتر في مياه الصرف الصحي.
ويصف الكاتب المجتمع الإسرائيلي بأنه بات نفسه مختبرا مفتوحا لقياس الأثر النفسي للحرب.
أرقام سريريةما بين 20% و30% من المستجيبين ظهرت عليهم أعراض ما بعد الصدمة
وفي محور اضطراب ما بعد الصدمة، يستند المقال إلى البروفيسور يوفال نيريا من جامعة كولومبيا، وإلى دراسة قادها البروفيسور يوسي ليفي بلاز، رئيس مركز ليئور تسافاتي لدراسة الميول الانتحارية والألم النفسي في جامعة حيفا، حيث بدأت الدراسة قبل الحرب بشهر تقريبا لفحص أثر الانقسام حول "الانقلاب القضائي" الذي قادته حكومة نتنياهو.
ووجدت الدراسة أن 16% من السكان كانوا يعانون أعراض اضطراب ما بعد الصدمة قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول.
وبعد شهر من الهجوم قفزت النسبة إلى 29%، وبعد عامين استقرت حول 20%. ويعلّق ليفي بلاز بأن "إسرائيل دخلت الحرب في حالة سيئة للغاية"، وأن نسبة 20% تبقى أعلى بكثير من المعدل المقبول في الدول الصناعية، والذي يتراوح بين 5% و6%.
أفاد 95% من المشاركين بوجود عرض واحد على الأقل من أعراض الضيق النفسي المرتبط بالصدمة
وتعزز البروفيسورة يائيل لاهاف، رئيسة مختبر أبحاث الصدمات النفسية في جامعة تل أبيب، هذه الصورة من خلال دراسة حديثة أُجريت في أواخر مارس/آذار على عينة تمثيلية. فقد أفاد 95% من المشاركين بوجود عرض واحد على الأقل من أعراض الضيق النفسي المرتبط بالصدمة، بينما أظهر 21% أعراضا تتجاوز العتبة السريرية، أي أكثر من ضعف النسبة المسجلة قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول.
وتصف لاهاف ذلك بأنه "مؤشر خطر بالغ الأهمية"، محذرة من أن قوائم الانتظار للعلاج طويلة بصورة غير معتادة، وسط نقص حاد في المعالجين المتخصصين في الصدمات النفسية.
لا يقف المقال عند التشخيص النفسي، إنما يربطه بالكلفة الاقتصادية والاجتماعية، فقد قدّرت جمعية ناتال، المعنية بضحايا الصدمات، الضرر الاقتصادي الناتج عن التعرض الواسع للصدمات النفسية بنحو 100 مليار شيكل سنويا.
وتقول الدكتورة يفعات رؤوفيني، مديرة الأبحاث في الجمعية وخبيرة الاقتصاد، إن هذه الحسابات "متحفظة للغاية"، وإن البيانات اللاحقة تشير إلى أن الكلفة الفعلية ستكون أعلى.
ويخلص المقال إلى أن الحرب لم تُنتج أزمة نفسية عابرة، بل دفعت المجتمع الإسرائيلي إلى حالة صدمة جماعية قابلة للقياس: وسواس قهري أعلى من المعدلات العالمية، واضطراب ما بعد الصدمة عند مستويات تفوق الدول الصناعية، وقفزة هائلة في مؤشرات التوتر داخل مياه الصرف الصحي، وارتفاع واسع في الإدمان والأرق، وكلفة اقتصادية قد تصل إلى نصف تريليون شيكل خلال خمس سنوات.
إعلان
إقرأ المزيد


